أحمد الشريف
المحادثة الهاتفية بين ترامب ومحمد بن سلمان، التي التزم خلالها الأخير باستثمار 600 مليار دولار في الولايات المتحدة، قابلة للزيادة، جاءت تنفيذًا لأوامر ترامب، الذي أعلن ذلك صراحة في أول خطاب له بعد أدائه اليمين الدستورية كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية للمرة الثانية، غير المتتالية.
وقد جعل ترامب هذا الإعلان شرطًا لزيارة السعودية، كما فعل خلال ولايته الأولى، لكن المثير للدهشة هذه المرة أن السعوديين كانوا أكثر كرمًا منه؛ إذ لم يطلب سوى نصف تريليون دولار لإتمام الزيارة، ليضيف ابن سلمان 100 مليار دولار فوق ذلك.
وباعتباره رجل صفقات، يقود فريقًا صهيونيًا بامتياز، لم يكتفِ ترامب بهذا المبلغ، بل طالب السعوديين، في خطابه الأخير يوم الخميس، برفعه إلى تريليون دولار، وهو ما لا يُستبعد أن يوافق عليه ابن سلمان. وبهذا، يثبت ترامب مجددًا أنه تاجر، وأن تهديداته تعكس ضعفه، ولا تُخيف إلا الجبناء.
وفي هذا السياق، استغل العملاء والمرتزقة هذا الاتفاق بين ترامب وابن سلمان لبث الخوف في نفوس اليمنيين، زاعمين أن السعودية، في حال تمت الزيارة، ستحرضه على استهداف الشعب اليمني، لا سيما بعد إعادة تصنيف أنصار الله كـ”منظمة إرهابية أجنبية”، في محاولة للانتقام مما قامت به القوات المسلحة اليمنية من عمليات تحدٍّ واستهداف للبوارج والمدمرات الأمريكية في البحرين الأحمر والعربي، مما كشف حقيقة أن أمريكا ليست ذلك “البعبع” الذي تخشاه الشعوب، وأن مواجهتها ممكنة عندما تتوفر الإرادة الحرة لأي شعب، مهما كان بسيطًا في إمكانياته.
لكننا نقول لهؤلاء العملاء: إن تجربة اليمن مع ترامب ليست جديدة، فقد تمكنت القوات المسلحة اليمنية، ممثلة في القوة الصاروخية والطيران المسيّر، من توجيه ضربات قاسية للسعودية في عهده السابق، كان أبرزها استهداف “أرامكو”، مما سبّب إرباكًا كبيرًا لأمريكا نفسها، في وقت كانت السعودية تنتظر منه أن يرد نيابة عنها، لكنه لم يفعل، واضطرت الرياض إلى ابتلاع الصدمة والتقليل من شأنها، حتى أنها اتهمت قوى أخرى غير اليمن بتنفيذ العملية، حتى لا تعترف أمام شعبها بحجم القوة التي بلغها اليمن تحت قيادة شجاعة وحكيمة.
وهنا، يُطرح السؤال: أما آن الأوان للوقوف بموضوعية وإنصاف إزاء العدوان والحصار الظالم المفروض على الشعب اليمني منذ ما يقارب عشر سنوات، والذي يزداد تصعيدًا هذه الأيام؟ خاصة بعد أن عادت دويلة الإمارات لتفعيل دورها التخريبي، ودعم مرتزقتها، واحتلال الجزر اليمنية، وبناء قواعد عسكرية فيها تلبيةً لرغبات أمريكية وصهيونية، دون أن تجد في المحافظات الجنوبية من يعترض على تصرفاتها كقوة احتلال، بل هناك من يتعاون معها؟ وهل سيتم استيعاب المتغيرات وتفهم حقائق الواقع بعيدًا عن عجرفة السعودية والتعصب الأعمى، الذي لا يؤدي إلا إلى مزيد من الشرور والآثام؟
لقد أظهرت سنوات العدوان معدن الرجال، وأسقطت الأقنعة التي خدعت الشعب اليمني لسنوات، وكشفت العملاء والمرتزقة الذين باعوا أنفسهم لأعداء اليمن مقابل حفنة من الدولارات، في محاولة دنيئة لتمزيق الوطن وتفجيره من الداخل. هؤلاء هم أنفسهم الذين يدعون اليوم أمريكا وأذنابها لغزو اليمن واحتلال صنعاء، ظنًا منهم أنهم قادرون على إسقاط التجربة اليمنية، رغم معرفتهم التامة بأن الفارق بين اليمن وسوريا شاسع كالمشرق والمغرب.
إن القوى الوطنية التي تصدرت مشهد الدفاع عن اليمن وسيادته كشفت زيف العملاء، الذين كانوا دائمًا وراء المؤامرات التي تستهدف تمزيق النسيج الاجتماعي وتقويض الوحدة الوطنية. لكن اليمن اليوم، وبعد كل هذه التضحيات، يستعد لمرحلة جديدة من بناء الدولة الحديثة، وهو ما يتطلب من كل القوى السياسية والشعبية المخلصة الوقوف صفًا واحدًا في مواجهة التآمرات، والتمسك بوحدة الصف الوطني، وعدم السماح لأحد باختراقه أو المساس به، خاصة أن الحقائق باتت واضحة، ولم يعد هناك مجال للمناورات أو المواقف الضبابية.
