في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة، تسعى دول الجنوب العالمي، بقيادة الصين وروسيا، إلى إعادة تشكيل النظام الدولي، بهدف كسر هيمنة الغرب وتحقيق مصالحها المتنامية.

وكرد فعل مباشر على العقوبات والعراقيل التي يفرضها الغرب للحد من صعود الاقتصادات الناشئة، جاء تأسيس منظمة بريكس، التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، كمحاولة لتعزيز التعاون بين الدول النامية، وتلبية تطلعاتها نحو بناء نظام اقتصادي عالمي أكثر عدالة.

وتسعى المجموعة إلى تطوير آليات مالية واقتصادية مستقلة تُسهم في إعادة توازن القوى الاقتصادية على المستوى العالمي.

"بنك التنمية الجديد" تأسس عام 2015 كمؤسسة مالية متعددة الأطراف (الأوروبية) بنك التنمية الجديد

وتسعى منظمة بريكس، التي تضم نحو 40% من سكان العالم وأكثر من 25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، لتعزيز التعاون بين الدول النامية التي تزخر بموارد طبيعية هائلة وتتمتع بأسواق ضخمة تمنحها نفوذا اقتصاديا متزايدا.

وفي إطار سعيها لتوفير بدائل للمؤسسات المالية الدولية المهيمنة، أنشأت بريكس "بنك التنمية الجديد" (NDB) الذي يعد أحد أبرز أدوات المواجهة الاقتصادية بين التكتل والغرب.

ويشكل هذا البنك بديلًا للمؤسسات المالية الغربية، إذ يتيح للدول الأعضاء تمويل مشاريعها التنموية وتقليل اعتمادها على الأنظمة المالية التقليدية التي يسيطر عليها الغرب، ويعزز استقلالية اقتصادات دول الجنوب العالمي ويعيد رسم دورها في النظام الدولي.

إعلان

وبحسب موقعه الرسمي، فقد تأسس البنك عام 2015 كمؤسسة مالية متعددة الأطراف، تهدف إلى تعبئة الموارد لتمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية المستدامة في دول بريكس والدول النامية الأخرى.

المقر الرئيسي لبنك التنمية الجديدة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز) تحالفات اقتصادية

تحظى بريكس بدعم متزايد من دول الجنوب العالمي التي تسعى إلى تقليص النفوذ الغربي على اقتصاداتها، ويعكس اهتمام دول مثل السعودية والأرجنتين بالانضمام إلى المجموعة رغبة متزايدة في بناء تحالفات اقتصادية بديلة خارج الإطار الغربي.

إلى جانب ذلك، تعمل دول بريكس على تعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة، بل تمتد بعض أوجه التعاون إلى المجال العسكري، مما يثير مخاوف الدول الغربية من تنامي نفوذ التكتل على الساحة الدولية.

وتلعب الصين وروسيا دورًا محوريا في تحويل بريكس إلى منصة لمواجهة الهيمنة الغربية، وتسعى بكين عبر "مبادرة الحزام والطريق" إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والمالي بين الدول الأعضاء وتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي.

في المقابل، تستخدم روسيا المنظمة كأداة لمواجهة العزلة الدولية المفروضة عليها بسبب العقوبات الغربية، إضافة إلى سعيها لإنشاء نظام مالي بديل، وتعزيز التجارة بين الدول الأعضاء باستخدام العملات المحلية، مما يعزز استقلالها الاقتصادي.

وفي هذا الإطار، شهد التبادل التجاري بين الصين وروسيا خلال عام 2024 نموًّا قياسيًّا، مدفوعًا بارتفاع صادرات النفط والغاز والفحم الروسي، مما يعكس تزايد التعاون الاقتصادي بين البلدين، وفقًا لموقع "تي في بريكس".

تأتي هذه الجهود ضمن إستراتيجية أوسع تهدف إلى بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب يتحدى الهيمنة الأميركية والأوروبية، من خلال ربط آسيا وأفريقيا وأوروبا بشبكة متكاملة من البنية التحتية والتجارة، تعزز مكانة بريكس كقوة اقتصادية عالمية.

