الحكومة السورية تعيد هيكلة الاقتصاد بالتسريح والخصخصة
تاريخ النشر: 31st, January 2025 GMT
تسعى الإدارة السورية الجديدة إلى إجراء إصلاحات جذرية للاقتصاد المنهك في البلاد، بما في ذلك خطط لتسريح ثلث العاملين في القطاع العام وخصخصة شركات مملوكة للدولة، كانت مهيمنة خلال حكم عائلة الأسد الذي دام نصف قرن.
وأثارت وتيرة الحملة المعلنة للقضاء على إهدار المال والفساد، احتجاجات من موظفي الحكومة من أسبابها أيضاً مخاوف من التسريح على أساس طائفي.
Syria's new Islamist rulers to roll back state with privatizations, public sector layoffs https://t.co/VGF0kE44aQ pic.twitter.com/aMah5ETYb1
— Reuters World (@ReutersWorld) January 31, 2025وتم إجراء مقابلات مع 5 وزراء في الحكومة المؤقتة، التي شكلتها جماعة هيئة تحرير الشام. وتحدث جميعهم عن النطاق الواسع للخطط الرامية إلى تقليص عاملين بالقطاع العام، مثل طرد عدد كبير من "الموظفين الأشباح" -وهم من كانوا يتقاضون رواتب مقابل عمل قليل أو دون عمل على الإطلاق إبان حكم الأسد.
وفي عهد الأسد ووالده حافظ، كانت سوريا قائمة على أساس اقتصاد عسكري تقوده الدولة ويحابي دائرة داخلية من الحلفاء وأفراد العائلة، مع تمثيل أفراد الطائفة العلوية التي تنتمي إليها عائلة الأسد بشكل كبير في القطاع العام.
وقال وزير الاقتصاد السوري الجديد، المهندس السابق في مجال الطاقة باسل عبد الحنان (40 عاماً)، إن "هناك الآن تحولاً كبيراً نحو اقتصاد السوق الحرة التنافسي".
وفي عهد الرئيس المؤقت أحمد الشرع، ستعمل الحكومة على خصخصة الشركات الصناعية المملوكة للدولة، والتي قال عبد الحنان إن عددها 107 شركات معظمها خاسرة. ومع ذلك، تعهد بإبقاء أصول الطاقة والنقل "الاستراتيجية" مملوكة للدولة. ولم يذكر أسماء الشركات التي ستباع. وتشمل الصناعات الرئيسية في سوريا النفط والإسمنت والصلب.
وقال وزير المالية محمد أبازيد، في مقابلة إن بعض الشركات المملوكة للدولة يبدو أنها موجودة فقط لسرقة الموارد وسيتم إغلاقها. وأضاف أنهم كانوا يتوقعون وجود فساد لكن ليس إلى هذا الحد.
وأوضح أن "900 ألف فقط من أصل 1.3 مليون يتقاضون رواتب من الحكومة، يأتون إلى العمل بالفعل، واستند في ذلك إلى مراجعة أولية". وقال أبازيد (38 عاماً) في مكتبه إن "هذا يعني أن هناك 400 ألف اسم شبح"، مضيفاً أن إزالة هذه الأسماء من شأنه توفير موارد كبيرة.
وأشار إلى أن هدف الإصلاحات، التي تسعى أيضاً إلى تبسيط النظام الضريبي مع العفو عن العقوبات، هو إزالة العقبات وتشجيع المستثمرين على العودة إلى سوريا. وأردف أبازيد، الذي عمل سابقاً خبيراً اقتصادياً في جامعة الشمال الخاصة، قبل أن يشغل منصب مسؤول الخزانة في معقل المعارضة في إدلب عام 2023، أن "الهدف هو أن تكون المصانع داخل البلاد بمثابة منصة إطلاق للصادرات العالمية".
وقبل اجتياح دمشق في الهجوم الخاطف الذي أطاح بالأسد، أدارت هيئة تحرير الشام إدلب كمنطقة منشقة تابعة للمعارضة منذ عام 2017، جذبت الاستثمار وأنشطة القطاع الخاص مع تخفيف البيروقراطية وتحجيم الفصائل الدينية المتشددة.
