مدير الشبكة السورية يكشف لـ عربي21 كيفية محاكمة الأسد وتحقيق العدالة الانتقالية (شاهد)
تاريخ النشر: 30th, January 2025 GMT
يعد ملف العدالة الانتقالية من أهم القضايا البارزة في المشهد السوري بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، المسؤول عن ارتكاب 90 بالمئة من الانتهاكات بحق السوريين منذ اندلاع الثورة عام 2011، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
ويتصدر الحديث عن المحاسبة والعدالة الانتقالية الأوساط السورية بوصفه ضرورة لتحقيق الإنصاف للضحايا وضمان استقرار مستدام في البلاد، في حين لا يزال غياب الدور الفعال للسلطة في دمشق في دفع مسار المحاسبة محط انتقادات العديد من أهالي الضحايا والمغيبين قسريا.
والأربعاء، تطرق الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في مؤتمر انتصار الثورة السورية بالعاصمة دمشق إلى أولويات البلاد في المرحلة المقبلة بعد سقوط النظام، موضحا أن الحفاظ على السلم الأهلي من خلال السعي إلى تحقيق العدالة الانتقالية ومنع مظاهر الانتقام.
ويعتبر مسار العدالة الانتقالية من أهم التحديات أمام السوريين بسبب الكم الهائل من الانتهاكات التي جرى ارتكبها النظام المخلوع بحق الشعب السوري خلال الـ14 عاما الماضية.
وشدد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، على ضرورة مسار العدالة الانتقالية في سوريا لتحقيق العدالة للضحايا وضمان عدم تكرار الانتهاكات التي وقعت بحق السوريين خلال عهد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
Bu gönderiyi Instagram'da gör Arabi21 - عربي21 (@arabi21news)'in paylaştığı bir gönderi
وأوضح عبد الغني في لقاء خاص مع "عربي21"، أن العدالة الانتقالية تستند إلى أربعة أركان رئيسية: المحاسبة، لجان الحقيقة والمصالحة، التعويضات، وإصلاح المؤسسات.
وأشار عبد الغني إلى أهمية تشكيل هيئة مستقلة تقود مسار العدالة الانتقالية، تتألف من خبراء في القانون الدولي ومنظمات حقوقية وروابط الضحايا، مع ضمان عدم خضوعها لسيطرة الحكومة، رغم أن الدولة يجب أن تلعب دورا في رعاية العملية.
وتحدث مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن تفاصيل أركان العدالة الانتقالية الأربعة والخطوات الواجب اتخاذها خلال المرحلة المقبلة من أجل تحقيق العدالة للضحايا..
وتاليا اللقاء الكامل الذي أجرته "عربي21" مع مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان للوقوف على مسار تحقيق العدالة في سوريا:
ما هي "العدالة الانتقالية" وما أهمية هذا المسار في المجتمعات التي تخرج من نزاعات عنيفة دارت على مدى سنوات؟
مفهوم العدالة الانتقالية يتمثل في تحقيق العدل في مرحلة انتقالية، كما يشير الاسم. وفي هذه المرحلة ينعكس النزاع عبر ظهور طرفين اثنين، الطرف الأول هو مرتكب النزاعات. وهذا الطرف يهمه تجاوز هذه المرحلة انطلاقا من حجة انتهاء النزاع وضرورة المضي قدما. هذا الطرف يكون غالبا محسوبا على مرتكبي الانتهاكات.
أما الطرف الثاني وهو الجانب الآخر الذي يمثل الضحايا الذين وقعت عليهم الانتهاكات، ويرفض المضي قدما دون تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
وانطلاقا من هذه الجزئية، يندلع النزاع بين الجانبين. وهذه هي فلسفة مفهوم العدالة الانتقالية.
من أجل ضبط هذا النزاع، فهناك أربعة أركان أساسية لتحقيق العدالة الانتقالية، الركن الأول هو المحاسبة، والثاني هو تشكيل لجان حقيقة ومصالحة، أما الركن الثالث فهو تقديم التعويضات، والركن الأخير إصلاح المؤسسات.
وفي الحالة السورية، نحتاج إلى تفعيل هذه الأركان الأربعة بشكل متواز بسبب كم الانتهاكات الهائلة التي جرى ارتكابها في سوريا.