إعلان

مخاوف الغرب من بريكس

ينظر الغرب إلى بريكس باعتبارها أداة لتعزيز نفوذ الصين وروسيا في دول الجنوب العالمي، بما قد يُضعف التحالفات الغربية التقليدية ويطرح نموذجًا اقتصاديًّا بديلًا، يشكل تحديًا للهيمنة الغربية وقدرتها على استقطاب الدول النامية الباحثة عن شركاء جدد للتعاون والتنمية.

وفي قمة بريكس الأخيرة، دعت الصين وروسيا إلى تعزيز التعاون الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الدولار، وهو ما أثار قلقًا كبيرًا في واشنطن، حيث يرى الساسة الأميركيون أن أي محاولة لتقويض هيمنة الدولار تمثل ضربة قوية للاقتصاد الأميركي.

وتخشى واشنطن أن يؤدي تعزيز التجارة بين أعضاء بريكس باستخدام العملات المحلية إلى تقليص دور الدولار كعملة احتياطية عالمية، مما يهدد مكانته في الأسواق المالية الدولية.

ورغم تباين مواقف الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تجاه بريكس، فإن الجانبين يتفقان على اعتبارها تهديدًا اقتصاديا وإستراتيجيا.

إضافة إلى ذلك، تعكس الخلافات الأيديولوجية والسياسية بين الغرب وبريكس اختلافًا في الرؤى حول حقوق الإنسان والحوكمة والديمقراطية، وذلك مما يزيد من التوترات بين الطرفين ويعزز النظرة الغربية إلى بريكس ككتلة تسعى لإعادة تشكيل النظام العالمي وفق أسس مغايرة للنموذج الغربي التقليدي.

الغرب ينظر إلى بريكس باعتبارها أداة لتعزيز نفوذ الصين وروسيا في دول الجنوب العالمي وهو ما يشكل تحديًا للهيمنة الغربية (الأوروبية) بريكس وتحدي الهيمنة

تتصاعد المناقشات داخل بريكس حول إنشاء عملة موحدة بديلة للدولار، وهي خطوة جذرية قد تهدد النظام الاقتصادي العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

وتثير هذه التحركات قلق الغرب بشأن التداعيات المحتملة على الأسواق المالية العالمية، حيث يمكن أن تؤدي إلى إضعاف دور الدولار كعملة احتياطية عالمية. ووفقًا لمقال في موقع "إنفيستنغ نيوز نيتوورك"، فإن "إنشاء عملة احتياطية جديدة لدول بريكس قد يؤدي إلى انخفاض الطلب على الدولار، وذلك ينعكس على الاقتصادات العالمية بشكل مباشر".

إعلان

أما الاتحاد الأوروبي، فينظر إلى بريكس باعتبارها منافسًا اقتصاديا قويا، خصوصًا مع النمو السريع للصين والهند، وتأثير المجموعة المتزايد على الأسواق العالمية والموارد الطبيعية والمؤسسات المالية الدولية.

وتتبع دول الاتحاد الأوروبي نهجًا مزدوجًا؛ فمن جهة تحرص على الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع دول بريكس، لا سيما مع الهند والبرازيل، ومن جهة أخرى تعزز تحالفها مع الولايات المتحدة لمواجهة السياسات الصينية والروسية.

ورغم المنافسة الاقتصادية، لا تزال هناك مجالات للتعاون بين الاتحاد الأوروبي وبريكس، خاصة في القضايا العالمية مثل التغير المناخي، ومكافحة الأوبئة، وأمن سلاسل التوريد، ومكافحة الإرهاب.

ويعكس هذا التقاطع في المصالح درجة من التداخل بين الطرفين، رغم الخلافات الجوهرية حول النظام الاقتصادي العالمي.

وفي المقابل، يرى مقال مشترك للكاتبين نارايانابا جاناردان وحسين حقاني في موقع "ذا هيل" أن "توسع بريكس لا يعني بالضرورة معاداة الغرب، بل يعكس تحولًا نحو نموذج اقتصادي أكثر استقلالية، مع التركيز على التنمية والتعاون الاقتصادي"، وذلك يشير إلى أن المجموعة لا تهدف فقط إلى المواجهة، بل تسعى إلى تأسيس نموذج عالمي جديد للتعاون.

تعكس هذه التطورات قلق الغرب المتزايد من تأثير بريكس على النظام الاقتصادي العالمي، لا سيما في ما يتعلق بمكانة الدولار والعلاقات الاقتصادية التقليدية.