وقال الوزيران إن "الحكومة الجديدة تأمل في زيادة الاستثمار الأجنبي والمحلي على مستوى البلاد، لخلق فرص عمل جديدة مع إعادة بناء سوريا بعد صراع دام 14 عاماً". لكن من أجل تكرار نموذج إدلب، يتعين على هيئة تحرير الشام التغلب على تحديات هائلة من بينها العقوبات الدولية التي تؤثر بشدة على التجارة الخارجية.
وقالت مها قطاع، كبير أخصائيي المرونة والاستجابة للأزمات في المكتب الإقليمي في الدول العربية، بمنظمة العمل الدولية إن "الاقتصاد حالياً ليس في حالة تسمح له بتوفير ما يكفي من الوظائف في القطاع الخاص".
وأضافت أن "إعادة هيكلة القطاع العام أمر منطقي"، لكنها تساءلت عما إذا كان ينبغي أن يكون ذلك على رأس أولويات الحكومة التي تحتاج أولاً إلى إنعاش الاقتصاد. وتابعت "لست متأكدة إذا كان هذا قرارا حكيماً حقاً".
وفي حين يقر بعض المنتقدين بضرورة تحرك الإدارة المؤقتة سريعاً لإحكام قبضتها على البلاد، فإنهم يرون أن نطاق ووتيرة التغييرات المخطط لها مبالغ فيها.
وقال آرون لوند، وهو زميل في مركز سينشري إنترناشونال للأبحاث الذي يركز على الشرق الأوسط "إنهم يتحدثون عن عملية انتقالية لكنهم يتخذون القرارات كما لو كانوا حكومة تم تنصيبها بشكل شرعي". وتعهد الشرع بإجراء انتخابات لكنه قال إن تنظيمها قد يستغرق 4 سنوات.
وقال وزير الاقتصاد إنه سيتم وضع السياسة الاقتصادية، لإدارة تداعيات الإصلاحات السريعة في السوق، لتجنب فوضى الركود والبطالة التي أعقبت "العلاج بالصدمة"، الذي شهدته في التسعينيات الدول الأوروبية السابقة بالاتحاد السوفيتي.
وأضاف عبد الحنان أن الهدف هو تحقيق التوازن بين نمو القطاع الخاص ودعم الفئات الأكثر احتياجاً.
وأعلنت الحكومة زيادة رواتب موظفي الدولة، التي تبلغ حالياً نحو 25 دولاراً شهرياً، بنسبة 400% اعتباراً من فبراير (شباط) المقبل. وتعمل أيضاً على تخفيف وطأة تسريح العاملين عن طريق منحهم مكافأة نهاية الخدمة، أو مطالبة بعضهم بالبقاء في المنزل لحين تقييم الاحتياجات.
ومع ذلك، هناك شعور واضح بالفعل بعدم الارتياح. وأظهر عاملون قوائم متداولة في وزارتي العمل والتجارة، اللتين قلصتا برامج توظيف العسكريين السابقين الذين قاتلوا مع الحكومة ضد المعارضة في عهد الأسد خلال الحرب الأهلية.
وقال محمد، وهو واحد من هؤلاء العسكريين السابقين، إنه تم تسريحه من وظيفته كمدخل بيانات في وزارة العمل يوم 23 يناير (كانون الثاني) الجاري، ومنحه إجازة مدفوعة الأجر لمدة 3 أشهر. وذكر أن حوالي 80 عسكرياً سابقاً آخرين تلقوا الإشعار نفسه.
ورداً على أسئلة رويترز، قالت وزارة العمل إنها منحت عدداً من الموظفين إجازة مدفوعة الأجر لمدة 3 أشهر، لتقييم وضعهم الوظيفي ومن ثم النظر في وضعهم، بسبب عدم الكفاءة الإدارية والبطالة المقنعة. وأثارت هذه الخطط احتجاجات في يناير (كانون الثاني) الجاري بمدن، من بينها درعا في جنوب سوريا حيث اندلعت شرارة الثورة ضد الأسد في عام 2011، واللاذقية الساحلية.
وكانت هذه الاحتجاجات أمر غير متصور في عهد الأسد، الذي رد على المظاهرات ضده بحملة قمع أشعلت الحرب الأهلية. وحمل موظفو مديرية الصحة في درعا لافتات تندد بما وصفوه بأنه فصل تعسفي وظالم خلال مظاهرة شارك فيها نحو 24 شخصاً.