من المكلف في إدارة هذا المسار؟
يجب أن تقود العدالة الانتقالية هيئة يتم تشكيلها عبر مشاورات ونقاشات مجتمعية، وتتكون من عدد من الخبراء بالقانون الدولي وملف العدالة الانتقالية ومنظمات حقوقية من المجتمع المدني وخبراء توثق الانتهاكات، بالإضافة إلى روابط الضحايا. وذلك بالاشتراك والتنسيق مع الحكومة.
ومن الضروري التأكيد على أن هذه الهيئة لا يجب أن يتم تشكيلها من قبل الحكومة وإلا ستكون جهة محسوبة على الحكومة، وإنما يتم تشكيلها من هذا المسار الذي من الممكن أن تقوم الحكومة بالإشراف عليه ورعايته.
الدولة تقود مسار العدالة الانتقالية عبر مؤسساتها، ولكن الهيئة يجب أن تكون على درجة من الاستقلالية لأن مسارها يتضمن محاسبة مرتكبي الانتهاكات. ومسار المحاسبة هو مسار قضائي يمر عبر المحاكم سواء الوطنية أو غيرها. يمكن القول إن هذه الهيئة تلعب دور قريب من دور الادعاء العام.
لماذا يجب ضمان استقلالية الهيئة عن الحكومة؟
المقصد هنا هو التأكيد على استقلالية الهيئة التي تقود المسار القضائي عن الحكومة، لأنها تسعى إلى محاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات في سوريا. صحيح أن النظام ارتكب 90 بالمئة من الانتهاكات، إلا أن هناك جهات أخرى ارتكبت انتهاكات ولو بنسبة أقل، ويجب محاكمة الجميع.
بالطبع سيتم محاسبة النظام من خلال التركيز عليه بشكل كبير لأنه مرتكب القدر الأكبر من الانتهاكات بحسب بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لكن سيتم في الوقت نفسه محاسبة باقي مرتكبي الانتهاكات.
المحاسبة يجب أن تكون ضد جميع مرتكبي الانتهاكات، لكن من غير المعقول أن تكون محاسبة النظام الذي ارتكب 90 بالمئة من الانتهاكات مثل طرف آخر ارتكب أقل، مثل القوات الكردية التي ارتكبت 3 بالمئة من الانتهاكات، أو المعارضة التي ارتكبت بدورها تقريبا 3 بالمئة، بالإضافة إلى هيئة تحرير الشام حيث ارتكبت بما يعادل واحد بالمئة.
هلا فسرت لنا بالتفصيل أركان مسار العدالة الانتقالية؟
الركن الأول هو المحاسبة، محاسبة المتورطين بارتكاب الانتهاكات هي تنقسم إلى قسمين شق جنائي وشق غير جنائي. الشق الجنائي يستهدف الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، حيث يتم إحالتهم إلى المحاكمات.
ويستهدف هذا الشق بشكل أساسي الصفوف العليا من مرتكبي الانتهاكات مثل الصف الأول والثاني بسبب وجود أعداد هائلة من مرتكبي الانتهاكات في سوريا. وبحسب بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فلدينا معلومات عن 16 ألفا و200 شخص ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من النظام.
بالتالي، نحن لا نستطيع أن نحاسب 16 ألفا و200 شخص بسبب العدد الضخم لمرتكبي الانتهاكات. وهذا الأمر يدفعنا إلى وضع معايير للمضي قدما في المحاسبة، والمعيار الأساسي يكون متمثلا بمحاسبة الصفوف العليا مثل قادة الجيش والفروع الأمنية والصفوف السياسية، ولا يستثني ذلك محاسبة المتورطين بجرائم اقتصادية عبر تمويل النظام بمبالغ ضخمة.
وبسبب ما أوردته من عدد ضخم من مرتكبي الانتهاكات، فعلينا في شق المحاسبة الجنائية استهداف المسؤول الأكبر عن الانتهاكات وهي الصفوف العليا من النظام الذي ارتكب 90 بالمئة من الانتهاكات في سوريا.