ومع استمرار توسع بريكس وسعيها إلى إنشاء مؤسسات مالية بديلة، يصبح مستقبل الهيمنة الغربية على الاقتصاد العالمي موضع تساؤل، حيث يتجه العالم نحو نظام أكثر تعددية في القوى الاقتصادية والمالية.

ترامب هدد بفرض تعريفات جمركية بنسبة 100% على واردات دول بريكس إذا مضت في إنشاء عملة موحدة بديلة للدولار (الفرنسية) واشنطن في مواجهة بريكس

في الولايات المتحدة، يُنظر إلى بريكس على أنها تهديد إستراتيجي واقتصادي، وقد عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن هذه المخاوف واصفًا بريكس بأنها تهديد للأمن القومي، محذرًا من أن أي محاولة لتقويض الدولار ستشكل ضربة قاسية للاقتصاد الأميركي.

إعلان

وهدد ترامب بفرض تعريفات جمركية بنسبة 100% على واردات دول بريكس إذا مضت في إنشاء عملة موحدة بديلة للدولار. وفي مقابلة مع "سي إن بي سي" في مارس/آذار 2024، شدد ترامب على أن الحفاظ على الدولار كعملة احتياطية عالمية أمر غير قابل للتفاوض، محذرًا من أن التخلي عن الدولار سيكون ضربة قاسية للاقتصاد الأميركي.

كما تعهد بعدم السماح لأي دولة بالاستغناء عن الدولار، مؤكدًا أنه "سيظل العملة الاحتياطية العالمية".

وفي مواجهة تنامي نفوذ بريكس، عززت الولايات المتحدة تحالفاتها الاقتصادية والأمنية، مثل مجموعة السبع (G7) التي تسعى لمواجهة صعود الاقتصادات الناشئة، وتحالف أوكوس (AUKUS) في منطقة المحيطين الهندي والهادي بهدف الحد من نفوذ الصين.

كذلك كثفت جهودها لاحتواء التوسع الاقتصادي والسياسي للصين وروسيا داخل بريكس. ووفقًا لمقال في موقع "يوراسيا ريفيو"، فإن المخاوف الأمنية من تنامي نفوذ بريكس قد تدفع الولايات المتحدة إلى تعميق التعاون الأمني مع حلفائها وتوسيع نطاق تحالفاتها الإستراتيجية، لمواجهة التحولات المتسارعة في النظام العالمي.

التحديات التي تواجه بريكس

لا بد من الإشارة إلى أن التحديات التي تواجهها بريكس لا تقتصر على الخارجية منها، فهي تواجه تحديات داخلية مهمة أيضًا، ويمكن لهذه التحديات أن تعرقل قدرتها على تحقيق أهدافها، لا سيما في ما يتعلق بإنشاء نظام مالي بديل.

كذلك فإن بريكس تعاني من تباينات جوهرية في المصالح الاقتصادية والسياسية لدولها الأعضاء، مما يجعل التنسيق داخل المجموعة تحديًا كبيرًا.

فبينما تسعى الصين وروسيا إلى مواجهة الهيمنة الغربية بشكل مباشر، تحافظ الهند على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة تجعلها في موقف متناقض مع شريكيها الرئيسيين داخل التكتل، وتحدّ من قدرتها على تبنّي مواقف موحدة معهما.

وتؤثر النزاعات الحدودية، مثل التوترات بين الصين والهند في جبال الهيمالايا، على فاعلية التعاون داخل بريكس، فرغم الجهود الدبلوماسية تظل هذه الخلافات عقبة أمام تحقيق تكامل سياسي واقتصادي حقيقي.

إعلان

بالإضافة إلى ذلك، يظهر التفاوت الكبير بين اقتصادات الدول الأعضاء كعامل آخر يحدّ من فاعلية بريكس، فبينما تُعد الصين والهند قوتين اقتصاديتين صاعدتين تواجه جنوب أفريقيا والبرازيل تحديات داخلية كالبطالة والتضخم تعيق مساهمتهما الفعالة في تحقيق الأهداف المشتركة.

