بوابة الوفد:
2025-04-04@14:10:23 GMT

نجوع.. نموت.. ما نرحل

تاريخ النشر: 1st, February 2025 GMT

سائد أبومحسن: لن نترك أرضنا ولو ذبحونا

محمد أبوعمرة:  العودة قادمة مهما طال الزمن

جهاد أسعد: «لن أغادر غزة إلا للجنة»

أمل البطنيجى: مستقبل غزة بيد أبنائها

هديل حسنين: الهجرة القسرية أشبه بموتٍ بطىء

غزة الضاحكة أبكوها، كانت تتنفس بصعوبة بين أزيز الطائرات ودوى الانفجارات، فتحوّل نبضها إلى صمت قاتل حتى اختنقت أنفاسها تحت ركام البيوت، ورغم شح الموارد والدمار الذى يعصف بكل شيء وقف الفلسطينيون على أرضهم راسخين كالأشجار فى وجه الرياح العاتية، متمسكين بكل ذرة تراب، يقاومون التهجير بصمود لا ينكسر، وإيمان لا يضعف، رافعين شعارهم: «نجوع نموت.

. ما نرحل». 

تنقل «الوفد» صوت الفلسطينيين الذين يقاومون الاحتلال بكل ما يملكون من عزم، ويؤكدون للعالم أجمع أن الرحيل عن أرضهم ليس خيارًا، بل الموت فى سبيلها هو الخيار الوحيد.

تحقيق: هدى أيمن

لن نرحل

«لن نترك أرضنا ولو على حَجَرٍ ذًبِحنا لن نترك أرضنا ولو قتلوا الشيخ والطفل والمرأة».. بهذه الكلمات بدأ الصحفى الفلسطينى سائد أبو محسن حديثه لـ«الوفد» ساردًا معاناته من الخروج قسرًا حتى العودة والبقاء قائلًا: «خرجنا تحت أصوات الانفجارات وأزيز الطائرات التى كانت تُمزق السماء فوقنا، مغادرين منزلنا فى تل السلطان غرب رفح فى الخامس من يونيو عام 2023، بعدما فرض علينا الاحتلال تهجيرنا. تركنا خلفنا بيتنا الذى كان شاهدًا على طفولتنا وضحكاتنا وأحلامنا، تاركين ذكرياتنا تُذبح أمام أعيننا، غادرنا والدموع تملأ عيوننا، وكأننا نترك جزءًا من أرواحنا فى تلك الجدران التى احتضنت أيامنا. رحلنا إلى المواصي، حيث لا شيء من مقومات الحياة، فقط العذاب والغصة التى لا تُوصف. كنت أمنى نفسى بالعودة، وها نحن عدنا».

وأضاف: «وجدت كل شيء حولى محطمًا، منزلى المُكون من أربع طبقات سُوى بالأرض، لم يعد سوى كومة من الحجارة. لم أستطع أن أستوعب حجم الدمار الذى تركه الاحتلال، وكان الألم يملأ قلبى لما رأيته، دماءً ومشاهد تدمير لا تُحتمل. ولكن رغم كل هذا، لم أنكسر، ولم أتردد فى محاولة إقامة خيمة فوق ركام منزلي، لأعيش ما تبقى من حياتى فوق هذا الركام حتى يأتى وقت الإعمار. لن نغادر بيوتنا لأنه لا حياة لنا إلا فيها، لن نستسلم، ولن نطأطئ رءوسنا أمام الاحتلال. سنظل هنا، صامدين فى أرضنا، لأن هذه الأرض هى جزء منا، ولن نتركها مهما كان الثمن».

واستكمل «سائد»: «يحاول الاحتلال بكل وسيلة كسر إرادتنا وطردنا من أرضنا، ولكننا نقول له بكل ثبات: لن تهجرونا من أرضنا، ولن نتركها مهما كانت التضحيات. سنواجه هذا المخرز الإسرائيلى بكفنا الفلسطيني، وسنقاوم الاحتلال حتى آخر قطرة دم فى عروقنا؛ لأننا شعب لا يعرف الاستسلام، ولن يتخلى عن حقه فى وطنه مهما كانت التحديات، وفى ظل هذه الظروف القاسية، فإننى أستمد قوتى من الله أولًا، ثم من عائلتى وزوجتي، الذين هم سندى فى هذه المحنة، وسنواصل المسير ولن نتوقف عن بناء أرضنا، لأن البقاء على أرضنا هو وصية أجدادنا، وهويتنا التى لا يمكن أن تُمس أو تُستبدل».

وأشار: «سنُعيد بناء ما حاول الاحتلال محوَه بهمة المسلمين والعرب، وبإرادة الشعب الفلسطيني، سنُعمر الأرض، وستفشل محاولات التهجير بكل تأكيد بجهود مصر، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، وبمساندة دول الجوار. ومن يظن أن الفلسطينيين يمكن أن يرحلوا عن أرضهم، أقول له: نحن كالزيتونة التى لا تنكسر، سنبقى هنا ما دام فينا عرق ينبض بالحياة».

واختتم الصحفى الفلسطينى: «التهجير سياسة ممنهجة يتبعها الاحتلال ضد الفلسطينيين، فتهجيرنا فى نكبة 1948 كان دون مقاومة، وتخاذل بعض العرب والمسلمين سمح للاحتلال بطرد أجدادنا، لكن تهجير 2025 لن يحدث. ستظل أرضنا محمية، بفضل الله أولًا، ثم بجهود مصر الحبيبة قيادةً وشعبًا، فقد كان لهم الدور الأهم فى الدفاع عن الشعب الفلسطينى ومنع تهجيره منذ بداية حرب أكتوبر 2023. ونحن نأمل من كل أحرار العالم أن يقفوا بجانبنا، يدعمون حقنا فى العيش بكرامة على أرضنا، نرفع صوتنا عاليًا «لا للتهجير.. الجوع أو الموت أفضل من الرحيل».