أما بالنسبة للمحاسبة غير الجنائية، فهذه تستهدف الصفوف الدنيا من مرتكبي الانتهاكات مثل الصف الثالث والرابع والخامس ما إلى ذلك. وهذه الفئة يتم استدعاؤها من قبل لجان الحقيقة والمصالحة من أجل تقديم الاعتراف والاعتذار ودفع التعويضات للضحايا.
كل ما تحدثنا عليه هو متمثل بالمسارات الأربعة التي يجب أن تعمل مع بعضها بشكل متواز، لأن مسار المحاسبة في سوريا مشاق ومعقد ومتداخل بسبب نتيجة الكم الهائل من الانتهاكات.
وهل من الممكن تحقيق العدالة من خلال المحاكم المحلية فقط أم إن هناك إمكانية لإشراك المجتمع الدولي في دعم عملية؟
بالنسبة للمحاكم، هناك أيضا أكثر من مسار، المسار الأول يتمثل في المحكمة الجنائية الدولية التي تعمل في الدول المصادقة على ميثاقها من أجل التحقيق بالجرائم المرتكبة على أراضي هذه الدولة. وفي حال لم تكن الدولة مصادقة على الميثاق فمن الممكن أن يكون هناك إجبار من مجلس الأمن يحيل الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية.
نظام الأسد سواء الأب أو الابن لم يصادق على ميثاق المحكمة وكذلك مجلس الأمن رفض الإحالة بسبب الفيتو الروسي بداية عام 2014، ما حال دون عمل المحكمة الجنائية الدولية في سوريا.
لكن من الممكن العمل بأثر رجعي من خلال الاستثناء الموجود في ميثاق المحكمة، والذي يسمح للدول غير الأطراف مثل سوريا بقبول اختصاص المحكمة بشأن جرائم محددة ارتكبت في سوريا.
ونوصي نحن في الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن تعطي الحكومة هذا الاستثناء للمحكمة الجنائية الدولية، وهذه فرصة تاريخية للحكومة للتأكيد على التزامها الممثل بشكل كبير بالمحكمة الجنائية، وإرسال رسالة للضحايا ومرتكبي الانتهاكات.
ولا تحاكم الجنائية الدولية عددا كبيرا من مرتكبي الانتهاكات، حيث تحاكم ما يقرب من 5 إلى 6 أشخاص بالحد الأعلى بالإضافة إلى القيادات الكبرى المسؤولة عن ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في سوريا.
ماذا عن مسار المحاكم الوطنية؟
هذا المسار يحتاج إلى عمل كبير لأنه يتطلب في المقام الأول وجود إصلاح قضائي يشمل استقلالية القضاء وإصلاح القوانين وتضمينها بالقوانين المعنية بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وهذا يحتاج جهد وتدريب للمحامين والقضاة لأننا لا نملك خبرة بالتعامل مع مجال جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية.
ولا بديل عن هذا المسار لأن المحاكم الوطنية هي التي ستحاسب الكم الأكبر من مرتكبي الانتهاكات في سوريا.
حدثتنا عن لجان الحقيقة والمصالحة.. ما مهام هذه اللجان؟
هذه اللجان تأتي تحت مظلة هيئة العدالة الانتقالية، وتكون مسؤولة عن استدعاء عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من المتورطين بارتكاب انتهاكات مثل دعم اقتصادي وسياسي أو انخراطهم في أجهزة النظام مثل المستشفيات العسكرية والمؤسسات الدينية والفنانين والممثلين والمثقفين الذين دعموا النظام وبرروا جرائمه.
كثير من الجهات تدخل ضمن إطار لجان الحقيقة والمصالحة، بعيدا عن الـ16 ألفا الذين تحدثنا أنهم ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا.
تطلب اللجان من هؤلاء الاعتراف بما قاموا به بعد مواجهتهم مع الضحايا وتقديم الاعتذار العلني عن انتهاكاتهم. ومن الممكن أن تفرض اللجان على هؤلاء أن ينخرطوا بمبادرات أهلية واجتماعية مع الضحايا بشكل أساسي. وهذا المسار يستهدف مرتكبي الانتهاكات وداعمي النظام بالعزل السياسي أيضا.
بعد تحقيق هذه المسارات، ما الذي يتبقى؟
النقطة التالية في هذا المسار هو إصلاح المؤسسات. ونقصد من إصلاح المؤسسات هو إعادة العمل على هيكلة المؤسسات المتورطة بالانتهاكات مثل الجيش والأمن والسلطة القضاء بشكل أساسي.