وعلى صعيد التحديات الخارجية، فإن بريكس تواجه ضغوطًا متزايدة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتهديدا بفرض العقوبات، في ما يعد تحديا كبيرا على الصعيد العملي، لكنه يمكن أن يأتي بنتائج عكسية من خلال دفع دول بريكس إلى تعزيز تعاونها وتطوير بدائل اقتصادية جديدة.

كذلك تستغل الدول الغربية قضايا مثل حقوق الإنسان والديمقراطية لتقويض نفوذ بريكس عالميا.

الصين ومحاولات التغلب على التحديات

تُعد الصين القوة المهيمنة فعليًّا على بريكس، فوفقًا للمحلل الاقتصادي بول مكنمارا فإن الصين تمثل وحدها 73% من إجمالي اقتصاد المجموعة، مما يعكس الفجوة في التأثير في مشاريع المنظمة وقراراتها خصوصًا مع انشغال روسيا بحربها في أوكرانيا.

وتسعى الصين إلى تعزيز قوة بريكس من خلال توسيع عضويتها، حيث دعمت انضمام السعودية والإمارات وإيران، في خطوة تهدف إلى تحويل المجموعة إلى تحالف اقتصادي وسياسي أكثر تأثيرًا عالميا.

ووفقًا لمقال في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، فإنه "من السهل التقليل من شأن بريكس، لكن القمة الأخيرة التي استضافها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعكس مشكلة أعمق"، في إشارة إلى قدرة المجموعة على التأثير في النظام المالي العالمي.

في نهاية المطاف، يُعد الصراع بين بريكس والغرب انعكاسًا للتحولات العميقة في النظام العالمي، حيث تقف المنظمة أمام معركة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة وحلفائها الذين يسعون للحفاظ على هيمنتهم الاقتصادية والمالية.

ويكمن التحدي الأكبر أمام بريكس في مدى قدرتها على تجاوز خلافاتها الداخلية، وتعزيز التعاون الجماعي لمواجهة التحديات التي يفرضها النظام العالمي القائم.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات دول الجنوب العالمی التعاون الاقتصادی الاتحاد الأوروبی الولایات المتحدة النظام العالمی الدول النامیة تعزیز التعاون الصین وروسیا على الدولار إنشاء عملة بین الدول إلى بریکس إلى تعزیز فی النظام ا اقتصادی دول بریکس

إقرأ أيضاً:

الحرب على غزة وتجديد الإمبريالية

ارتبط مصطلح الإمبريالية بمراحل التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار، وظل اليسار الراديكالي يستعمله حتى الآن. لم تعد الإمبريالية شائعة في الخطاب السياسي العربي، لذا فإننا نحتاج إلى تذكير القارئ بمدلولها.

الإمبريالية هي سياسة تهدف إلى توسيع نطاق حكم دولة ما على حساب دول أخرى وشعوبها، وذلك بغرض زيادة نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي.

ارتبطت الإمبريالية تاريخيًا بنشأة وصعود الدولة القومية الأوروبية والصراع فيما بينها، لكن ما نشهده في عالم اليوم، ومنذ عقد من السنين، هو إعادة تشكيل المنافسة على المصالح الاقتصادية والجيوسياسية (والتعاون بشأنها) باعتبارها منافسة بين "دول حضارية" لا قومية.

اللافت أن الإمبريالية تعود سيرتها الأولى، وتستعيد تقاليد الغزو المباشر واحتلال الأراضي، وطرد أو تهجير السكان، كما يجري في أوكرانيا الآن، وكما يتطلع ترامب لضم بنما وغرينلاند. أما غزة فالمطروح لها ليس ضمها لإسرائيل وبناء المستوطنات من جديد، ولكن تهجير سكانها واحتلال أرضها بالاستثمارات العقارية.

لكن ما المقصود بالدولة الحضارية التي تحل بالتدريج محل الدولة القومية التي نشأت منذ معاهدة وستفاليا (1648)؟ وما موقع الحرب على غزة من إعادة تشكيل طبيعة الصراعات العالمية؟

إعلان هجوم دولة الحضارة

في تقديري، إن الدولة الحضارية لها سمات أربع تميزها عن الدولة القومية التي بدأت بنظام وستفاليا:

1- تجاوز مفهوم الدولة القومية

وهو المفهوم الذي فصل الهوية الثقافية عن السياسة، والمصالح عن القيم، أو لنقلْ إنه صنع هوية جديدة، قوامها المواطنة. أساس الصراع في الدولة القومية هو الأفكار السياسية والمصالح الوطنية والقومية، وليس الاختلافات الدينية أو الثقافية.