وقال أدهم أبو العلايا، الذي شارك في المظاهرة، إنه يخشى من فقدان وظيفته الذي عُين فيها عام 2016، لإدارة سجلات المديرية وتسوية فواتير المرافق. وعبر عن تأييده للقضاء على ظاهرة الموظفين الأشباح، لكنه نفى تقاضيه هو أو زملاؤه أجراً بدون القيام بعمل.
وأردف يقول إن راتبه يساعده على توفير الاحتياجات الأساسية، مثل الخبز والحليب، وإعالة أسرته، موضحاً أنه يعمل في وظيفة أخرى أيضاً لسد احتياجات عائلته. وأضاف أن البطالة ستزيد حال تنفيذ هذا القرار، وهو ما لا يستطيع المجتمع تحمله.
المصدر: موقع 24
كلمات دلالية: عام المجتمع اتفاق غزة سقوط الأسد عودة ترامب إيران وإسرائيل غزة وإسرائيل الإمارات الحرب الأوكرانية ببشار الأسد السوري سقوط الأسد سوريا القطاع العام فی عهد
إقرأ أيضاً:
إرث سام .. إمبراطورية الأسد نهبت سوريا وتركت الشعب يتسول
سرايا - من مقارّها في تلال وعرة مشرفة على دمشق، استنزفت الفرقة الرابعة، إمبراطورية ماهر الأسد شقيق الرئيس المخلوع بشار الأسد، الاقتصاد السوري، فنهبت مقدراته واستنفدته حتى آخر قطرة.
بعد إطاحة حكم الأسد، تعرض الكثير من مقار تلك الوحدة العسكرية السيئة السمعة التي أثارت الرعب في سوريا، للنهب. لكن مستندات متناثرة داخلها تروي تفاصيل عن حياة ترف وثروات تمتع بها "سيدي المعلم"، أي ماهر الأسد، مع المحظيين من معاونيه، فيما كان بعض جنوده يكافحون لتأمين قوت عائلاتهم إلى حد التسوّل.
وتكشف مجموعة وثائق اطلعت عليها وكالة فرانس برس داخل عدد من هذه المواقع المهجورة الآن، النقاب عن إمبراطورية اقتصادية واسعة بناها ماهر الأسد وشبكته من المنتفعين، لم تترك مجالا لم تتدخل فيه، من صنع الكبتاغون والاتجار به وصولا إلى فرض أتاوات على المعابر الحدودية والحواجز.
ولطالما اتهمت حكومات غربية ماهر الأسد وأعوانه بتحويل سوريا إلى "دولة مخدرات" أغرقت الشرق الأوسط بأقراص الكبتاغون، وهي مادة منشطة غير قانونية كانت تهرّب خصوصا إلى الخليج.
لكن بعيدا عن التجارة التي تقدّر قيمتها بأكثر من 10 مليارات دولار، تُظهر المستندات التي تفحصتها فرانس برس كيف تغلغلت الفرقة الرابعة في الكثير من مفاصل البلد، ما جعلها أشبه بـ"مافيا" محظية داخل دولة مارقة.
استولت الفرقة الرابعة على منازل ومزارع، وصادرت بضائع شتى من مواد غذائية وسيارات وأجهزة إلكترونية لبيعها. ونهبت النحاس والمعادن من مناطق دمرتها سنوات الحرب الطويلة.
وفرضت كذلك أتاوات عند الحواجز ونقاط التفتيش، وجنت أموالا من مرافقة صهاريج نفط وحماية مسارها، حتى تلك الآتية من مناطق سيطر عليها المتشددون. واحتكرت أيضا تجارة التبغ والمعادن.
أنفاق وخزنات
في صلب هذه الشبكة الفاسدة، تربّع المقر الخاص لماهر الأسد فوق متاهة أنفاق محفورة في قلب جبل يعلو دمشق، يتسع بعضها لمرور شاحنة.
وقاد حارس ملثم تابع للسلطة السورية الجديدة فريق وكالة فرانس برس عبر الأنفاق، كما لو أنه دليل سياحي، مشيرا إلى حمام هنا وغرفة نوم هناك، وما بدا أشبه بمسارات خروج في حالات الطوارئ.
بعد النزول عبر سلم شديد الانحدار مؤلف من 160 درجة، توجد غرف موصدة ببوابات مصفحة.
ويقول الحارس إنه أحصى تسع خزنات داخل إحدى الغرف.