يأتي بعد ذلك التعويضات التي يجب أن تقدم للضحايا وذويهم. وهذا أمر صعب في سوريا بسبب وجود ملايين الضحايا سيما أن على الدولة أن تقود هذا المسار بشكل أسياسي والدولة الآن منهكة اقتصاديا بشكل كبير، الأمر الذي من شأنه أن يحجب التعويضات عن قسم كبير من الضحايا، لكن هذا هو الواقع الأليم الناجم عن حجم الانتهاكات الهائلة التي ارتكبها الأسد.
النقطة الأخيرة في هذا المسار هو تخليد ذكرى للأشخاص الذين كانوا مؤثرين وفاعلين وقدموا تضحيات هائلة في سبيل تحرير سوريا. ويجب هنا أن تقوم اللجان باختيار هؤلاء الأشخاص وفق محددات معينة تراعي التنوع المناطقي والديني والعرقي، بالإضافة إلى ضرورة التركيز على دور النساء اللواتي ساهمن في تحقيق هذا الانتصار.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية مقابلات العدالة الانتقالية دمشق الشرع سوريا سوريا دمشق العدالة الانتقالية الشرع المزيد في سياسة مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات مقابلات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الشبکة السوریة لحقوق الإنسان مسار العدالة الانتقالیة الانتهاکات فی سوریا وجرائم ضد الإنسانیة المحکمة الجنائیة الجنائیة الدولیة إصلاح المؤسسات تحقیق العدالة بالإضافة إلى هذا المسار من الممکن من خلال یجب أن من أجل
إقرأ أيضاً:
خمسون عامًا من الانقلابات والتدخلات.. قراءة في تاريخ سوريا السياسي
الكتاب: خمسون خريفًا على سوريا... بين حركات عسكرية وتدخلات دولية (1949 - 1999)الكاتب: محمد عبد الرحمن عريف
الناشر: دار نشر: مرايا- الإمارات، 2025م.
عاشت المنطقة العربية بين خمسينيات وستينيات القرن الماضي قدر من التفاعلات الداخلية التي لا يمكن إغفالها عن وقائع الأحداث التاريخية التي عرفتها، وهي تتوافق في البلدان النامية كافة مع انتشار الحركات القومية ومساعي أتباع الملكية للبقاء في السلطة، مقابل إصرار التيارات الحزبية اليسارية واليمينية على حد سواء، في الاستيلاء على سدة الحكم والإمساك بها عبر شتى السبل، بما في ذلك اللجوء إلى الكفاح المسلح الذي كان استثناء في المنطقة، مقابل القاعدة العامة وهي الاستعانة بوحدات الجيوش النظامية الحديثة وقادتها لبلوغ طموحاتها في الحكم.
غلب الطابع العسكري على غالبية الحركات التي شهدتها المنطقة، بل يمكن القول إن الانقلابات السياسية أيضًا كانت غالبًا ما تفرز حكمًا يكتسب شرعيته من رجال الجيش الذين عادة ما ينضمون إلى النظام الجديد فيحتلون مراتب وزارية كما فعل حافظ الأسد حين تولى حقيبة وزارة الدفاع إثر الإطاحة بأمين الحافظ عام 1966م، فبدّل بزّته العسكرية بأخرى مدنية حتى أصبح رئيسًا للدولة إثر احتدام الصراعات على السلطة بين البعثيين أنفسهم. وهذا هو حال أحمد حسن البكر وصدام حسين الذي أجبره لاحقًا على الاستقالة، كذلك حال البقية الباقية من الانقلابيين العرب وصولًا إلى آخر انقلاب عرفه العرب مع نهاية القرن العشرين.
شهدت معظم الدول العربية الحديثة مجموعة متغيّرات مأساوية لأنظمة الحكم فيها خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية عند وقوع أول انقلاب في العالم العربي بسورية عام 1949 م من رئيس الأركان آنذاك حسني الزعيم، فما لبث أن تبعه الجيش العراقي فأنهى حكم الهاشميين في انقلاب قاده عبد الكريم قاسم عام 1958، لتتوالى الانقلابات التي وُصف بعضها بالأبيض والآخر بالأسود والدموي، ولكن الثابت فيها أن الجيش كان في الغالب محور التغير.
