مستقبل الزخرفة الإسلامية بين الأصالة والتطور في ظل التكنولوجيا
تاريخ النشر: 2nd, February 2025 GMT
برز فنّ الزخرفة الإسلامية عبر العصور، وارتبط بتاريخ طويل من التأثيرات الثقافـية والدينية، ومع تقدم التكنولوجيا تساءلنا حول مصير هذه الزخرفة التي تمثل جزءًا مهمًا من الهوية الثقافـية والإبداعية للمجتمعات الإسلامية، هل ستظل الزخرفة الإسلامية متمسكة بجذورها، أم ستواجه تحديات جديدة تهدد وجودها؟ نناقش مع مجموعة من الفنانين والمزخرفـين العمانيين التحديات الحالية والفرص المستقبلية لهذا الفن التقليدي، إذ رأوا أنه رغم صعوبة الحفاظ على الأصالة فـي زمن العولمة والتكنولوجيا، إلا أن هناك آمالا فـي إحياء الزخرفة الإسلامية بأساليب جديدة تتماشى مع متطلبات العصر.
بين الغموض والاختفاء
قال الفنان يوسف البادي: إن موضوع الزخرفة موضوع معقد جدا؛ لأنه غير مفهوم حتى عند الفنانين، فما بالك بالعامة؟! والحديث عن مستقبلها لن يكون بالدقة التي نتوقعها.
وأضاف: نسمع عن مدارس تعليم الرسم ودورات فـي الخط وغيرها، لكن من النادر أن نسمع عن تعليم الزخرفة؛ لأن الزخرفة تم التعامل معها كثيرا على أنها جمادات فإنه يتم التعامل معها على أنها تدل على العصر الفلاني وتوقيت معين وليس على معنى معين وفـي مناسبات معينة، وهذه السلبية تعود للاستخدام الفني من قبل الفنانين بما فـيها الدراما، فقلما نرى دلالة درامية على وجود زخرفة فـي مشهد معين، وتساءل البادي هل سنصحو ذات يوم ولا نجدها كزخرفة؟ ربما علينا أن نعكس المعنى وأعتقد أن الزخرفة تصحو كل يوم وتجدنا نعاملها معاملة الأموات.
ولا يعتقد الفنان محمد بن عبدالكريم الزدجالي أن فن الزخرفة قد يختفـي يومًا ما، وقال: الدمج مع الفنون الحديثة توجه لدمج الزخرفة مع الفنون المعاصرة، مما يوجد أشكالا جديدة تجذب الأجيال الصاعدة، وقد تتغير أساليب الزخرفة وموادها، لكنها لن تختفـي طالما بقي هناك اهتمام بالثقافة والفن.
وترى الفنانة الدكتورة هبة العبدوانية أن الجهود المستمرة فـي سلطنة عُمان للحفاظ على التراث الثقافـي والفني من خلال المؤسسات الثقافـية، والمتاحف، والمهرجانات التي تحتفـي بالفنون التقليدية، ووجود جيل شاب يُظهر اهتماما متزايدا بتعلم هذه الحرف وإعادة إحيائها بلمسات عصرية وعمل معارض محلية ودولية باسم الفنون العمانية للزخارف الإسلامية تحت مظلة الجمعية العمانية للفنون التشكيلية، يجعل هذا الفن حيًا.
وتشاطرها الفنانة أنوار الحسنية الرأي، لكنها تعتقد أن هذا الفن يمكن أن يتعرض لتغييرات وتطورات مستمرة، وقالت: من المعروف أن الزخرفة الإسلامية تعد جزءا مهما فـي العديد من الثقافات المجتمعية وهناك جهود حكومية مستمرة للحفاظ عليها وتعليمها للأجيال القادمة.