غزة باقية

أما الصحفى الفلسطينى محمد أبوعمرة، قال: «لم تقتصر معاناتنا على الخروج القسرى من منزلنا فى حى السلطان تحت أزيز القصف وألم الفقد، بل واجهتنا صعوبات لا تعد ولا تحصى فى طريق النزوح، من شحّ الماء والطعام، إلى غياب المأوى ووسائل النقل وارتفاع التكاليف. لكن فى قلب كل هذه المحن، كانت إرادتنا أقوى من كل شىء، وكنا نعلم فى أعماقنا أن العودة قادمة مهما طال الزمن، ونحب أرضنا بكل تفاصيلها، وبيوتنا حتى وإن تحولت إلى ركام، نحب رفح وهوائها وترابها، وعندما عدت إلى منزلى المدمر، وقفت على ركام البيت وشكرت الله؛ لأن الأرض هى التى تحتوينا، حتى إن كانت مدمرة».

واستطرد: «حزنت على بيوتنا التى كانت مأوى لذكرياتنا، وجيراننا الذين ودعناهم شهداء. لكن رغم هذا الدمار، فنحن سعداء بعودتنا إلى أرضنا، لأننا شعب يعيش فى ظل كل الظروف مهما كانت قسوتها، مؤمنون بقضيتنا، وبحقنا فى هذه الأرض. الدفاع عنها شرف، والموت من أجلها شهادة، وكرامة، وفخر، ولا شيء يمكن أن ينال من عزيمتنا، ولا يمكن للاحتلال أن يهزم إرادة أطفالنا ونسائنا، الذين يواجهون المجازر بصبر وثبات. نحن لا نواجه التهجير بالسكون، بل بالدم والصبر والصمود، لأننا أصحاب الأرض، وسنبقى فيها مهما كانت الظروف، ومستعدون للعيش فى خيمة. لن نترك أرضنا، ولا خيارَ أمامنا سوى العيش بكرامة أو الموت على ترابها، نعلم أن القادم صعب، لكننا بحاجة لوقفة مليونية من الشعوب العربية تدعم صمودنا، لنتصدى لهذا المخطط، لأننا شعب لا يلين ولا يساوم على أرضه».

وأضاف: «استقبلنا مطالب ترامب بتهجير الفلسطينيين بسخرية وضحك، لأننا نعلم تمامًا أن هذه مطالب غير شرعية تهدف إلى تنفيذ أطماعه فى فلسطين، وهى جزء من صفقة القرن التى لن تمر بإذن الله. سياسة أمريكا تجاه إسرائيل واضحة كالشمس، وهى سياسة «الطفل المدلل»، وتهديد التهجير لم يمس الفلسطينيين وحدهم بل يمس كل الأحرار فى العالم. التاريخ يعيد نفسه، وكل من يعتقد أنه يمكنه أن يهدد شعب فلسطين أو يفرض عليه التهجير مخطئ، فالأيام التى عشناها تحت القصف والحصار تؤكد أننا لن نرحل عن أرضنا، مهما بلغت التضحيات. نحن هنا، صامدون منذ أكثر من سنة ونصف فى وجه الحرب والدمار، والدماء التى سُفكت لن تذهب سدى. لا يهمنا شيء، لن ينال الاحتلال منا، نُصر أن نعيش بكرامة على ترابنا، حتى ولو كان الوضع أصعب مما نحن عليه سنظل هنا».

بقاء وتحدٍ

«لن أغادر غزة إلا إلى الجنة».. بهذه الكلمات بدأ الفلسطينى «جهاد أسعد» 48 عامًا حديثه لـ«الوفد» قائلًا: «فى صباح يوم العاشر من أكتوبر 2023، اضطررت للنزوح من منزلى الذى يقع بالقرب من الحدود الشرقية الشمالية لغزة، بحثًا عن مكان آمن، بعيدًا عن القصف. غادرت بيتى الذى كان ملاذى الوحيد، وجزءًا من كياني، بمشاعر مختلطة بين الحزن والخوف على عائلتي، متمنيًا العودة إلى هذا المكان الذى كان يختزن ذكرياتنا وأحلامنا. وعندما عدت إليه، ورأيته مدمرًا بالكامل، امتلأت عينى بالدموع، ولكن حمدت الله على سلامتى وسلامة أولادي. وجلست على ركام البيت المدمر أبكى على كل ما ضاع فعزوتى كلها راحت هباء منثورًا، يقولون المال يذهب ويعود، ولكن كيف سيعود، وكل ما أملك كان قد استثمرته فى بناء هذا البيت الذى كان حصنًا لعائلتى وحلم حياتى».