مفهوم الدولة الحضارية يتأسس– كما يرى ماسيس وزير الدولة البرتغالي للشؤون الأوروبية سابقًا – على: "أن الدول القومية اختراع غربي، وهي بطبيعة الحال عرضة للتأثير الغربي. أما الحضارات فهي بديل للغرب".

إن إدارة مودي، من خلال التأكيد على أن الهند حضارة، تحيل المعارضة – المؤتمر الوطني الهندي – إلى قوة غربية عازمة على قياس نجاح الهند بمقياس نظام أجنبي.

والواقع أن أفكار العلمانية والعالمية، التي كانت سمة لصيقة تاريخيًا بحزب المؤتمر الوطني الهندي، يُنظر إليها الآن باعتبارها واردات ثقافية يتعين على الهند أن تحرر نفسها منها.

المشاريع العسكرية والسياسية التركية في جنوب القوقاز والشرق الأوسط لها صدى تاريخي، فهي دليل على عظمة تركيا، وتُظهر أن تركيا ستكون حيثما يقول الرئيس رجب طيب أردوغان إنها يجب أن تكون.

2- انتفاء القيم العالمية

وهي القيم التي كان جوهرها بعد الحرب الثانية، هو النظام الليبرالي الغربي. يقول المدافعون عن الدولة الحضارية: "إن البحث عن القيم العالمية قد انتهى، وإننا جميعًا يجب أن نقبل أننا نتحدث فقط نيابة عن أنفسنا ومجتمعاتنا".

تقاوم روسيا فلاديمير بوتين والصين شي جين بينغ المطالبات العالمية للنظام العالمي الليبرالي. وهذا الرفض، بدوره، يدفع الغرب أيضًا إلى تصور وجوده في العالم من منظور حضاري.

يناشد بوتين الروس ألا يتبعوا أغنية الغرب المتمثلة في التعبير الفردي عن الذات، بل أن يساعدوا بدلًا من ذلك في جعل روسيا عظيمة مرة أخرى.

إعلان

ويتحدّث الرئيس الصيني بنبرة مماثلة عن مشروع الصين العظيم للتجديد الوطنيّ، والذي يحتفل بالثقافة الصينية باعتبارها متميزة عن الفردية الغربية. أما الرئيس التركي فيرفض القيم الغربية فيما يخصُّ قضايا المرأة، ويدعم الأسرة الطبيعية.

حاول البعض أن يصوّر الحرب على الإرهاب – التي بدأت عام 2001، وكان مسرحها العالم الإسلامي، أو ما أطلق عليه الشرق الأوسط الكبير- باعتبارها صراعًا حضاريًا بين الغرب والإسلام، إلا أنه سرعان ما تم التراجع عن هذا الوصف. نُظر إليها باعتبارها نشرًا لقيم الديمقراطية.

بذل جورج دبليو بوش قصارى جهده مرارًا وتكرارًا للتأكيد على أن الحرب العالمية ضد الإرهاب وتغيير النظام في العراق تتم وفقًا لشروط نهاية التاريخ – أي هيمنة النظام الليبرالي، وليس منطق صراع الحضارات – كما أعلن هنتنغتون.

صرّح بوش الابن (2001- 2009) قائلًا: "عندما يتعلق الأمر بالحقوق والاحتياجات المشتركة للرجال والنساء، فلا يوجد صراع بين الحضارات"، كما قال: "إن متطلبات الحرية تنطبق بالكامل على أفريقيا وأميركا اللاتينية والعالم الإسلامي بأسره. إن شعوب الدول الإسلامية تريد وتستحق نفس الحريات والفرص التي يتمتع بها الناس في كل دولة. وينبغي لحكوماتها أن تستمع إلى آمالها".

حملت الحرب على الإرهاب – بالتأكيد – أبعادًا ثقافية؛ إلا أن جوهرها كان صراعًا تُختبر فيه القوى الدولية المختلفة توازنات القوة فيما بينها في ظلّ امتزاج شديد للمصالح والتغيرات الجيوسياسية بالأبعاد الثقافية والقيمية للصراع.