إن الشعب اليمني، الذي قدّم التضحيات العظيمة في سبيل تحرير قراره السياسي ووضع حد للوصاية الخارجية، من حقه أن يحتفل بإنجازاته، ومن حق قواته المسلحة، التي سطّرت ملاحم البطولة، أن تعلن انتصارها للعالم أجمع، مؤكدةً أنها قادرة على حماية المكتسبات الوطنية. فاليمن سيظل موطن العروبة، وأرض الأنصار، الذين شهد لهم الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله وسلم، بالإيمان والحكمة.
أما بعض القوى السياسية التي لا تزال تلتزم مواقف ضبابية، فلا تفسير لذلك إلا التذبذب والاضطراب السياسي، في وقت لا يحتمل التردد أو المناورات. ومن المؤسف أن نجد من يحاول شق الصف الوطني، وإثارة النعرات المناطقية والطائفية، في توجه يخدم أعداء اليمن، ولا يعكس إلا إصرار هذه القوى على منع بناء اليمن الجديد.
وفي الختام، فإن القوات المسلحة اليمنية، بعد ما يقارب عقدًا من العدوان، أصبحت اليوم أقوى من أي وقت مضى، وقادرة على الحسم السريع، وإنهاء التساهل مع من لا يفهمون إلا لغة القوة. فالصبر والتسامح كانا خيارًا استراتيجيًا، لكنهما لا يعنيان الضعف، بل يعكسان حكمة القيادة، تأكيدًا لقوله تعالى: “وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ” (فصلت: 34).
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: الشعب الیمنی
إقرأ أيضاً:
اقتصاد السعودية على المحك.. هل تؤثر أزمة النفط في رؤية 2030؟
نشرت صحيفة "أويل برايس" تقريرًا حول الاقتصاد السعودي، مشيرة إلى أن المملكة تتوقع عجزًا قدره 27 مليار دولار في موازنتها لعام 2025.
ولسد فجوة هذا العجز، تخطط السعودية لزيادة إصدار الديون هذا العام، بهدف تغطية النفقات المتزايدة وتعزيز النمو الاقتصادي في ظل الظروف الحالية للأسواق العالمية.
وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21" إن الاقتصاد السعودي يواجه تحديات كبيرة في تحقيق أهداف "رؤية 2030" لتحويل الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد على النفط. يتطلب هذا التحول فترة طويلة من الطلب المستدام على النفط وأسعار مرتفعة نسبيًا.
وبينما تواصل السعودية تنفيذ مشاريعها الطموحة بموجب "رؤية 2030"، مثل بناء مدن ومنتجعات مستقبلية ضخمة، فإن أكبر دولة مصدّرة للنفط في العالم ستحتاج إلى زيادة الاقتراض من أسواق الدين، في ظل استمرار انخفاض أسعار النفط بنحو 20 دولارًا للبرميل عن سعر التعادل المالي المطلوب لتحقيق التوازن في الميزانية.
تعتزم السعودية، التي تقود تخفيضات إنتاج "أوبك+" وتعد المحرك الرئيسي لهذه السياسة، تخفيف جزء صغير من هذه التخفيضات اعتبارًا من 1 أبريل/ نيسان، وفقًا لخطة المجموعة الأخيرة، حيث سيتم إضافة 138 ألف برميل يوميًا إلى الإمدادات هذا الشهر.
وأشارت الصحيفة إلى أن زيادة إنتاج "أوبك+" هذا العام قد تؤدي إلى ضغط إضافي على أسعار النفط، التي استقرت في الأسابيع الأخيرة عند مستويات منخفضة في نطاق 70 دولارًا للبرميل، وهي أقل بكثير من 91 دولارًا للبرميل، وهو السعر الذي يقدره صندوق النقد الدولي لتحقيق التوازن المالي في موازنة السعودية.
وفي ظل حالة من عدم اليقين بشأن التجارة العالمية والنمو الاقتصادي والطلب على النفط، قد تضطر المملكة إلى تحمل فترة ممتدة من الأسعار المنخفضة عن سعر التعادل المالي، مما قد يستدعي زيادة في الدين العام. ومن المتوقع أن يرتفع حجم الاقتراض لتغطية النفقات المخطط لها، أو قد يتم تأجيل بعض المشاريع الضخمة وبرامج "رؤية 2030" أو تقليصها، وفقًا لتقديرات المحللين.
علاوة على ذلك، قامت شركة "أرامكو"، العملاق النفطي والمصدر الرئيسي لإيرادات المملكة، بتخفيض توزيعات أرباحها مؤخرًا، مما يشكل ضغوطًا إضافية على الإيرادات العامة للمملكة باعتبارها المساهم الرئيسي في الشركة.
عجز جديد
وأفادت الصحيفة بأن السعودية تتوقع أن يبلغ إجمالي نفقاتها 342 مليار دولار (1.285 تريليون ريال سعودي) في بيان موازنتها لعام 2025، حيث تواصل الاستثمار في مشاريع تهدف إلى تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الإيرادات النفطية، التي تمثل نحو 61 بالمئة من إجمالي الإيرادات الحكومية.