واستنكر «جهاد» مطلب تهجير الفلسطينيين قائلًا: «التهجير قرار همجي؛ لا يحق لأحد فرضه علينا، ولن يستطيع أحد أن يخرجنا من أرضنا، أرض آبائنا وأجدادنا التى وُلدنا على ترابها. هذه الأرض هى إرثنا وتاريخنا، أرض جدي، وجد جدي، هى أرض الإسراء والمعراج. لن نُفرّط فيها مهما كانت التضحيات. لو قتلونا، لن نغادرها، سنبقى هنا، نعيش على ترابها الذى يجرينا فى عروقنا. قد لا نملك سوى القليل، لكن ما زال لدينا عزتنا وكرامتنا، اشتريت خيمة وسأظل فيها، أنا وأبنائى الستة، حتى لو كانت حياتنا تحت سماء مفتوحة، لن نرحل ولن نستسلم. هذه الأرض هى وطننا، وهى عرضنا، ودماؤنا أغلى ما نملك فى سبيل الحفاظ عليها».

معجزة صمود 

الفلسطينية أمل البطنيجي، مديرة مدرسة الشجاعية الثانوية أكدت أنه لا يمكن لأحد أن يُحدد مصير شعب غزة، قائلة: «مستقبل غزة بيد أبنائها سيصنعون لها مجدًا فى السّلم كما صنعوه الحرب، سنُلملم جراحنا وسنعيد لغزة حياتها، وسنواصل الليل بالنهار لإعادة إعمارها، الواقع مدمر ولكن بعون الله سنتخطى الصّعب بعد أن تخطينا الأصعب، يريدون تهجيرنا من أرضنا والقضاء على كلّ ما هو فلسطينى وكل أمل لنا بالبقاء، سننهض من قلب الألم والمعاناة وكما صنعنا معجزة صمود سنصنع ببقائنا فى أرضنا معجزات وفاء للدماء والشهدا، كتبنا رسالتنا بالدّماء والألم على مرأى ومسمع من العالم أجمع: باقون ولن نرحل».

وأكملت: «كل شيء خراب، البيت جلسنا على أنقاضه، حتى المدرسة دُمّرت بالكامل بعد أن كانت تضم نخبة من الطلبة المتميزين وفريقًا مهنيًا متفانيًا ومحبًا لعمله استُشهد مُعظمه، واستشهد أعداد من الطلبة والطالبات لم نحصيها بعد، تعطلّت العملية التعليمية فى غزة للعام الثانى على التوالي، ونعمل على جمع التبرعات لإعادة بناء البيت، ورغم كل هذا الأسى أثق بأن للنجاح قصة واحدة أن نرمم ذاتنا وأبناءنا ومؤسساتنا لا أدرى كيف اتحدث عن محاولات إصلاح من قلب كلّ هذا الخراب، لكننا سنحاول أنا وأهل الحى لنزيل عن قلوبنا كلّ هذا الفقد والسّواد وسنحقق لأبنائنا الأمل من قلب الألم».

التهجير جريمة 

من جانبها، قالت الفلسطينية الشابة هديل حسنين، والتى تعمل مديرًا ماليًا وإدارية لمؤسسة صحفية، لـ«الوفد» إن «التهجير جريمة، فهو إحدى أبشع الجرائم التى يمارسها الاحتلال بحق الشعب الفلسطينى منذ عام النكبة 1948، لا تقل بشاعة عن جرائم الاعتقال والقتل. فهو ليس مجرد تهجير من منازل وأراضٍ أو محال تجارية، بل هو محاولة لمسح هوية شعبٍ بأكمله، محاولة لاقتلاعنا من أرضنا التى نشأنا فيها وعاشت فيها أجدادنا. الأرض بالنسبة لنا ليست مجرد ملكية، بل هى عرض وكرامة، لا يمكننا التنازل عنها مهما كانت التضحيات».

وأضافت الشابة الفلسطينية: «فى عام النكبة، تم تهجير أجدادى بشكل قسرى من قريتى الطيرة وبيت نبالا، اللتين كانتا تقعان فى أراضى يافا والرملة، تحت تهديد الأسلحة. كانت تلك التجربة قاسية ومريرة للغاية، حيث عاش أهلنا فى تلك اللحظات صدمة لا يمكن وصفها، إذ كانت الهجرة القسرية أشبه بموتٍ بطىء. مئات من العائلات واجهت محنة خروجهم من بيوتهم وتروعيهم بالأسلحة، وأصيب الكثير منهم بأزمات قلبية وجلطات نتيجة الغضب العارم والقهر الذى كانوا يعيشونه جراء هذا الظلم. حينها كانت العائلات قليلة العدد وصغيرة، ولكن الآن ومع مرور 76 عامًا على تلك المأساة يريدون تهجيرنا وأصحاب البلدة الواحدة عددهم بالملايين، يحملون فى قلوبهم إرث الأرض يرددون مع كل نفس: «الأرض لنا»، فالعودة إلى الوطن والتمسك به حق مقدس، لا يمكن المساس به. لطالما تذرّع الاحتلال بحجة أن فلسطين أرض بلا شعب، ولكن تلك مقولة مفنّدة حاولوا ترويجها على مر السنين، فنحن الفلسطينيين، شعبٌ أصيل، موجود على هذه الأرض منذ الأزل. نحن هنا، ولن نرحل، سنبقى نثبت جذورنا فى هذه الأرض مهما كانت المحاولات لتهجيرنا».

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: تتنفس بصعوبة صوت الفلسطينيين لن نترک أرضنا هذه الأرض مهما کانت الذى کان من أرضنا مهما کان لن نرحل لا یمکن کانت ت

إقرأ أيضاً:

المظلومية والتكفير.. أدوات داعش في استقطاب الأتباع

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

الافتتاحيات الصادرة عن تنظيم داعش تُعدّ جزءًا أساسيًا من بنيته الخطابية، إذ تعكس رؤيته الأيديولوجية وتكشف عن تكتيكاته فى التعامل مع التطورات السياسية والعسكرية.