منذ 11 سبتمبر/ أيلول؛ استخدمت واشنطن قوتها لإضعاف القيود المفروضة على استخدام القوة. أدت الحرب على الإرهاب بعد عام 2001 إلى تآكل النزعة الدولية، حيث استخدمت الولايات المتحدة تفوقها لإرغام الدول أو إقناعها أو تملقها للانضمام إلى حملاتها العسكرية، مع القليل من الاهتمام بكيفية إلحاق تصرفات واشنطن الضرر بالعلاقات الأميركية مع العالم غير الغربي.

إعلان

منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2009 على الأقل، أصبحت القوى الصاعدة في الجنوب العالمي، وهي مجموعة من البلدان التي يمكن تعريفها تقريبًا على أنها "تلك البلدان التي تعتقد أن النظام القائم على القواعد هراء"، صريحة بشكل متزايد في إحباطها بشأن النفاق في قلب النظام العالمي.

لم تقدم السرديات الروسية والصينية المضادة للغرب سوى المفردات لدول الجنوب العالمي لوصف ما شعرت به منذ فترة طويلة: أن النظام القائم على القواعد كان مجرد غطاء أخلاقي للقوة والسيطرة والمصالح الغربية.

3-صعود الدولة الحضارية

وباعتبارها مرتبطة بحضارة، فإن الدولة لديها مهمة أساسية تتمثل في حماية تقاليد ثقافية محددة. ويشمل نطاقها جميع المناطق التي تهيمن عليها تلك الثقافة.

الدولة الحضارية منظمة حول الثقافة وليس السياسة أو الحدود. إن دولة بحضارة ما، تقع على عاتقها المهمة الأساسية المتمثلة في حماية تقاليد ثقافية محددة، وبالنسبة لدولة حضارية، فإن الروابط الثقافية قد تكون أكثر أهمية من مجرّد الوضع القانوني للمواطنة.

انطلقت الولايات المتحدة في معظم حروبها من مقولات وأهداف ذات صبغة ثقافية لا لبس فيها؛ كنشر القيم الديمقراطية (الأميركية)، أو نشر الثقافة الرأسمالية، ولكنها كانت تحرص على أن تطرح هذه الشعارات كأهداف محايدة ومنافع عامة، وليس كتبريرات ثقافية تناسب بعض الشعوب فيما تتعارض مع أخرى.

الجديد مع عالم ترامب، ووفق مشروع 2025 الذي يعد منفيستو حكمه، فإن المطلوب هو استعادة روح أميركا التي قامت على عدد من الأسس أهمها: إحياء التقاليد اليهودية المسيحية – استعادة الأسرة الطبيعية المكونة من ذكر وأنثى باعتبارها محور الحياة الأميركية، والدفاع عن سيادة الأمة وحدودها ومواردها ضد التهديدات العالمية.

كان ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014 بمثابة قطيعة صريحة، ورفض ظاهري لإحدى الركائز الأساسية للنظام الدولي الليبرالي، ألا وهي أن حدود الدول القومية لا ينبغي إعادة رسمها بالقوة.

إعلان

ومن اللافت للنظر أن بوتين برر تحرّكه على أسس "حضارية" صريحة، بحجة أن شبه جزيرة القرم كانت دائمًا جزءًا من "العالم الروسي". لكن اللافت في هذا الصدد أن روسيا الأرثوذكسية ضد أوكرانيا الأرثوذكسية أيضًا، وليس ضد تركيا المسلمة، كما جرى تاريخيًا، وهذا يعني أننا لسنا بخطوط صدع ثقافية أو دينية جامدة، كما قال صاحب مقولة صراع الحضارات.

وعلى نحو مماثل، كانت إزاحة ناريندرا مودي وحزب بهاراتيا جاناتا لحزب المؤتمر التعددي في عام 2014 في إطار أيديولوجية الهندوتفا، التي قدمت الهند كدولة حضارية قائمة على الديانة الهندوسية (بغض النظر عن مئات الملايين من الهنود غير الهندوس).

ظهر شي كزعيم أعلى مهتم بشكل متزايد بالمواجهة الأيديولوجية المباشرة مع الغرب، ومتطلع لوحدة الأراضي الصينية- كما جرى في هونغ كونغ، وما يسعى إليه في تايوان.