ويوضح كيف أن الخزنات تعرضت "للكسر" والنهب على أيدي أشخاص اقتحموا المكان في الثامن من كانون الأول/ديسمبر، بعد ساعات قليلة على إطاحة فصائل معارضة بقيادة هيئة تحرير الشام بحكم عائلة الأسد التي قادت سوريا بقبضة حديد لأكثر من خمسة عقود.
وبحسب مصدر عراقي رفيع المستوى ومصدرين سوريين آخرين، لم يعلم ماهر الأسد (58 عاما) حينها بعزم شقيقه الفرار إلى روسيا. وهرب بشكل منفصل في مروحية أقلته إلى العراق ومنها إلى روسيا، عبر إيران على الأرجح.
في المجمع تحت الأرض، تبدو جلية الفوضى: خزنات مفتوحة وصناديق ساعات رولكس وكارتييه فارغة مرمية في كل ناحية. ولا يتضح ما إذا كانت الخزنات قد أُفرغت من الأموال قبل نهبها أم لا.
ويشير الحارس إلى مكتب، يقول إنه "المكتب الأساسي" لماهر الأسد، مؤلف من "طابقين فوق الأرض وتحته أنفاق تضم غرفا مغلقة لا يمكن فتحها".
إلى جانب خزنة مهجورة داخل ممر، يمكن رؤية جهاز تغليف حراري جرى استخدامه على الأرجح لتغليف الأوراق النقدية.
ثروات مخفية
في أحد المستندات التي تفنّد بالتفصيل النفقات كافة، وبين مئات الأوراق المبعثرة داخل مكتب أمن تابع للفرقة الرابعة، يظهر أنه كان هناك حتى الرابع من حزيران/يونيو سيولة نقدية قدرها ثمانون مليون دولار، وثمانية ملايين يورو، و41 مليار ليرة سورية.
وتوثّق مئات المستندات احتفاظ ماهر الأسد ومكتب الأمن بمبالغ شبيهة في الفترة الممتدة بين العامين 2021 و2024.
ويقول الباحث لدى معهد كارنيغي لدراسات الشرق الأوسط خضر خضور لفرانس برس "هذا ليس إلا عينة صغيرة من الثروة التي جمعها ماهر وأعوانه عبر صفقاتهم التجارية المشبوهة".
ويقدّر أن تكون ثروتهم الحقيقية مخفية "في الخارج، على الأرجح في دول عربية وإفريقية".
ويضيف "كانت الفرقة الرابعة بمثابة آلة لطباعة المال" في سوريا، حيث يعيش أكثر من 90% من السكان، وفق الأمم المتحدة، بدولارَين أو أكثر بقليل في اليوم الواحد.
دولة داخل الدولة
لم تنجح العقوبات الغربية في كبح جماح ماهر الأسد ورجاله أو الحدّ من نفوذهم طيلة سنوات النزاع.
ويقول العميد السابق في الفرقة الرابعة عمر شعبان الذي عقد تسوية مع الإدارة السورية الجديدة "كانت الفرقة الرابعة دولة مستقلة، تمتلك كل شيء".
وفي حين كان التعامل بالدولار الأميركي محظورا في سوريا، أصبح العديد "من ضباط الأمن أصحاب ثروات، لديهم خزنات وأموال بالدولار حصرا"، على حد قوله.
وأقام أعوان ماهر المقربون في قصور فاخرة، واعتادوا على شحن سيارات فارهة من الخارج، بينما كان البلد خارج أسوار قصورهم غارقا في دوامة من الفقر والبؤس والخوف.
بعد أسابيع من إطاحة حكم الأسد، كان سوريون ما زالوا يأتون إلى فيلا ماهر الأسد المشيّدة على تلة في منطقة يعفور الراقية، ويفتشون في الغرف القريبة من اسطبلات اعتادت ابنته الفائزة بجوائز عدة، ركوب الخيل فيها.
داخل القصر المنهوب، سأل رجل بانفعال فريق فرانس برس وهو ينتقل من غرفة إلى أخرى "أريد الذهب. أين الذهب؟".
لكنه لم يعثر إلا على صور قديمة مبعثرة على الأرض، إحداها لماهر وزوجته مع أولادهما الثلاثة.