تعتمد الافتتاحية على عدة تقنيات خطابية تهدف إلى تحقيق تأثير نفسى وإقناعى لدى المتلقين:

ثنائية الحق والباطل

ترتكز الافتتاحية على خلق استقطاب حاد بين ما تعتبره قوى الشر، التى تشمل النظام السورى الجديد، اليهود، والطواغيت العرب، وبين المجاهدين الذين يتمسكون بالشريعة من وجهة نظر التنظيم.

هذه الثنائية المطلقة تُلغى أى إمكانية للتدرج فى تحليل الواقع السياسى، وتُصوّر العالم على أنه معسكران متقابلان لا مجال بينهما لأى تفاهم أو حوار. هذا النوع من الخطاب يهدف إلى إثارة المشاعر وتحفيز الأتباع على الاصطفاف مع التنظيم دون الحاجة إلى التفكير النقدى أو المراجعة.

هذه الثنائية تُعيد إنتاج الخطابات التقليدية التى تعتمدها الجماعات المتطرفة، حيث يتم اختزال تعقيدات المشهد السياسى فى قوالب جاهزة تُسهل التلاعب بعواطف الأتباع.

بدلًا من تقديم تحليل عقلانى للموقف الإقليمى، يتم تصوير الأطراف السياسية كأعداء مطلقين، مما يُسهم فى تبرير أى أعمال عنف ضدهم على أساس أنهم يمثلون جبهة موحدة ضد «المؤمنين».

بالإضافة إلى ذلك، فإن استبعاد أى مساحة للحوار أو التفاوض يعكس استراتيجية التنظيم فى تعزيز الانغلاق الفكرى بين أتباعه. فحينما يتم تصوير أى جهة خارج التنظيم على أنها جزء من معسكر الشر، يصبح من المستحيل التفكير فى حلول سياسية أو مراجعة الاستراتيجيات المتبعة، مما يُكرّس استمرار التنظيم فى نهجه العدائى القائم على العنف.
إعادة تأويل الوقائع وفق منظور عقدي
يحاول كاتب الافتتاحية تأطير السياسات الإقليمية من خلال منظور عقدى صارم، حيث يتم تصوير تعامل الدول مع إسرائيل على أنه خيانة مطلقة، بغض النظر عن السياقات السياسية أو المصالح الوطنية. هنا، يتم تجاهل تعقيدات العلاقات الدولية لصالح سردية مبسطة تعزز مواقف التنظيم.
هذه المقاربة تُظهر افتقار الخطاب إلى أى فهم واقعى للعلاقات الدولية، حيث يتم التعامل مع كل تحرك سياسى وفق معيار دينى بحت، دون النظر إلى تعقيدات الجغرافيا السياسية أو المصالح الاستراتيجية للدول.
هذا الطرح يُسهم فى خلق حالة من الانغلاق الفكرى، حيث يتم نزع أى سياق تاريخى أو سياسى عن مواقف الدول، مما يجعلها تبدو وكأنها تتحرك وفق اعتبارات دينية فقط، وهو ما يتنافى مع طبيعة العلاقات الدولية التى تحكمها معادلات معقدة من المصالح والتحالفات.
علاوة على ذلك، فإن هذه القراءة الأيديولوجية تُسهل على التنظيم شيطنة كل الأطراف السياسية، بحيث تصبح جميعها خائنة ومتآمرة، حتى لو كانت تتبنى مواقف متباينة من القضايا الإقليمية. فمجرد وجود علاقة دبلوماسية أو سياسية مع إسرائيل كافٍ بالنسبة للتنظيم لتكفير تلك الدول، دون الأخذ فى الاعتبار أى حسابات سياسية أو أمنية قد تفسر هذه العلاقات.
بهذه الطريقة، يتم ترسيخ الانقسام بين «المؤمنين» و«الخونة»، مما يُسهم فى تسهيل عمليات التجنيد داخل التنظيم عبر خطاب تعبوى يُحرض على رفض النظام العالمى برمته.
استخدام خطاب التخوين والتكفير
توظّف الافتتاحية خطابًا قائمًا على التخوين والتكفير لتصوير خصوم التنظيم كأعداء للدين، مستخدمةً مفاهيم مثل «الطاغوت» و«المرتدين» و«الناكصين» لوصف النظام السورى الجديد والفصائل الإسلامية التى اختارت الانخراط فى العملية السياسية.
هذه المصطلحات ليست مجرد توصيفات محايدة، بل تحمل فى طياتها أحكامًا عقدية قاطعة تهدف إلى تجريد هؤلاء الخصوم من أى مشروعية دينية أو سياسية، مما يسهل تبرير استهدافهم وإقصائهم.
يعتمد هذا الأسلوب اللغوى على آلية الإقصاء التام، حيث يتم إخراج المخالفين من دائرة الإسلام، ما يعنى عمليًا التحريض على العنف ضدهم. فمجرد الانخراط فى المشهد السياسى وفق قواعد مغايرة لرؤية التنظيم كفيلٌ بأن يضع الأطراف الفاعلة فى خانة «المرتدين» الذين يجب محاربتهم.
وبهذا، لا يبقى أى مجال للحوار أو التفاوض، بل يتحول الصراع إلى معركة صفرية لا تقبل إلا الإخضاع أو الإبادة.
إن هذا النمط من الخطاب لا يستهدف فقط الخصوم السياسيين، بل يسعى أيضًا إلى ضبط جمهور التنظيم ضمن إطار أيديولوجى مغلق، يمنع أى تساؤل أو إعادة تقييم للمواقف.
فحين يتم تكفير أى طرف يخرج عن رؤية التنظيم، يصبح من المستحيل على الأفراد المنتمين إليه التفكير فى خيارات أخرى، مما يعزز حالة الانغلاق الفكرى ويطيل أمد العنف باعتباره المسار الوحيد الممكن فى مواجهة «الطواغيت» و«المرتدين».
الاستدلال بالنصوص الشرعية لتبرير المواقف
كما هو معتاد فى الخطاب الداعشى، يتم اللجوء إلى الاستدلال بالنصوص الشرعية لدعم المواقف السياسية والعسكرية للتنظيم، وإضفاء الشرعية الدينية على قراراته وتحليلاته.
فى هذه الافتتاحية، يتم الاستشهاد بالآية القرآنية: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِى قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ}، وذلك فى سياق محاولة تفسير موقف إسرائيل من النظام السورى الجديد.
هذا الاستخدام للنصوص يهدف إلى تقديم تأويل دينى للصراعات السياسية، بحيث تبدو خيارات التنظيم ومواقفه على أنها مستمدة مباشرة من الكتاب والسنة، لا مجرد اجتهادات سياسية قابلة للنقاش.
إلا أن هذا الاستدلال يتسم بالانتقائية، حيث يتم اقتطاع النصوص من سياقاتها الأصلية دون النظر إلى أسباب النزول أو التفسيرات التاريخية المختلفة.
فالآية المذكورة نزلت فى سياق محدد يتعلق بمواقف بعض أهل الكتاب فى زمن النبى ﷺ، لكن التنظيم يوظفها لتفسير الواقع السياسى الحديث وإعطاء تصور مسبق عن نوايا إسرائيل تجاه النظام السورى الجديد. هذا النهج يتجاهل التعقيدات السياسية والاختلافات الزمنية، ويُسقط النصوص الدينية على وقائع لا تتطابق تمامًا مع سياقاتها الأصلية. علاوة على ذلك، فإن هذا التوظيف للنصوص لا يهدف إلى البحث عن الحقيقة بقدر ما يسعى إلى تبرير مواقف التنظيم وإضفاء القدسية عليها. فبدلًا من تقديم تحليل عقلانى للأوضاع السياسية، يتم اللجوء إلى الخطاب الدينى لتعبئة الأنصار وحشد الدعم عبر تصوير مواقف التنظيم على أنها استمرار للصراع التاريخى بين المسلمين وأعدائهم. وهذا يعكس نهجًا عامًا فى خطاب الجماعات المتشددة، حيث يتم استخدام النصوص الدينية كأدوات لتوجيه الرأى العام داخل التنظيم وتعزيز الانقياد لأوامره دون مساءلة أو مراجعة.