فـيما يرى الفنان محمد بن عبدالكريم الزدجالي أن مستقبل فن الزخرفة واعد خاصة إذا ما تم توظيف التكنولوجيا بحكمة مع الالتزام بالجذور الثقافـية والروح الأصيلة لهذا الفن، أما الفنانة أنوار الحسنية فترى أن مستقبل هذا الفن ذو آفاق واعدة بالرغم من وجود التحديات، وأكدت أن تعزيز التعليم حول هذا الفن فـي المدارس أو الجامعات المتخصصة سيسهم فـي الحفاظ على هذا التراث الثقافـي.
ووجد الفنان يوسف البادي أن مستقبل هذا الفن أمر مهم، وأجاب على سؤال المستقبل من جانبين، الأول أن الزخرفة ستستمر كوجود بصري منقول مع الأيام وحسب، لكن هذا فـي حد ذاته شبيه بالموت السريري؛ لأنها ستظل بلا تجديد حقيقي، والثاني أن وجود التكنولوجيا هو من سيفقد الزخرفة صانعها، ومهندس تكوينها اليدوي، فمفهوم الزخرفة عند من لا يعرفه هو التكرار، والآن غدت برامج التصاميم هي أفضل من يقدم هذه الخدمة السريعة والسهلة، فكيف ونحن نعيش فـي زمن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي؟!
تحديات الزخرفة الإسلامية فـي عصر التكنولوجيا
تختلف وجهات النظر حول التحديات التي تواجه الزخرفة الإسلامية، التي تهدد وجودها فـي عصر التكنولوجيا، لكن يجمعها اتفاق على ضرورة إيجاد توازن بين استخدام التكنولوجيا والحفاظ على روح الفن وأصالته، قال الفنان يوسف البادي: الغريب أن أذكر التحدي التالي بأنه موجود فـي عصر العلم، فمع كثافة المصادر العلمية، أصبحت الزخرفة لا يعلم عنها الكثيرون سوى أنها شكل للزينة وحسب، وربط وجودها بكلاسيكية المكان ورجعيته أحيانا، وهذا الفهم يزداد ترسيخه يوما بعد يوم.
وأضاف: أكبر تحدٍ للزخرفة هو طريقة تعريفها، وأهميتها، وأسباب وجودها فـي المناهج التعليمية، والإجابة العامة عن سبب وجود الزخرفة الإسلامية تحديدا أنها موجودة لتحريم الإسلام الرسم، وهذا السبب غريب وجوده كأمر رئيسي؛ ذلك لأن الزخرفة أساسا لا تعتمد على الرسم المباشر حتى تكون بديلا له، والرسم المباشر يمكن مقابلته بمدارس أخرى كالتجريد والسريالية، أما الزخرفة فهي رموز وتجريد للواقع أو الفكرة، وهذا كان موجودا عند العرب قبل الإسلام، وهو ما يقوم عليه فنهم، بل وأصنامهم، لهذا فإن ربط وجود الزخرفة الإسلامية بهذا السبب يجعلنا نغفل عن الدراسات وفكر المسلم العميق فـي فن نستطيع أن نقول إنه ابتكره فـي كثير من جوانبه وطوره فـي أماكن أخرى، وهذا الأمر، للأسف، ولّد مفهوما أن الزخرفة من الحلال وما سواه من المحرمات، وهذا يعطي انطباعا أن الإسلام تحجر فـي جانب وحيد، بالرغم من أن فن الزخرفة فـي حد ذاته دليل على الاتساع الفكري ومهارة قصوى فـي تجريد الفكر مع الواقع، وهذا ما غفل عنه الكثيرون وتناسته المناهج فـي صفحاتها.
وقال الفنان محمد بن عبدالكريم الزدجالي: أحد التحديات الرئيسية هو الحفاظ على أصالة الزخرفة الإسلامية فـي ظل الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، حيث يمكن للبرمجيات أن تنتج أنماطا زخرفـية بسرعة، لكن فـي كثير من الأحيان تفقد هذه الأعمال اللمسة الإنسانية والعمق الروحي الذي تتميز به الزخرفة التقليدية، وبالرغم من ذلك، أرى أن التكنولوجيا قد تكون فرصة وليست عائقا إذا استُخدمت بشكل صحيح، فهي تتيح أدوات جديدة لتطوير التصاميم وتوسيع انتشارها عالميا.