لم تشهد سوريا أول انقلاب في العالم العربي فحسب بل سجّلت الرقم القياسي من حيث عدد الانقلابات، وصل عددها تسع انقلابات منذ عام 1949 م، شكلت تلك الانقلابات العسكرية والمدنية بمجموعها منعطفات تاريخية هامة في الحياة السياسية لبلدان المنطقة، خصوصًا وأن بعضًا من ورثة رموزها ما زال يحكم حتى اليوم، بالرغم من التعقيدات السياسية الداخلية والخارجية التي تميّز هذا العصر.أشار عريف في دراسته إلى أن أغلب مشاهد الانقلابات التي تكررت في بلدان العالم، قد شهدت ظاهرة اتهام دول عربية وإقليمية أخرى في الإعداد لها أو التآمر مع الانقلابيين أو ضدهم حسب التحالفات الإقليمية المطلوبة، هذا ما شوهد في أدوار لعبتها مصر والسعودية والعراق في بعض منها، فيدفعنا ذلك لاعتبار المشهد الإقليمي في بعض الانقلابات من العناوين الرئيسية للانقلابات، فعلى المستوى السوري ورد في الوثائق المتعلقة بانقلاب سامي الحنّاوي في سوريا عام 1949، المتمثل في علاقة العراق بالانقلابيين، وارتباطه بفكرة الكونفدرالية التي كان ينادي بها الهاشميون في بغداد، وما إلى هنالك من مخاوف وأطماع توسعية إقليمية مشابهة وقفت وراء الكثير مما عرفته المنطقة من انقلابات.
لم تشهد سوريا أول انقلاب في العالم العربي فحسب بل سجّلت الرقم القياسي من حيث عدد الانقلابات، وصل عددها تسع انقلابات منذ عام 1949 م، شكلت تلك الانقلابات العسكرية والمدنية بمجموعها منعطفات تاريخية هامة في الحياة السياسية لبلدان المنطقة، خصوصًا وأن بعضًا من ورثة رموزها ما زال يحكم حتى اليوم، بالرغم من التعقيدات السياسية الداخلية والخارجية التي تميّز هذا العصر.
يضيف الكاتب: "جاءت الانقلابات العسكرية والسياسية بأشكال وأعذار مختلفة. وتحوّل الانقلابيون فيها إلى زعماء أقاموا هيئات ومجالس عينوا أنفسهم قادة عليها وعملوا من خلالها على تحويل مجريات الأحداث السياسية في البلاد، بعد أن منحوا أنفسهم الحق المطلق في امتلاك الرأي السديد في توجيه البلاد وتحديد مستقبلها".
الحقيقة التي يقرها الكاتب هنا أن الحركات العسكرية ليست حدثًا عفويًا أو ردود أفعال وقتية، بل هي مخططات مرسومة من إجهاض إيمان الشعوب في أن خلاصهم السياسي في استكمال مسيرتهم نحو سقف لا محدود من الديمقراطية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، من خلال فرض وصاية غير شرعية بنكهة عسكرية على الإرادة الشعبية. فـ(البرجماتية العسكرية) هي التي تبرر هذا الوثوب اللا أخلاقي على إرادة الشعوب، ومصادرة اختياراتها، وهي شارع طويل المدى، شاحح الملامح، صامت المعاني، أصم المنافذ لا مداخل فيه ولا مخارج، ولا مجال فيه للبحث والتفكير والالتفات، لكن دائمًا وأبدًا تنظر للأمام حتى لو على حساب سحق الشعوب، وقتل اختياراتها.
تحدث الكاتب عن الانقلابات العربية بقوله: "قد يكون خطط البعض كي تبقى المنطقة ساحة تناحر وتطاحن، لإقامة توازنات إقليمية جديدة في حينها، حدث تغير لمعالم المنطقة من جديد بعد 1948، مع تواجد الكيان الإسرائيلي، وهنا خطط البعض لوأد أي تغيير عن طريق أزمات اقتصادية، وتطاحن (إثني وقبائلي وطائفي)، وصناعة (الصراع المذهبي) في بعض دول المنطقة، وقد يكون بالتدخل المباشر أو عن طريق مندوبين، على أن يتم تتويج ذلك بسيناريوهات الحركات العسكرية".
