نحن نعيش في أزمنة متقدمة، وقد تعددت الخيارات المعيشية، وأصبح الواحد منا يحتار من أين يحصل على الخيار المناسب، وهذا من نعم الله علينا، ومع تلك الخيارات المتعددة، نعتقد أننا نستطيع أن نحدد الخيارات ذات الجودة العالية وبأقل الأسعار، وقد نرهق أنفسنا ونحملها ما لا تطيق، وذلك لتوفير تلك الخيارات التي قد ينعكس أثرها على الصحة من خلال البحث عن الأقل تكلفة، ونضيع الأوقات في البحث، قد نحصل على ما كنا نبحث عنه من سلع وخدمات ونزعم أنها ذات جودة، ونكتشف غير ذلك أو نرى ما هو أقل منها تكلفة، فهنا يحرق بعضنا نفسه بلومٍ وحسرة، وكيف مرّ عليه ذلك الخيار دون التأكد منه، وقد لا ينام الليل من جلد الذات.
وهذا ما نحذّر منه: لا تعكس على نفسك السلبية، ولا تجعل من نفسك ضحية للغرور أو تعتقد أنك فاتتك فرصة مناسبة لم تُقتنَص فـ”تحرق أعصابك”، والأمثلة في ذلك كثيرة، مثل من يقول: “كانت الأراضي في ذلك الزمان تُباع المتر بكذا، واليوم قد تضاعف العدد، وقد فاتتني تلك الفرصة”، أو قد يبيع الأرض أو السيارة وغيرها، ثم يتضاعف السعر، فيحرق أعصابه، لماذا فاتته تلك الفرصة وكان مغفلاً.
وقس على ذلك الكثير من حرق الأعصاب لأجل دنيا زائلة، نحن لا نقول: لا تفكر بذلك، ولكن رفقًا بنفسك، وسل الله الخيرة في أمرك، وإذا أقدمت على أمر ما، فلا تتحسر على ما يترتب عليه من مضاعفات، أو رزق وفير قد ساقه الله لغيرك.
الله عز وجل هو من وزع الأرزاق بين عباده، وهو الرزاق ذو القوة المتين، مهما فعلت من الأسباب، فإن الله عز وجل هو من يتصرف في الكون ويقدر تلك الأسباب، ويهب لمن يشاء البنات، ويهب لمن يشاء البنين، فقدرته مطلقة، عندما نعلم ذلك، فلنسلم الأمر لله، ونفعل الأسباب، ولا نحرق الأعصاب، عندما تفوت فرصة، قد نحب شيئًا وهو شرٌ لنا، وقد نكره شيئًا وهو خيرٌ لنا.
النفس مثل الجوهرة، كلما حافظت عليها من الكدر والمنغصات، استصحت وعاشت بسلام، فلا تضيق عليها بأمور الدنيا، وتجعلها في محزن لأجل أمر يمكن أن يتعوض بأمر الله، كم من إنسان قد بلغت ثروته رقمًا صعبًا، ثم شاء الله أن تتراجع إلى أقل القليل لأمر قد خرج عن السيطرة والحسابات المالية.
فلا تحرق أعصابك، وتندب حظك؛ فالمال يمكن تعويضه بمال آخر، ولكن الصحة لا يمكن أن تعوض، لا تحزن وتحرق أعصابك على سوق الأسهم عندما يرتفع أو ينخفض؛ عوّد نفسك على التسليم فيما قدر الله، وتجاوز تلك المرحلة، وانطلق مرة أخرى، لا تحرق أعصابك على فراق من تحب، إما بمفارقته في الحياة الدنيا أو بمجاورته فيها، فالحياة لن تستمر لأحد، كل سيفارقها، فإذا فارقت عزيزًا بموت، فلا تحرق نفسك وتقتلها بالبكاء والنحيب، وضرب الخدود، وكأنك ستعيد من فارقت بذلك.
وكذلك عندما تفارق من كان غاليًا على قلبك في الدنيا لأسباب دنيوية من أجل نزغة شيطانية، ثم تحرق أعصابك لكي يعود، وقد لا يعود، وتندب حظك وكأن الدنيا قد توقفت، نعلم أن الفراق عزيز، ولكن قد يكون خيرًا؛ فالله قد أحاط علمه بكل شيء، فلا تحرق أعصابك، فالذي قفاه قادر على إعادته، فاقلب الصفحة وأكمل حياتك، لاتحرق أعصابك على ابنك عندما ترسم له خارطة الطريق ثم يزوغ عنها وقد بذلت جهدك لهدايته وتذكر قول الله تعالى (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).