ورأت الدكتورة هبة العبدوانية أن أحد أكبر التحديات التي تواجه الزخرفة الإسلامية فـي ظل وجود التكنولوجيا الحديثة هو الحفاظ على روح الأصالة والهوية مع مواكبة التقنيات المعاصرة، وفقدان العنصر اليدوي التقليدي يعد تحديا كبيرا، فالزخرفة الإسلامية تعتمد تاريخيا على العمل اليدوي الدقيق الذي يبرز الإبداع والتفرد، مع ظهور برامج التصميم والطابعات ثلاثية الأبعاد، أصبحت الأنماط تُنتج بسرعة، مما قد يفقدها الدفء والحرفـية الأصيلة، كما أن هناك ابتعادا عن القيم الروحية، فالزخارف تحمل فـي جوهرها معاني رمزية وروحية عميقة، والتقنية الحديثة قد تحولها إلى مجرد عناصر زخرفـية دون الاهتمام بمضمونها الثقافـي والديني، ومع الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، يقل اهتمام الجيل الجديد بتعلم الحرف اليدوية التقليدية، مما يهدد بانقراض المهارات التاريخية المرتبطة بالزخرفة الإسلامية، أما الحل فـيكمن فـي إيجاد توازن بين استخدام التكنولوجيا لتطوير هذا الفن والحفاظ على جذوره الأصيلة من خلال توثيقه وتعليمه للأجيال القادمة.
وأضافت الفنانة أنوار الحسنية: التحدي الأكبر الذي يواجه الزخرفة الإسلامية فـي عصرنا الحالي هو التوازن بين الحفاظ على التراث الفني التقليدي ودمجه مع التكنولوجيا الحديثة، والتحول الرقمي وبرامج التصاميم قد تؤدي إلى إنتاج زخارف أسرع وأقل تكلفة، ولكن مع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا، قد تنقرض بعض الحرف اليدوية المتعلقة بالزخرفة، مما يهدد القيم الفنية التقليدية.
تحولات الزخرفة الإسلامية عبر العصور
تعد الزخرفة الإسلامية من أبرز الفنون الإسلامية التي شهدت تطورا كبيرا عبر العصور، ومع مرور الزمن، تراجعت بعض الأنماط الزخرفـية القديمة، فـي ظل تغييرات ثقافـية وتقنية أدت إلى ظهور أساليب جديدة.
وأشار الفنان يوسف البادي إلى أن الزخرفة الإسلامية كانت فـي ذروتها عندما كان المسلمون يسيطرون على حضارات العالم، وأكد أن الزخرفة لم تكن مجرد تزيين، بل كانت مرتبطة بالخط العربي والهدف الروحي والمعماري، مشددا على أن الزخرفة تطورت عبر العصور لتلبية احتياجات الحياة اليومية، كما أضاف أن الزخرفة اليوم فقدت روحها وأصبحت مجرد تزيين بلا إحساس إنساني.
وتحدث الفنان محمد بن عبدالكريم الزدجالي عن تراجع الأنماط القديمة مثل فنون الخشب المحفور والفسيفساء التقليدية، بسبب قلة الحرفـيين المتخصصين وارتفاع تكلفة الإنتاج، وأكد أن الزخرفة الإسلامية تطورت بتأثير ثقافات مختلفة، مع الحفاظ على مبادئها الأساسية، أما فـي العصر الحديث، فلاحظ تأثيرات معاصرة مثل استخدامها فـي التصميم الرقمي والصناعات الإبداعية.
فـيما تحدثت الفنانة الدكتورة هبة العبدوانية عن تطور الزخرفة الإسلامية من البساطة إلى التعقيد مع استخدام الزخارف النباتية والخطوط الكوفـية، وأكدت أن التكنولوجيا أدت دورا مهما فـي تجديد الزخرفة الإسلامية، وأضافت أن الزخرفة الإسلامية تُستخدم حاليا فـي العلاج بالفن، حيث تساعد فـي تحسين الصحة النفسية من خلال تأثيرها الروحي والنفسي العميق.