في فبراير/ شباط 2025، انضم حزب الليكود الحاكم في إسرائيل، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو – كعضو مراقب – إلى التحالف اليميني المتطرف: الشراكة من أجل أوروبا (Partnership for Europe).

برزت الأحزاب اليمينية المتطرفة كثالث أكبر مجموعة سياسية في الانتخابات البرلمانية الأوروبية في يونيو/ حزيران 2024. بموجب هذا المنطق الجديد، سيصبح اليهود والأوروبيون ضحايا "للإسلام الفاشي" الصاعد، مما يؤدي إلى تشكيل تحالف جديد بين إسرائيل واليمين المتطرف في أوروبا لمواجهة هذه التهديدات المزعومة.

4- دور الدولة الجديدة

إن التعريف الحقيقي للدولة الحضارية، هو تعزيز أسلوب حياة واحد والدفاع عنه في مواجهة كلّ البدائل.

كانت المشكلة في العولمة الغربية مزدوجة، على حد قول رئيس تحرير مجلة NOEME:

أولًا، بدت القيم الغربية في نظر العديد من الناس الذين يعيشون في آسيا أو أفريقيا مجرد بديل واحد بين بدائل أخرى عديدة. وكان الوعد بالحفاظ على أساليب الحياة التقليدية في مجتمع ليبرالي مجرد وهْم قاتل. إعلان

فإذا استوردت تركيا أو الصين أو روسيا المجموعة الكاملة من القيم والقواعد الغربية، فإن مجتمعاتها سرعان ما ستصبح نسخًا طبق الأصل من الغرب وتفقد استقلالها الثقافي.

ورغم أن هذه العملية كانت تُعد الثمن الضروري للتحول إلى مجتمع حديث، فإنه في الآونة الأخيرة، تزايدت الشكوك حول ما إذا كان من الضروري حقًا تقليد الدول الغربية من أجل اكتساب كل فوائد المجتمع الحديث.

وكانت هناك صعوبة ثانية: إذ لا تزال القيم والمعايير الغربية في حاجة إلى تفسير وتنفيذ، وكانت الدول الأكثر قوة في الغرب تستولي على هذه المهمة على الدوام.

في ظلال الدولة الحضارية؛ فإن العالمية هي أيديولوجية الغرب لمواجهة الثقافات الأخرى. وبطبيعة الحال، فإن كل شخص خارج الغرب، كما زعم هنتنغتون، ينبغي له أن ينظر إلى فكرة العالم الواحد باعتبارها تهديدًا. وحينئذ فلماذا يمتنع الآخرون عن فعل الشيء نفسه؟ ولماذا يمتنعون عن بناء دولة حول مفهومهم الخاص للحياة الطيبة، دولة تدعمها حضارة كاملة؟

في هذا العالم، تتسم الحضارات المختلفة بأنها عالمية في الممارسة العملية؛ إن لم تكن في الطموح، وقد تتنافس فيما بينها على القوة العالمية، ولكنها تنتمي جميعها إلى مشهد سياسي واقتصادي مشترك ومتكامل على نحو متزايد، وهو ما من شأنه أن يغير طبيعة صراعات المستقبل، وهو ما يستحق المتابعة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

مقالات مشابهة

  • الحرب على غزة وتجديد الإمبريالية
  • الذهب يقفز بفعل الدولار الموازي.. الفارق مع السعر العالمي يصل لـ60 جنيهًا
  • الصين تتصدى لرسوم ترامب: كفى مغامرات تجارية .. الاقتصاد العالمي يدفع الثمن
  • الصين تعترض على رسوم ترامب أمام منظمة التجارة العالمية
  • الصين ترفع شكوى أمام منظمة التجارة العالمية ضد الرسوم الأمريكية
  • ما هي مؤسسة كناري ميشن التي تقمع مناهضي الاحتلال ومن يمولها؟
  • الصين تحذر: رسوم ترامب على السيارات تهدد التعافي الاقتصادي العالمي
  • صراع العمالقة| ترامب يهز الاقتصاد العالمي بقرارات جريئة.. ويفتح فرصا لمصر.. خاص
  • طقس الخميس: نزول أمطار متفرقة مع أجواء قليلة السحب
  • «ترامب» يهزّ الاقتصاد العالمي.. فرض رسوم كبيرة على الصين والاتحاد الأوروبي ودول عربية