إن من الضروريات الخمس التي حثّ عليها ديننا حفظ النفس، فمن الحفاظ عليها عدم لومها وإضعافها بحرق الأعصاب بفوات فرص أو الخطأ في الاختيار الدنيوي،فنسأل الله أن يرزقنا القناعة، وأن يحفظ علينا أنفسنا ومن نحب، وأن يرزقنا اللين واللطف والمحبة في أمورنا كلها .
المصدر: صحيفة صدى
إقرأ أيضاً:
كيف وقع الذكاء الاصطناعي ضحية كذبة أبريل؟
اعتاد الصحفي بن بلاك نشر قصة كاذبة في الأول من أبريل/نيسان من كل عام على موقعه الإخباري المحلي "كومبران لايف" (Cwmbran Life)، ولكنه صُدم عندما اكتشف أن الذكاء الاصطناعي الخاص بغوغل يعتبر الأكاذيب التي كتبها حقيقة ويظهرها في مقدمة نتائج البحث، وفقا لتقرير نشره موقع "بي بي سي".
وبحسب التقرير فإن بلاك البالغ من العمر 48 عاما بدأ بنشر قصصه الزائفة منذ عام 2018، وفي عام 2020 نشر قصة تزعم أن بلدة كومبران في ويلز سُجلت في موسوعة غينيس للأرقام القياسية لامتلاكها أكبر عدد من الدوارات المرورية لكل كيلومتر مربع.
ورغم أنه عدل صياغة المقال في نفس اليوم ولكن عندما بحث عنه في الأول من أبريل/نيسان، صُدم وشعر بالقلق عندما رأى أن معلوماته الكاذبة تستخدمها أداة الذكاء الاصطناعي من غوغل وتقدمها للمستخدمين على أنها حقيقة.
يُذكر أن بلاك قرر كتابة قصص كاذبة في يوم 1 أبريل/نيسان من كل عام بهدف المرح والتسلية، وقال إن زوجته كانت تساعده في إيجاد الأفكار، وفي عام 2020 استلهم فكرة قصته من كون كومبران بلدة جديدة حيث يكون ربط المنازل بالدوارات من أسهل طرق البناء والتنظيم.
وقال بلاك: "اختلقت عددا من الدوارات لكل كيلومتر مربع، ثم أضفت اقتباسا مزيفا من أحد السكان وبعدها ضغطت على زر نشر، ولقد لاقت القصة استحسانا كبيرا وضحك الناس عليها".
إعلانوبعد ظهر ذلك اليوم أوضح بلاك أن القصة كانت عبارة عن "كذبة نيسان" وليست خبرا حقيقيا، ولكن في اليوم التالي شعر بالانزعاج عندما اكتشف أن موقعا إخباريا وطنيا نشر قصته دون إذنه، ورغم محاولاته في إزالة القصة فإنها لا تزال منشورة على الإنترنت.
وقال بلاك: "لقد نسيت أمر هذه القصة التي مر عليها 5 سنوات، ولكن عندما كنت أبحث عن القصص السابقة في يوم كذبة نيسان من هذا العام، تفاجأت بأن أداة غوغل للذكاء الاصطناعي وموقعا إلكترونيا لتعلم القيادة يستخدمان قصتي المزيفة ويظهران أن كومبران لديها أكبر عدد للدوارات المرورية في العالم".
وأضاف "إنه لمن المخيف حقا أن يقوم شخص ما في أسكتلندا بالبحث عن الطرق في ويلز باستخدام غوغل ويجد قصة غير حقيقية" (..) "إنها ليست قصة خطيرة ولكن الخطير حقا هو كيف يمكن للأخبار الكاذبة أن تنتشر بسهولة حتى لو كانت من مصدر إخباري موثوق، ورغم أنني غيرتها في نفس اليوم فإنها لا تزال تظهر على الإنترنت -فالإنترنت يفعل ما يحلو له- إنه أمر جنوني".
ويرى بلاك أن الذكاء الاصطناعي أصبح يشكل تهديدا للناشرين المستقلين، حيث تستخدم العديد من الأدوات محتواهم الأصلي دون إذن وتعيد تقديمه بأشكال مختلفة ليستفيد منها المستخدمون، وهذا قد يؤثر سلبا على زيارات مواقعهم.
وأشار إلى أن المواقع الإخبارية الكبرى أبرمت صفقات وتعاونت مع شركات الذكاء الاصطناعي، وهو أمر غير متاح له كناشر مستقل.
ورغم أن بلاك لم ينشر قصة كاذبة هذا العام بسبب انشغاله، فإن هذه التجربة أثرت عليه وجعلته يقرر عدم نشر أي قصص كاذبة مرة أخرى.