"الرجل الخفي"
لطالما كان ماهر الأسد شخصية غامضة تثير الخوف في سوريا. ويُنظر إليه على أنه الرجل الذي تولّى تنفيذ "الأعمال القذرة للنظام".
ومع أن صوره غُلّقت داخل كل مقر للفرقة الرابعة، لكنه نادرا ما كان يظهر في الأماكن العامة.
ورغم اتهامه من منظمات حقوقية بإصدار أوامر لقتل متظاهرين عزل في سوريا منذ العام 2011، وربط اسمه باغتيالات، لكنه بقي بمثابة "الرجل الخفي"، وفق ما يقول مصدر مقرب من عائلة الأسد لفرانس برس.
ويوضح المصدر "ستجد قلة من الأشخاص يقولون إنهم يعرفونه" شخصيا.
في مقابلة مع قناة "العربية" مطلع شباط/فبراير، قالت مجد الجدعان، شقيقة زوجة ماهر الأسد والتي غادرت سوريا بعد خلافات معه عام 2008 وتقدّم نفسها على أنها معارضة لعائلة الأسد، إنه كان كريما وأحيانا ذا صحبة طيبة. لكن "حين يغضب، كان يفقد السيطرة بالكامل على تصرفاته وأقواله، وهذا ما كان مرعبا في شخصيته".
وكانت الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد بمثابة القبضة الحديد للنظام، وارتبط اسمها بسلسلة طويلة من الفظائع.
بعد اندلاع الحرب في سوريا، قالت جدعان في مقابلة مع تلفزيون فرنسي: "ماهر يعرف كيف يدمّر، يعرف كيف يقتل ثم يكذب ليظهر بريئا"، مشبهة قسوته بوالده الراحل حافظ الأسد.
سيارات فارهة
حين يعدّد سكان في دمشق بسخط انتهاكات الفرقة الرابعة، يتردّد اسم آخر إلى جانب اسم ماهر الأسد، هو غسان بلال، مدير مكتب الأمن في الفرقة الرابعة.
على غرار رئيسه، كان بلال مولعا بجمع السيارات الفارهة ويقيم في فيلا في يعفور. وتقول مصادر أمنية إنه غادر سوريا بعد سقوط الحكم.
داخل مكتبه الفسيح في المقر الرئيسي لمكتب الأمن، تكشف معاينة فاتورة تلو الأخرى تفاصيل أسلوب حياته الباذخ. وبين تلك الفواتير واحدة متعلقة بصيانة سيارته الكاديلاك.
في صيف 2024، شحن بلال سيارتَين من طراز ليكسس ومرسيدس، بحسب وثيقة اطلعت عليها فرانس برس. وتظهر فواتير تسديد مبلغ بقيمة 29 ألف دولار كبدل جمارك وتأمين عبر بطاقة ائتمان مسجّلة باسم شخص آخر.
وتظهر ورقة مكتوبة بخط اليد أنه كان يسدّد، بسبب خضوعه لعقوبات غربية على خلفية اتهامه بانتهاكات لحقوق الإنسان، بدل اشتراك بمنصة "نتفليكس" للأفلام "بواسطة أحد الأصدقاء عبر بطاقة ائتمان في الخارج".
وتتضمن قوائم أخرى نفقات، غالبيتها منزلية ولأولاده أو للمطبخ أو لشراء الوقود ومصاريف أملاك بينها الفيلا التي تعرضت لاحقا للنهب.
وبلغت قيمة تلك النفقات خلال عشرة أيام فقط من شهر آب/أغسطس 55 ألف دولار.
في الشهر ذاته، كتب جندي من الفرقة الرابعة إلى بلال متوسلا منحه "إعانة مالية (كونه) بوضع مادي سيئ جدا".
وقد صرف له بلال 500 ألف ليرة سورية كإعانة، أي ما يعادل حينها 33 دولارا، فيما تظهر وثيقة أخرى ضبط أحد جنود الفرقة الرابعة يتسوّل في الشوارع أثناء دوامه.
رجال المال
وتمّ إحراق آلاف المستندات والملفات، على ما يبدو، لكن العديد من الوثائق السرية التي نجت تحمل في طياتها معلومات كثيرة.