عندما عانى حافظ الأسد من مشاكل قلبية في عام 1983م، قام بتشكيل لجنة من ستة أعضاء لإدارة البلاد، ولم يكن اسم شقيقه رفعت الأسد مدرجًا على القائمة، في حين أن يتألف من أنصار حافظ الأسد المقربين من المسلمين السنة، بدأ عدد الضباط ذوي الرتب العالية بالالتفاف حول رفعت الأسد، حاولت قوات رفعت الأسد فرض السيطرة على دمشق، بمحاولة واضحة لخلافة شقيقه حافظ، كانت التوترات بين القوات الموالية لرفعت الأسد والقوات الموالية لحافظ الأسد شديدة، ولكن بحلول شهر سبتمبر/أيلول عام 1984 كان حافظ الأسد قد تعافى وتولى السلطة، عندها احتشد معظم الضباط حوله، وأصبح رفعت الأسد نائباً للرئيس بالإضافة إلى المسؤولية عن الشؤون الأمنية، فيما بعد أُرسل رفعت الأسد إلى الخارج في زيارة عمل مفتوحة حيث تم تطهير الجيش السوري وحزب البعث من مؤيدي رفعت الأسد الذين لم يثبتوا ولائهم لحافظ الأسد، فيما بعد بقي رفعت الأسد في المنفى ما بين فرنسا وإسبانيا، وبقي محتفظاً بلقب نائب الرئيس حتى عام 1998، عندما تم تجريده من اللقب.
بدأ الترويج لوارثة بشار الأسد السلطة، بتسليمه ملفات مهمة، مثل ملف لبنان، وتدخله في العديد من القضايا الداخلية، بالرغم من أنه لم يكن يشغل أي موقع وظيفي رسمي في الدولة، وهذا ينطبق على طبيعة الأنظمة الملكية، وليس الجمهورية الدستورية. يقول الكاتب:" كانت غاية تدخله في بعض الملفات الداخلية هي إظهاره كرجل تغيير وإصلاح، طالما انتظره السوريون كي يكون أملًا لهم، وأطلقوا تعبير: “باسل المَثَلْ وبشار الأمَلْ”. وشمل بشار باهتمامه قضايا الإدارة والاقتصاد، ووجد من قدّم له فكرة “الإدارة بالأهداف”، وهي أحد مناهج الإدارة التي تهدف إلى تحسين أداء الشركة، عبر وضع استراتيجية عامة لفترة زمنية محددة"، في عام 1999، فاز الأسد بأغلبية ساحقة في الاستفتاء الذي جرى على تجديد ولايته الدستورية الرئاسية لسبع سنوات، وهو ذات العام 1999، الذي جرت حملة اعتقالات واسعة النطاق على يد قوات الأمن السورية لأنصار وأقارب رفعت الأسد. ومن ثم أغلقت العديد من مصالح رفعت الأسد.
من واقع طرح الكاتب لفصول هذه الدراسة هناك ثقافة متجذرة في المنطقة العربية هي ثقافة الحركات العسكرية، التي لها أعوان وأنصار وأولياء وخدم وعبيد لا يرون عزهم إلا في ركاب العسكر، ولا يتحقق سلطانهم وولايتهم إلا بفوهة البنادق ومن على ظهور الدبابات، ومن العراق شرقًا إلى موريتانيا غربًا، ومن سوريا شمالًا إلى اليمن والصومال وجزر القمر جنوبًا، كانت الحركات العسكرية حاضرة بقوة في المشهد السياسي، وكانت لها كلمة الفصل في وأد تجارب الديمقراطية الوليدة في منطقة أريد لها دائمًا أن تظل أسيرة النظم السلطوية الشمولية، ومن وسط زخم كبير لتجارب الحركات العسكرية ركز الكاتب على سوريا، فكان لكل انقلاب عسكري فيها مذاق مختلف عن الآخر.