التحريض على المواجهة الحتمية

تختتم الافتتاحية بالدعوة الصريحة إلى «المواجهة الحتمية» مع إسرائيل، حيث يتم تصوير هذا الصراع على أنه السبيل الوحيد لإعادة الأمور إلى نصابها، ولكن ليس وفق أى إطار سياسى أو وطنى، بل تحت مظلة «الشريعة» بدلًا من «الطاغوت ودساتيره».
هذا الخطاب ليس مجرد إعلان لموقف عقائدى، بل هو جزء من استراتيجية التنظيم فى تأطير الصراعات السياسية على أنها معارك إيمانية مقدسة، حيث يتم تجريدها من أى تعقيدات واقعية وتحويلها إلى صراع بين الإيمان والكفر، مما يلغى أى مساحة للنقاش أو البحث عن حلول سياسية.
هذا التأطير يعكس نهج داعش فى تبرير العنف، حيث يتم تقديمه على أنه أمر محتوم لا مفر منه، وليس مجرد خيار ضمن بدائل متعددة. فالمواجهة، وفقًا لهذه الرؤية، ليست نتيجة لتطورات سياسية أو صراعات إقليمية، بل هى جزء من قدر دينى يجب تحقيقه.
هذا الأسلوب فى الخطاب يسعى إلى تعبئة الأتباع وإقناعهم بأن أى مسار آخر غير القتال هو انحراف عن العقيدة وخيانة للإسلام، مما يعزز حالة الاستقطاب ويجعل من الصعب على الأفراد داخل التنظيم التفكير فى أى خيارات أخرى. علاوة على ذلك، فإن تصوير العنف كحتمية دينية يسهم فى خلق مناخ أيديولوجى يشرعن استمرار العمليات الإرهابية، حيث تصبح أى وسيلة للوصول إلى هذه «المواجهة الحتمية» مقبولة ومبررة دينيًا.
وهذا النهج لا يقتصر على توجيه الأتباع داخل التنظيم، بل يهدف أيضًا إلى استقطاب عناصر جديدة من خلال استغلال مشاعر الغضب والإحباط، وتحويلها إلى طاقة قتالية تخدم أجندة التنظيم.
وبهذا، يتحول الخطاب من كونه مجرد تحليل للأوضاع السياسية إلى أداة لتغذية العنف وإدامة الصراعات المسلحة.