وأكدت الفنانة أنوار الحسنية أن العديد من الأنماط الزخرفـية العربية قد اندثرت بسبب تأثير الأنماط الغربية والعالمية على التصميم والفنون، بالإضافة إلى الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا لسهولة وسرعة تنفـيذ الزخارف، كما أشارت إلى أن الذوق العام تحول نحو البساطة والحداثة، وتحدثت عن تاريخ الزخرفة الإسلامية الغني بالتطورات والتحولات عبر العصور، حيث تأثرت بالعوامل الثقافـية والدينية والاجتماعية والسياسية، وذكرت أن الأسلوب الأموي كان يتميز بالزخارف الهندسية والنباتية البسيطة، بينما فـي الأسلوب العباسي تطورت الزخرفة لتصبح أكثر تعقيدا مع إضافة الخط العربي كعنصر أساسي، وأكدت أن الزخرفة الإسلامية استمرت فـي التطور حتى القرن الحالي، حيث بدأت الحركة الفنية فـي دمج الزخارف التقليدية مع التصاميم المعاصرة.
الزخرفة الإسلامية وهويتها الثقافـية والدينية
وحول الفن والهوية، كان السؤال: كيف يمكن لفن الزخرفة الإسلامية أن يعكس الهوية الثقافـية والدينية؟
يجد الفنان يوسف البادي أن ذلك يحدث بشرط، وهو أن يتقدمها شرح للزخرفة وكيف تبنى على أساسها الفكرة والمعنى الداخلي، ومهارة الصناعة فـيها، وقال: حينها سيصل للمتلقي أن الزخرفة ليست لهدف تزيين أو تجميل فـي أصلها، بل دليل على الفكر والرؤية الإسلامية الواسعة والدقيقة، ورسم الأبعاد والمعاني فـي التكوين الزخرفـي كالزخرفة النجمية، إلى جانب مفهوم التوازن فـي الشخصية المسلمة التي تترجم من خلال الكثير من أنواع الزخارف المتوازنة فـي أشكالها.
وأشار الفنان محمد الزدجالي إلى أن الزخرفة الإسلامية تعكس الانسجام بين الجمال والروحانية، وأكد أنها تعبر عن العقيدة والهوية الثقافـية من خلال أنماطها الدقيقة التي تعكس التناغم والنظام، مضيفا أنه يمكنها أن تصبح وسيلة تواصل ثقافـي قوية فـي المجتمعات المعاصرة إذا أُعيد تقديمها بطريقة تُبرز قيمها الجوهرية مثل التوازن والجمال والإبداع، كما أن دمجها فـي التصميمات الحديثة للمباني والمساحات العامة يعيد إحياء هذا التراث ويعزز الشعور بالهوية.
وأكدت الفنانة الدكتورة هبة العبدوانية ما قاله البادي فـي كون فن الزخرفة الإسلامية ليس مجرد زينة؛ بل هو تعبير عميق عن الهوية الثقافـية والدينية، وقالت: تعتمد الزخرفة الإسلامية على أنماط هندسية ونباتية تعكس النظام والتوازن فـي الكون، وهي رمزية ترتبط بالمعتقدات الدينية مثل وحدانية الله والتناغم فـي خلقه، واستمرار استخدامها يرسخ القيم الروحية للمجتمعات، مضيفة أنه يمكننا الحفاظ على استمرارية هذا الفن الجميل عن طريق استخدامه فـي العمارات الحديثة والمساجد والمراكز الثقافـية بأسلوب يتماشى مع العصر، وكذلك إدراجه ضمن المناهج الدراسية لتعليم الأجيال الحديثة والحفاظ على الثقافة الإسلامية.