من بين الأسماء البارزة المذكورة في بعض الوثائق والتي ساهم أصحابها في تمويل الفرقة الرابعة، تبرز أسماء رجال أعمال مدرجين على لوائح العقوبات، على غرار خالد قدور ورئيف القوتلي، والأخوين قاطرجي المتهمين بجني مئات الملايين من الدولارات لصالح الحرس الثوري الإيراني والحوثيين في اليمن، عبر بيع النفط الإيراني إلى سوريا والصين.
وبحسب مصادر أمنية ومن قطاع الأعمال، تولى القوتلي إدارة نقاط تفتيش ومعابر، حيث "فُرضت أتاوات" على بضائع أو جرت مصادرتها.
ونفى قدّور الذي فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات لدعمه ماهر الأسد ماديا في تهريب الكبتاغون والسجائر والهواتف، أن يكون له أي تعامل مع ماهر الأسد حين سعى لأن تُرفع العقوبات الأوروبية عنه عام 2018.
لكنّ قائمة إيرادات المكتب الأمني لعام 2020، أظهرت أنه وفّر نحو 6,5 ملايين دولار في ذاك العام لصالح المكتب.
وتتضمن الوثيقة لائحة طويلة من المبالغ بالليرة السورية ومصادرها المتنوعة، وبينها الدخان الوطني، و"ترفيق"، أي حماية صهاريج النفط، وبيع المصادرات.
"مافيا"
ويشير خضر خضور إلى أن مكتب الأمن كان يتولى معظم المعاملات المالية للفرقة الرابعة ويصدر بطاقات أمنية للأشخاص الذين تعامل معهم لتسهيل تحركاتهم.
في 2021، قال أحد تجار المخدرات الذي يحمل جوازي سفر لبنانيا وسوريا، لمحققين لبنانيين إنه استحوذ على بطاقة أمنية من الفرقة الرابعة، وإن مكتب الأمن وافق على حماية شحنة مخدرات لتاجر آخر مقابل مليونَي دولار، بحسب إفادة اطلعت عليها فرانس برس في حينه.
وتؤكد مصادر أمنية عدّة لفرانس برس أن بلال كان الشخص الأساس في تجارة الكبتاغون لدى الفرقة الرابعة، واتهمته وزارة الخزانة الأميركية بالفعل بأنه من اللاعبين الرئيسيين في تلك التجارة.
وزارت فرانس برس مصنعا لإنتاج الكبتاغون داخل فيلا استولت عليها الفرقة الرابعة في بلدة الديماس بريف دمشق قرب الحدود مع لبنان. وكانت غرفها مليئة بصناديق وبراميل من مواد الكافيين والإيثانول والباراسيتامول المستخدمة في صنع المخدر.
ويقول سكان محليون إنه لم يُسمح لهم أن يقتربوا من الفيلا، وكان يُمنع حتى على الرعاة التواجد في التلال المحيطة.
ويقول ضابط سابق أمضى جزءا من خدمته في مكتب الأمن دون الكشف عن اسمه، إن المكتب كان يتمتع بـ"حصانة وكان ممنوعا على أي جهة أمنية التعرّض لأي عنصر إلّا بموافقة ماهر".
ويضيف "كانت مافيا، وكنت أعلم أنني أعمل لدى مافيا".
"تركوا الشعب يجوع"
وطارد جشع الفرقة الرابعة عائلات على مدى عقود، كما تُظهر رسالة كتبها عدنان الديب، وهو مشرف على مقبرة في مدينة حمص (وسط).
عند حاجز مهجور للفرقة الرابعة قرب دمشق، وبين مئات المستندات المتسخة والمرمية أرضا، عثر فريق فرانس برس على رسالة من ديب يطلب فيها من الفرقة الرابعة استعادة مزرعته.
ويروي الديب لفرانس برس كيف أن الفرقة الرابعة صادرت فيلا تملكها عائلته وقصورا أخرى مجاورة قبل عشرة أعوام في قرية كفرعايا قرب حمص.
ورغم عدم السماح له بالاقتراب من ممتلكاته، كان على الديب دفع الضرائب المتوجبة على العقار الذي حولته الفرقة الرابعة بحسب قوله، إلى مكاتب، بينها أحد فروع مكتب الأمن، ومستودعات للمواد المصادرة، وغرفة أشبه بسجن.
خلال جولة في العقارات المصادرة، يقول أحد السكان لفرانس برس "مكتب أمن الرابعة هنا كان خطا أحمر لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه".