نقد الخطاب

التناقضات الداخلية
تعتمد الافتتاحية على خطاب مزدوج فى توصيفها للنظام السورى الجديد، حيث تصفه بأنه «مرتد» يعمل لخدمة المصالح الإسرائيلية، لكنه فى الوقت ذاته تُقر بأن إسرائيل لا تثق حتى بحلفائها التقليديين فى المنطقة.
هذا التناقض يعكس إشكالية عميقة فى منطق التنظيم، إذ يسعى إلى إدانة النظام السورى بناءً على فرضية التعاون المطلق مع إسرائيل، لكنه فى الوقت نفسه يقر بأن إسرائيل لا تمنح ثقتها المطلقة لأى طرف، حتى الأنظمة التى وقعت معها اتفاقيات سلام وعلاقات تطبيع.
هذا التناقض يجعل السردية المطروحة تفتقر إلى الانسجام الداخلى، حيث يتم الجمع بين اتهام النظام بالعمالة المطلقة، وفى نفس الوقت الإقرار بأنه ليس محل ثقة لدى من يُفترض أنه يخدمهم.
هذا الارتباك يعكس أزمة أوسع فى خطاب داعش، الذى يسعى إلى فرض تكفيره للأنظمة العربية والإسلامية دون النظر إلى الفروق الواقعية بين هذه الأنظمة فى سياساتها وتحالفاتها.
فبالنسبة للتنظيم، لا فرق بين دولة مرتبطة بتحالف وثيق مع إسرائيل وأخرى تحاول الحفاظ على وضعية حياد نسبى، إذ يتم التعامل مع الجميع من المنظور نفسه.
هذا النهج الأحادى فى التحليل يُفقد الخطاب الداعشى مصداقيته السياسية، حيث يصبح اتهام «الردة» و«العمالة» أداة جاهزة تُستخدم بشكل تعميمى يخدم غرض التحريض، دون تقديم فهم حقيقى لتعقيدات المشهد السياسى.

إسقاط التعقيد السياسي

يعتمد خطاب الافتتاحية على تبسيط شديد لواقع العلاقات الدولية، حيث يُعاد تأطيرها ضمن إطار عقائدى جامد يستند إلى ثنائية الخير والشر، متجاهلًا التعقيدات السياسية والاستراتيجيات المتشابكة التى تحكم الدول، لا سيما فى منطقة الشرق الأوسط.
فبدلًا من الاعتراف بأن لكل دولة مصالحها القومية وحساباتها السياسية التى تؤثر فى قراراتها، يتم تصوير المشهد وكأنه صراع مطلق بين أنظمة «مرتدة» تعمل لصالح أعداء الإسلام وبين «المجاهدين» الذين يمثلون الحق.
هذا التبسيط يُهمل السياقات التاريخية والاقتصادية والأمنية التى تحكم العلاقات بين الدول، ويُعيد صياغتها ضمن رؤية أحادية تخدم أهداف التنظيم الأيديولوجية.
على سبيل المثال، لا يعترف الخطاب الداعشى بتعدد الفاعلين فى الملف السورى وتعقيدات التحالفات الإقليمية والدولية، بل يُعيد رسم المشهد فى إطار صراع عقائدى محض، حيث تُختزل كل المواقف ضمن ثنائية العداء المطلق. فبدلًا من تحليل سياسات الدول على أسس براغماتية تأخذ فى الاعتبار المصالح الوطنية والتوازنات الدولية، يُعيد التنظيم تأويل هذه السياسات وفق منظوره العقدى، مما يؤدى إلى رؤية مشوهة للواقع.
هذا النهج لا يعكس فقط سطحية فى التحليل، بل يُسهم أيضًا فى توجيه خطاب تحريضى قائم على التشدد والرفض المطلق للحلول السياسية، ما يعزز حالة الاستقطاب والتوتر المستمر.

الانتقائية فى التعامل مع القضايا

يتبنى تنظيم داعش خطابًا انتقائيًا فى تعامله مع القضايا السياسية والعسكرية، حيث يهاجم الفصائل الإسلامية الأخرى ويتهمها بالخيانة بسبب مواقفها من إسرائيل، بينما يتجاهل تمامًا حقيقة أن مقاتليه لم ينخرطوا فى أى مواجهة مباشرة مع إسرائيل خلال سنوات وجوده فى سوريا والعراق.
هذه الازدواجية تكشف أن التنظيم لا يتعامل مع القضايا من منظور استراتيجى بقدر ما يوظفها لأغراض دعائية، حيث يستخدم قضية العداء لإسرائيل كأداة للتحريض ضد خصومه من الفصائل الإسلامية، دون أن يكون لهذا العداء أى تجسيد عملى على الأرض.
هذا التناقض يُبرز بوضوح أزمة المصداقية فى الخطاب الداعشى، فبينما يدّعى التنظيم أنه الجهة الوحيدة التى تلتزم بـ"الولاء والبراء» فى تعاملها مع الأعداء، فإنه فى الواقع لم يوجّه جهوده العسكرية إلا نحو الفصائل الإسلامية الأخرى والجماعات المعارضة، متجاهلًا الجبهة الإسرائيلية تمامًا.
هذه الانتقائية لا تعكس فقط ازدواجية فى الخطاب، بل تؤكد أن التنظيم يُعيد توجيه بوصلة الصراع لخدمة أهدافه التوسعية بدلًا من الالتزام بالمبادئ التى يدّعى الدفاع عنها. وهكذا، تصبح شعارات مواجهة إسرائيل مجرد أداة فى حربه الإعلامية، وليس استراتيجية فعلية على أرض الواقع.