ورأت الفنانة أنوار الحسنية أن إعادة إحياء الأنماط الزخرفـية التي تعكس تاريخ وثقافة المجتمعات واستخدام الرموز الدينية مثل الآيات القرآنية التي تعبر عن الكمال وبالتالي تعكس القيم الروحية والفلسفـية فـي المساجد والمراكز الثقافـية والأماكن الفنية يعزز من الهوية الثقافـية الدينية ويجعلها جزءا من الحياة اليومية.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الثقافـیة والدینیة الهویة الثقافـیة على التکنولوجیا الحفاظ على عبر العصور هذا الفن من خلال على أن
إقرأ أيضاً:
المهرجانات.. لحن الأصالة والهوية
علي عبد الرحمن
أخبار ذات صلةتعتبر المهرجانات التراثية والفنية في دول الخليج العربية، نافذة حضارية، تجمع بين الإرث الثقافي العميق وروح الحداثة المتسارعة. ولطالما كانت الموسيقى في الخليج العربي أكثر من مجرد وسيلة ترفيهية، إنها نبض التاريخ وشريان الهوية الثقافية، تروي عبر أنغامها قصص المكان وسير الأجيال، وترسم مشاهد من الحياة البدوية والبحرية التي شكّلت ملامح المنطقة.
في دولة الإمارات، نجد «العيّالة»، أكثر من مجرد رقصة شعبية، إنها رمز يتجلى فيه معنى الكرامة واللحمة الاجتماعية التي كانت ولا تزال تعبّر عن وحدة القبيلة، بينما ينبثق «الصوت» الكويتي من عمق البساطة، حاملاً في طياته رهافة المشاعر التي تنبض في وجدان الأجيال. أما فنون البحرين الشعبية، فتمتزج فيها إيقاعات البحر بنبض الإنسان، فيما يتغنى «فن الطارق» السعودي بصدى الصحراء الواسعة، وأصواتها الحية التي تعكس عراقة المنطقة وروحها الأصيلة.
لكن الإرث الموسيقي لا يعيش في الماضي وحده، بل يجد مكانه في الحاضر عبر إعادة إحياء مبتكرة توازن بين التراث وروح العصر، وهنا تتجلى العبقرية في قدرة المهرجانات الخليجية على تقديم تجربة موسيقية تمزج بين العود والقانون كأوتار تحكي الأصالة، وبين الكمان والبيانو كأصوات تستدعي الحداثة، إنها تجربة تحاكي التناغم بين القديم والجديد، حيث تتلاقى الألحان التقليدية مع التوزيعات الموسيقية العصرية، ما يخلق جسراً حياً يربط بين جيل الأجداد وجيل الشباب دون أن يفقد التراث هويته أو جوهره العريق.
تتصدر دولة الإمارات المشهد الخليجي في الحفاظ على الهوية الموسيقية، فالموسيقى ليست مجرد نغمات وأصوات، بل لحن متواصل يعزف على أوتار الزمان والمكان، مستحضرة الماضي في قلب الحاضر. وبإيقاع متقن، تعزف الإمارات لحنها الفريد الذي يجسّد إرثها الثقافي ويعبّر عن هويتها المتميزة، ففي مهرجاناتها ومبادراتها، تتناغم الأنغام التقليدية مع الابتكار العصري، لتخلق سيمفونية متكاملة. وتتألق الإمارات من خلال مهرجاناتها الموسيقية والتراثية التي تُعدُّ بمثابة منصة مفتوحة للتجسيد الموسيقي للذاكرة الجماعية، مثل «مهرجان الحصن» في أبوظبي، حيث تبرز الألوان الصوتية للدفوف والطبول التقليدية، مختلطةً بالألحان الحديثة التي تستدعي الزمان والمكان في سيمفونية متجدّدة.