ويروي كيف وجد بعد فرار العناصر كمية هائلة من البضائع المصادرة وبينها سيارات ودراجات نارية ومئات غالونات زيت القلي.
ويضيف "تركوا الشعب يجوع فيما كان كل شيء متاحا لهم هنا".
وتُظهر وثيقة من أحد العقارات المصادرة، أن مواطنة بلغ عدد أفراد عائلتها 25 شخصا، كان قسم منهم يقيم في خيمة وآخرون في "قنن للدواجن"، طلبت أكثر من مرة أن يخلي عناصر من الفرقة الرابعة منزلها لتقيم فيه مع عائلتها.
حصة الأسد لبشار
لم تسيطر الفرقة الرابعة على أي قطاع في الاقتصاد السوري بقدر سيطرتها على سوق المعادن.
ويقول العميد الشعبان "كان ممنوعا أن يحرّك أحد الحديد من دون موافقة الرابعة"، مضيفا أن التعامل بالنحاس مثلا كان حقا "حصريا" لها.
ويروي الضابط في مكتب الأمن الذي رفض الكشف عن اسمه، كيف توافد عناصر من الفرقة إلى إحدى ضواحي دمشق بمجرد سيطرة القوات الحكومية عليها حينها، وبدأوا يسحبون أسلاك النحاس والحديد من المنازل المدمرة.
ويقول رئيس غرفة الصناعة السابق فارس الشهابي إن أحد مصانع المعادن الذي كان يديره أحد شركاء ماهر الأسد، كان يحتكر السوق، وأُجبر الجميع على الشراء منه حصرا. و"لم يعد بإمكان" العديد من المعامل العمل جراء هذا الضغط، وفق الشهابي.
ويوضح أن ماهر الأسد و"أصدقاءه" كانوا يسيطرون على حصة كبيرة من الاقتصاد السوري، لكن المستفيد الأكبر كان بشار الأسد.
ويقول الشهابي "كانت شركة واحدة... والقصر الرئاسي كان دائما المرجع".
ويؤكد الضابط السابق في مكتب الأمن أن حصة من الأرباح والمضبوطات كانت تذهب دائما إلى القصر الرئاسي.
إرث سام
ورغم أنه لم يتبق من الفرقة الرابعة اليوم إلا مستودعات مهجورة ومقرات منهوبة، يحذر الخبير في الشأن السوري لارس هاوخ من مؤسسة "كونفلكت ميدييشن سولوشنز"، من أن إرثها قد يكون ساما جدا.
ويقول "كانت الفرقة الرابعة لاعبا عسكريا، وجهازا أمنيا، وكيانا استخباراتيا، وقوة اقتصادية وسياسية، ومؤسسة إجرامية عابرة للحدود".
ويضيف "مؤسسة ذات تاريخ يمتد لعقود، وقدرات مالية هائلة، وعلاقات وثيقة مع النخب، لا يمكن أن تختفي ببساطة".
وينبه إلى أنه "فيما فرّت القيادة العليا من البلد"، فقد تراجعت "نواتها الصلبة"، ومعظمهم من الموالين للحكم السابق، إلى المناطق الساحلية ذات الغالبية العلوية، الطائفة التي تنتمي إليها عائلة الأسد.
ولا يستبعد هاوخ وجود أسلحة مخبأة في مخازن، تضاف إليها "مليارات الدولارات" التي كانت موضّبة في خزنات الفرقة الرابعة.
وينبّه من أن "كل ما يلزم لتمرد طويل الأمد متوافر... إذا فشلت عملية الانتقال في سوريا في أن تكون شاملة بالفعل وتحقق العدالة الانتقالية".
وسوم: #النفط#روسيا#الخليج#سيارات#مصر#إيران#لبنان#مدينة#العراق#سوريا#اليوم#الدولة#أمن#العمل#الاحتلال#الشعب#قلب#الجميع#جبل#رئيس#الوزراء#الرئيس#القوات#الذهب#اليمن#الخاص#شهر
1 - | ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه. | 03-03-2025 11:35 AM سرايا |
لا يوجد تعليقات |
الاسم : * | |
البريد الالكتروني : | |
التعليق : * | |
رمز التحقق : | أكتب الرمز : |
اضافة |
الآراء والتعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها فقط
جميع حقوق النشر محفوظة لدى موقع وكالة سرايا الإخبارية © 2025
سياسة الخصوصية