تحريف مفهوم المقاومة

تسعى افتتاحية صحيفة النبأ إلى تصوير المواجهة مع إسرائيل كقضية محورية فى مشروع داعش، لكنها فى الوقت ذاته تتجاهل حقيقة أن التنظيم لم ينخرط فى أى مواجهة فعلية مع إسرائيل طوال فترة وجوده فى سوريا والعراق.
فعلى الرغم من الخطاب التعبوى الذى يربط بين الجهاد ومقاومة «اليهود»، إلا أن العمليات العسكرية لداعش لم تتجه نحو الجبهة الإسرائيلية، بل انصبّت بشكل رئيسى على الفصائل الإسلامية الأخرى والقوى المعارضة للنظام السورى. هذا التناقض يفضح تحريف التنظيم لمفهوم المقاومة، حيث يستخدمه كأداة خطابية دون أن يكون له أى تطبيق عملى فى استراتيجياته العسكرية.
وبدلًا من استهداف إسرائيل، ركّز داعش جهوده على قتال الجماعات التى كانت تقاتل النظام السورى، ما جعله فى كثير من الأحيان يصب فى مصلحة النظام بشكل غير مباشر. هذا الواقع يدحض السردية التى يروج لها التنظيم حول كونه رأس الحربة فى مواجهة الأعداء الحقيقيين للأمة، ويكشف أن خطابه حول المقاومة ليس إلا شعارات جوفاء تُستخدم لحشد الأنصار والتأثير على المتعاطفين، بينما يظل نشاطه العسكرى منصبًا على بسط نفوذه على حساب قوى المعارضة الأخرى.

التأثيرات المحتملة للخطاب

تعزيز الانقسام بين الفصائل الإسلامية
يعتمد داعش فى خطابه على تكفير الفصائل الإسلامية الأخرى التى تختلف معه أيديولوجيًا أو استراتيجيًا، مستخدمًا اتهامات مثل «العمالة لإسرائيل» أو «الردة» لنزع الشرعية عنها. هذا الخطاب يؤدى إلى تصعيد الانقسامات بين الجماعات المسلحة فى سوريا، إذ يعزز من حالة الشك المتبادل ويؤجج الصراعات الداخلية بين الفصائل التى كان يمكن أن تكون حليفة فى مواجهة النظام السورى أو القوى الدولية الفاعلة فى المشهد.
وبهذا، يصبح المشهد الجهادى أكثر تفككًا، ما يمنح التنظيم فرصة لفرض نفسه كالقوة الأكثر «صفاءً» من الناحية الأيديولوجية، مقارنة بالفصائل الأخرى التى يصورها على أنها «منحرفة» أو «متخاذلة».
علاوة على ذلك، فإن تكريس هذا الخطاب التكفيرى يضعف قدرة الفصائل الأخرى على إيجاد بيئة مستقرة للعمل، حيث تصبح عرضة للهجمات من قبل أنصار داعش أو حتى من قبل عناصر داخلية قد تتأثر بهذا الخطاب وتبدأ فى التشكيك فى شرعية قادتها.
ومن خلال تعزيز هذه الانقسامات، يحقق التنظيم أحد أهدافه الاستراتيجية المتمثل فى تفكيك أى تحالف محتمل يمكن أن يهدد وجوده، خاصة بعد تراجع نفوذه فى العراق وسوريا. وبهذا، تصبح الفصائل الإسلامية الأخرى عالقة بين مواجهة النظام السورى من جهة، ومواجهة داعش الذى يسعى إلى تقويضها من جهة أخرى.
تحريض أتباعه على استهداف الفصائل الأخرى
خطاب داعش لا يقتصر على التخوين النظرى، بل يشكل دعوة صريحة لأنصاره لمهاجمة الفصائل الإسلامية المنافسة. من خلال وصف هذه الفصائل بأنها «مرتدة» أو «ناكصة»، يقدم التنظيم غطاءً دينيًا لاستهدافها، ما قد يدفع عناصره إلى تنفيذ هجمات ضد هذه الجماعات بدلًا من توجيه جهودهم نحو مواجهة إسرائيل أو القوى الدولية.
هذه الاستراتيجية ليست جديدة، فقد استخدمها التنظيم مسبقًا فى صراعاته مع الفصائل الجهادية الأخرى مثل جبهة النصرة، حيث وظّف التكفير كأداة لتحريض مقاتليه على مهاجمة خصومه من داخل الدائرة الجهادية نفسها.
هذا التحريض يؤدى إلى دوامة من العنف الداخلى، حيث تدخل الفصائل الإسلامية الأخرى فى معارك استنزاف ضد داعش بدلًا من تركيز جهودها على المعارك الرئيسية ضد النظام أو القوى الأجنبية.
كما أن هذا الخطاب يعزز من حالة التوجس والريبة بين الجماعات المسلحة، إذ يدفع بعضها إلى تبنى نهج أكثر تطرفًا لتجنب الاتهامات بالعمالة أو التخاذل.
فى نهاية المطاف، فإن استراتيجية التحريض هذه تخدم داعش فى إضعاف خصومه المحتملين، وتوسيع دائرة الفوضى التى يمكنه استغلالها لصالحه.