ويجسّد «مهرجان الشيخ زايد التراثي» مزيجاً فنياً يعكس تفاعل الجماهير مع إيقاعات الهوية، وتنساب أنغام الصوت والآلات التقليدية في توازن فني مدهش. وتشبه «أيام الشارقة التراثية»، آلة العود التي تردد أنغامها في فضاء زمني يتنقل بين الماضي والحاضر، في هذا المهرجان، تتشابك أغاني الصحراء وطبول البادية مع الرقصات التقليدية، لتصبح كأنها نوتات من تاريخ طويل، ترسم لوحة فنية تخلّد ذكرى الأجداد وتستقطب الأجيال الجديدة. ويمثل «رأس الخيمة التراثي»، سيمفونية كبيرة تجمع الأصوات التقليدية من عود وقانون وأصوات البحر والصحراء، لتخلق مزيجاً متناغماً من الأصالة والابتكار. وتتواصل الأنغام الإماراتية عبر هذه المهرجانات، حيث يُعيد التراث الموسيقي تشكيل نفسه في قوالب مبتكرة تواكب العصر دون أن تفقد هويتها، ولا تعبّر الموسيقى عن الماضي فحسب، بل تكتب ألحان الحاضر وتبني نغمات المستقبل، لتظل أداة محورية في الحفاظ على الهوية الثقافية والتراث الموسيقي.
بوابة الثقافة
تُشَكّل المهرجانات الكبرى في الخليج العربي بوابةً رئيسة للتعريف بالهوية الثقافية والموسيقية التي تتميز بها المنطقة، فهي ليست مجرد فعاليات ترفيهية، بل نوافذ للروح الخليجية تُفتح على العالم، وفي قلب المهرجانات، يتعانق الماضي مع الحاضر، والألحان التقليدية مع الأنغام الحديثة، لتُقدم تناغماً موسيقياً ينبض بالحياة والتاريخ.
في السعودية، يظل «مهرجان الجنادرية» واحداً من أبرز هذه الفعاليات التي تحتفل بالتراث الوطني، وأصبح أكثر من مجرد مهرجان شعبي، فهو سيمفونية متكاملة تدمج بين الألوان الموسيقية المختلفة، حيث تمتزج إيقاعات «الليوة» و«العرضة» مع الرقصات الشعبية التي تحاكي الحياة اليومية في البادية والمدن، ليشهد الحضور على لحن من الماضي والحاضر، يعكس تنوع المناطق السعودية.
ويُعد «مهرجان البحرين للموسيقى» من الفعاليات التي تتماهى مع النبض الثقافي العالمي، حيث يُحتفى بالموسيقى كوسيلة للحوار والتواصل بين الثقافات، وتلتقي الأنغام الخليجية مع الموسيقى العالمية، لتُجسد تفاعل الشرق بالغرب من خلال عروض موسيقية مبتكرة.
وتصدح آلات بحرينية تقليدية مثل «العود» و«الربابة» جنباً إلى جنب مع الآلات الحديثة مثل البيانو والكمان، لخلق تناغم فني يعكس الروح البحرينية المتجددة.
يتبوأ الشباب المكانة الأهم كمحرك رئيس لاستدامة التراث الموسيقي، وهناك العديد من المبادرات الرائدة، التي تساهم في ربط الأجيال الشابة بالتراث، مثل «الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة»، التي تُعد واحدة من أبرز المنصات التي تعكس التزام الدولة بتطوير الفنون والموسيقى من جميع الأشكال والأنماط، وتُعد جسراً ثقافياً يربط بين الماضي والحاضر، حيث تُسلط الأضواء على التراث الموسيقي الإماراتي، بدءاً من الألحان التقليدية التي نشأت في الصحراء، وصولاً إلى التوليفات المعاصرة التي تعتمد على التقنيات الحديثة.
من خلال هذه الأوركسترا، تُتاح الفرصة للشباب للمشاركة في تقديم أعمال موسيقية تدمج بين الأصالة والابتكار، والموسيقى التي تُعزف ليست مجرد ألحان معاصرة، بل مزيج من الأشكال القديمة التي تتلاقى مع الأصوات الجديدة التي تعتمد على التقنيات الصوتية الحديثة، وبذلك تصبح الأوركسترا فضاءً مميزاً، يحث الشباب على الانفتاح على تجارب جديدة، بينما يحافظون في الوقت ذاته على ارتباطهم بجذورهم الثقافية.