العريف ربط الحركات العسكرية في بعض الدول بالقضية الفلسطينية، وهذا ما وضع النهضة في طريق مسدود في بعض الأحيان؛ فإما الارتماء في حضن الدكتاتورية العسكرية، أو في حضن القومية السياسية. وهذا ما خلق التناقض بين القومية نفسها، بعد أن قامت النهضة على التفاعل بين هذين المفهومين طوال القرن التاسع عشر. حيث تقدم الكواكبي في بلاد الشام بصيغة الديمقراطية الدستورية، وإقامة الخلافة العربية على هذه القاعدة الديمقراطية، وفصل الدين عن السياسة، وإن أطبقت نظم الدكتاتوريات العسكرية “التقدمية” على العالم العربي.
تناول الكاتب في هذه الدراسة تاريخ سوريا بعد هزيمة حرب 1948، لتبدأ مرحلة داخلية صعبة في النظام السوري تمثلت بسلسلة حركات عسكرية بدأت بانقلاب حسني الزعيم، ثم انقلاب سامي الحناوي، وانقلاب الشيشكلي الأول بعد التحضير للاندماج مع المملكة العراقية ضمن مشروع وحدة الهلال الخصيب، أما انقلاب الشيشكلي الثاني عام 1951 أدى إلى تسلّمه السلطة منفردًا حتى خلع بنتيجة احتجاجات 1953، تليها فترة ربيع الديمقراطية 1954-1958م، التي تميزت بسوء العلاقات مع تركيا، وتصاعد النفوذ الناصري الذي وصل ذروته بإعلان الجمهورية العربية المتحدة مع مصر عام 1958 بضغط من ضباط الجيش، وهو نفسه وبنتيجة «أخطاء الوحدة» أعلن فك الارتباط معها بانقلاب عام 1961م.
كذلك عرض الكاتب الجمهورية الثانية، بداية بانقلاب 1963، عندما قامت فرق بعثية في الجيش بالانقلاب على الحكم في 8 مارس، وهو ما أدى إلى إلغاء الدستور، وحل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ونفي غالب الطبقة السياسية إلى خارج البلاد، وتميزت السنوات اللاحقة بالصراع داخل أجنحة البعث المختلفة، ما أدى إلى انقلابين آخرين الأول هو انقلاب 1966م، الثاني هو الحركة التصحيحية عام 1970م التغييرية في الجمهورية العربية السورية، والخطة المحبوكة التي أوصلت وزير الدفاع حافظ الأسد إلى السلطة، وتخلل الانقلابين خسارة الجولان خلال حرب 1967، بينما أفضت حرب 1973 إلى استعادة أجزاءٍ منه أهمها القنيطرة. من ثم كرس دستور عام 1973م، نظام الحزب الواحد باعتبار البعث "قائدًا للدولة والمجتمع".
عانت سوريا من أزمة اقتصادية وكساد في الأسواق بين عامي 1985 - 1990. ومن ثم شاركت عام 1991م في مؤتمر مدريد الذي قبلت به بالسلام مع إسرائيل مقابل إعادة الجولان، إلا أنها لم تستكمل مفاوضاتها، كذلك أخذت تتجه تدريجيًا نحو التخلّي عن المبادئ الاشتراكية باتجاه السوق المفتوحة، وإن لم تطرأ تغييرات تذكر على نظام الحزب الواحد.
تناول الكاتب في هذه الدراسة تاريخ سوريا بعد هزيمة حرب 1948، لتبدأ مرحلة داخلية صعبة في النظام السوري تمثلت بسلسلة حركات عسكرية بدأت بانقلاب حسني الزعيم، ثم انقلاب سامي الحناوي، وانقلاب الشيشكلي الأول بعد التحضير للاندماج مع المملكة العراقية ضمن مشروع وحدة الهلال الخصيبانتهجت الكثير من الدول العربية خطى مصر بعد عام 1952، مع تقديم الدعم والتأييد إلى تلك الحركات راغبة في نشر فكرها الاشتراكي وتكوين وحدة عربية قومية تستطيع أن تقوم دورًا هامًا في السياسة الدولية؛ إلا أن فتح ذلك الباب لتلك الحركات لم يغلق أبدًا، وتحول الأمر من رغبة في تقديم نموذجًا موحدًا إلى الرغبة في السلطة والاستئثار بها دون الآخرين، فأصبح الحكام العرب يتفردون بالسلطة ويقتلون الحياة السياسية وينتهكون حقوق الإنسان من أجل مصالحهم الشخصية، كما أن أحوال تلك الدول لم تتحسن أبدًا فيتذيَّل اقتصادها اقتصاد العالم، وأصبحت تابعة لسياسات الدول الكبرى التي تقدم لها الدعم الاقتصادي وانهكت ثرواتها، فالكل أدعي أنها ثورات من أجل الشعوب إلا أن الشعوب وحدها من دفعت ومازالت تدفع ثمن الحركات.