محاولة تجديد شرعية التنظيم

مع تراجع نفوذ داعش بعد هزائمه العسكرية فى سوريا والعراق، يسعى التنظيم إلى إعادة بناء شرعيته عبر تقديم نفسه كالقوة الجهادية الأكثر التزامًا بالشريعة، مقارنة بالفصائل التى دخلت فى مسارات سياسية أو خففت من خطابها الأيديولوجى.
من خلال تصوير نفسه كحامل لواء «الجهاد الحقيقي»، يحاول داعش استقطاب مقاتلين جدد ممن يشعرون بالإحباط من أداء الفصائل الأخرى أو يعتبرونها متخاذلة.
هذه الاستراتيجية تعتمد على الخطاب العاطفى الذى يركز على مظلومية الأمة الإسلامية وضرورة استمرار القتال دون تقديم أى تنازلات.
إضافة إلى ذلك، فإن التنظيم يحرص على إظهار نفسه كبديل وحيد قادر على تحقيق «النصر» فى ظل خيانة الفصائل الأخرى وتواطؤ الأنظمة العربية.
هذا التصور قد يكون مغريًا لبعض الأفراد الذين يبحثون عن حركة توفّر لهم إحساسًا بالهوية والانتماء، خاصة مع تراجع البدائل الجهادية الأخرى أو انخراطها فى تسويات سياسية. ومن خلال هذا الخطاب، يأمل داعش فى استعادة جزء من قاعدته الشعبية التى فقدها، أو على الأقل منع مزيد من الانشقاقات داخل صفوفه.

التأثير على المتعاطفين الخارجيين

استخدام داعش لقضية العداء لإسرائيل والمظلومية الإسلامية ليس موجهًا فقط للجمهور المحلى فى سوريا والعراق، بل يسعى أيضًا إلى التأثير على المتعاطفين معه خارج هذه المناطق.
الخطاب الذى يربط بين الأنظمة العربية وإسرائيل، ويصوّر التنظيم كآخر خط دفاع عن الأمة الإسلامية، قد يجذب عناصر جديدة من خارج المنطقة، خاصة من الشباب المسلمين الذين يشعرون بالغضب تجاه السياسات الإسرائيلية أو يرون فى التنظيم ممثلًا لـ«المقاومة الإسلامية الحقيقية».
هذا التأثير يمتد إلى شبكات التجنيد الإلكترونية التى يستغلها داعش للوصول إلى المتعاطفين فى أوروبا وآسيا وأفريقيا. من خلال تصوير الصراع كحرب دينية وجودية، وليس مجرد نزاع سياسى، يحاول التنظيم استثارة المشاعر الدينية لدى الأفراد الذين قد يكونون غير مطلعين على تعقيدات المشهد السياسى فى الشرق الأوسط.
بهذه الطريقة، يمكن أن يدفعهم إلى الانضمام إليه أو تنفيذ عمليات فى بلدانهم الأصلية، ما يعزز من استراتيجية «الذئاب المنفردة» التى يعتمد عليها التنظيم بشكل متزايد مع تقلص نفوذه العسكرى فى معاقله التقليدية.

تبرير استمرارية العنف

أحد أخطر الجوانب فى خطاب داعش هو تقديم العنف كضرورة دينية وحتمية لا يمكن تجنبها. من خلال تصوير المواجهة مع إسرائيل على أنها «معركة محتومة»، يضع التنظيم نفسه فى موقع يرفض أى شكل من أشكال الحلول السياسية أو التسويات.
هذا التأطير الأيديولوجى لا يخدم فقط أهداف داعش، بل يوفر أيضًا تبريرًا لاستمرار عملياته الإرهابية، سواء فى الشرق الأوسط أو خارجه، تحت ذريعة «مواصلة الجهاد حتى تحقيق النصر». كما أن هذا الخطاب لا يقتصر على العداء لإسرائيل، بل يمتد ليشمل أى طرف لا يتبنى نفس منهج داعش، سواء كان من الفصائل الإسلامية الأخرى أو من الأنظمة السياسية. وبهذا، يصبح العنف غير موجه ضد عدو خارجى فقط، بل ضد أى كيان يرى التنظيم أنه يشكل عائقًا أمام مشروعه. فى المحصلة، فإن هذا النوع من الخطاب يعزز حالة الفوضى وعدم الاستقرار، ويمنح التنظيم غطاءً لاستمرار عملياته تحت شعار المواجهة «المقدسة»، دون تقديم أى رؤية سياسية أو استراتيجية حقيقية لحل الأزمات التى يدّعى القتال من أجلها.
خاتمة
تعكس افتتاحية العدد ٤٨٨ من «النبأ» أحد أوجه الدعاية الداعشية التى تواصل استثمار الأحداث السياسية لإعادة تقديم رؤيتها الأيديولوجية بشكل يوظف الدين لخدمة أجندتها العنيفة. وعلى الرغم من التحولات الميدانية والسياسية التى أضعفت التنظيم، إلا أن خطابه لا يزال محافظًا على بنيته التقليدية القائمة على التخوين، التكفير، والتحريض، مما يسلط الضوء على استمرارية التحدى الذى يمثله هذا النوع من الخطاب المتطرف فى الساحة الفكرية والسياسية.

مقالات مشابهة

  • الأرض تحت سكين الاستيطان ودم الفلسطيني لا يجف
  • برشلونة يحقق فوزاً مهماً على رابطة الدوري الإسباني لاليغا
  • الاتصالات تُحدد أسباب الهجمة على مشروع الترانزيت
  • مجلس حقوق الإنسان الأممي يصادق على قرار لصالح فلسطين
  • 30 شوال آخر موعد لعودة المعتمرين.. السياحة توجه تحذيرًا مهما للمواطنين قبل الحج
  • بيسيرو مدرب الزمالك بعد مباراة ستيلينبوش: التعادل خارج أرضنا نتيجة مقبولة
  • الدفاع عن الشمالية بالهجوم على دارفور!!
  • قحت هى من أخمدت شعلة الثورة
  • المظلومية والتكفير.. أدوات داعش في استقطاب الأتباع
  • تهجير صامت في الأغوار: الأرض تُفرغ من أصحابها والمستوطنات تتمدد