ومن المتوقع أن تكون الإيرادات أقل من النفقات، إذ تقدر بحوالي 316 مليار دولار (1.184 تريليون ريال)، ما يشير إلى عجز يصل إلى 27 مليار دولار (101 مليار ريال)، وهو ما يعادل نحو 2.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر، قالت وزارة المالية: "ستواصل الحكومة تمويل ودعم تنفيذ البرامج والمبادرات ومشاريع التحول الاقتصادي تماشيًا مع رؤية السعودية 2030، مع الحفاظ على كفاءة الإنفاق واستدامة المالية على المدى المتوسط والطويل".
وأوضحت الصحيفة أنه لسد فجوة العجز، ستصدر السعودية مزيدًا من الديون هذا العام، بهدف "الاستفادة من الفرص المتاحة في الأسواق لتنفيذ عمليات مالية حكومية بديلة تعزز النمو الاقتصادي، مثل الإنفاق الموجه نحو الاستراتيجيات والمشروعات الضخمة وبرامج رؤية السعودية 2030".
من المتوقع أن يرتفع الدين العام إلى 29.9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية 2025، مقارنة بـ 29.3 بالمئة في 2024.
وستواصل السعودية الاقتراض من أسواق الدين واستكشاف خيارات تمويل أخرى هذا العام، حيث قدّرت احتياجاتها التمويلية لعام 2025 بنحو 37 مليار دولار (139 مليار ريال) لتغطية العجز وسداد الديون المستحقة.
توزيعات أرباح أقل من أرامكو
أفادت الصحيفة بأن احتياجات التمويل للسعودية من المرجح أن تكون أعلى من التقديرات الصادرة في يناير/ كانون الثاني، في ضوء إعلان شركة أرامكو في أوائل آذار/مارس عن خفض توزيعات أرباحها بنسبة 30 بالمئة هذا العام.
وقالت أرامكو إنها تتوقع أن تبلغ توزيعات الأرباح الإجمالية 85.4 مليار دولار في 2025، أي بانخفاض بنسبة حوالي 30 بالمئة مقارنة بتوزيعات أرباح العام الماضي التي بلغت 124 مليار دولار، والتي شملت حوالي 43.1 مليار دولار من توزيعات الأرباح المرتبطة بالأداء.
وأوضحت الصحيفة أن انخفاض توزيعات الأرباح في 2025 سيؤثر سلبًا على إيرادات السعودية، التي تعد أكبر مساهم في أرامكو عبر حصة مباشرة تقترب من 81.5 بالمئة، بالإضافة إلى مصلحة غير مباشرة عبر صندوق الاستثمارات العامة، الذي يمتلك 16 بالمئة من الشركة.
وأشارت الصحيفة إلى أن اتساع العجز بسبب خفض توزيعات أرباح أرامكو دفع وكالة فيتش للتصنيفات الائتمانية إلى التأكيد على أن السلطات السعودية تتمتع بالمرونة لإعادة ضبط استثماراتها. وتوقعات فيتش تشير إلى أن الحكومة السعودية ستقوم بتقليص النفقات الرأسمالية والنفقات الجارية المرتبطة بها هذا العام.
وأضافت الوكالة: "إعادة ضبط المشاريع بشكل منتظم قد أدت مؤخرًا إلى تقليص وإعادة ترتيب بعض المشاريع، على سبيل المثال". وأكدت أن "هذه المرونة يمكن أن تخفف من التأثير على المالية العامة للسعودية إذا كانت أسعار النفط أقل من المتوقع، رغم أن فيتش ترى أن خفض الإنفاق الاستثماري قد يؤثر أيضًا على جهود تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط".
في هذا العام؛ تزداد حالة عدم اليقين بشأن أسواق النفط وأسعار النفط، مع إدارة أمريكية جديدة تسعى إلى تعزيز الهيمنة الأمريكية عبر فرض رسوم جمركية على أكبر الشركاء التجاريين، مما قد يؤثر على الاقتصادين الأمريكي والصيني. وفي حال تباطأ هذان الاقتصادان، سيتباطأ الطلب على النفط أيضًا، مما سيؤدي إلى انخفاض أسعار النفط. وبالتالي، ستتأثر إيرادات السعودية من النفط.
وأشار استطلاع شهري أجرته "رويترز" يوم الاثنين إلى أن زيادة إنتاج مجموعة "أوبك+" وتوقعات ضعف نمو الطلب بسبب سياسات الرسوم الجمركية الأمريكية والركود الاقتصادي المحتمل ستحد من زيادات أسعار النفط هذا العام.
ختامًا، قالت الصحيفة إنه في ظل أسعار النفط التي تتراوح حول 70 دولارًا للبرميل، تتمثل الحلول قصيرة المدى للسعودية في زيادة الاقتراض لتمويل المشاريع الكبرى أو تأجيل بعض هذه الاستثمارات.
للاطلاع إلى النص الأصلي (هنا)