نعم هي الحركات العسكرية، أحد أفرع فلسفة (البرجماتية العسكرية) التي تحكم فكر معظم القيادات العسكرية المسيطرة على جيوش العالم الثالث عامة وجيوش محيطنا الإقليمي خاصة. فالانقلاب هو عملية عسكرية بحتة يقوم بها بعض المغامرين العسكريين في جيش تقليدي محترف، من أجل التدخل في مسار العملية السياسية، والتحكم في مقاليد السلطة لمصالحهم الخاصة أو مصالح قوى معينة، سواء داخلية أو خارجية؛ من أجل تأمين وضعية سياسية تجهض محاولات الخروج عن الخطوط المرسومة والنطاقات المحجوزة إقليميًا ودوليًا لهذا البلد، وتعيده مرة أخرى للسير على الدرب القديم والأطر المرسومة سلفًا، أو بعبارة أخرى العودة بالدولة لسياسات النخبة الموروثة.
ختم عريف دراسته بحقيقة راسخة لدى الجميع بأن الولايات المتحدة الأمريكية مدفوعة بقناعتها بضرورة تدعيم نفوذها وحماية مصالحها البترولية في المنطقة فضلاً عن ضمان آمن ووجود "إسرائيل" أيدت تشكيل حلف بغداد عام 1955م، قد ضغطت على سوريا لحملها على الاشتراك فيه، مما أدى إلى تعكر العلاقات (السورية-الأمريكية)، وقد تفاقمت تلك العلاقات أكثر مع توقيع سوريا على صفقة الأسلحة مع الاتحاد السوفيتي الأمر الذي انطوى عليه تطور خطير –من وجهة نظر المسؤولين الأمريكيين –ومن ثم دفعهم ذلك إلى البحث عن السبل الناجعة بهدف منع سوريا من التوجه أكثر نحو الكتلة الشرقية، فالولايات المتحدة أيدت وساهمت بالاشتراك مع بريطانيا في بعض المحاولات الانقلابية التي لم يكتب لها النجاح، وتزامن ذلك مع فشل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وانحسار نفوذ بريطانيا وفرنسا، وعلى الرغم من علاقات التحالف الأمريكية – البريطانية التي تجسدت بعملية (ستراغل)، إلا أن تلك العلاقات كانت تتضمن بعداً تنافسياً تفاوتت حدته خلال تلك المرحلة، ومن ثم أدى إلى فشل تلك المحاولات.
مع زيادة الهموم العربية في أوقات المحن الكبرى والأزمات الضاغطة، كان لا بد أن يتجه تفكير الإنسان العربي إلى مصادر همومه ليدرك أن هناك فجوة حضارية -ليست بالمعنى الإيجابي- ولكنها بالقراءة الثقافية البحتة، فنحن العرب لا ندرك الدلالات الحقيقية للفوارق الثقافية التي تنعكس على أنماط السلوك وطرائق التفكير وأساليب التعامل مع المشكلات، فالغربي بحكم احتكاكه الأكثر بالتقدم الصناعي وحضارة عصر النهضة ثم الثورة الإلكترونية يكاد يكون أكثر استعدادًا بالضرورة للتعامل مع ما يحيط به والدخول في إطار المشكلات دون عواطف جياشة أو مشاعر متأججة بعكس الشرقي العربي الإفريقي المسلم أو المسيحي الذى يتعامل مع الأمور كما يراها وليس كما يتخيلها، فالخيال يعطى بعدًا طويلًا للقرارات، ويسمح لأصحاب الإرادة بممارسة قوة الخيال التي تسمح باستشراف المستقبل وقراءة الواقع بطريقة سليمة.
أوصى الكاتب بنهاية دراسته"خمسون خريفًا على سوريا" بضرورة إعادة النظر في ثنائية (المدني والعسكري) فهما ليس بالضرورة متناقضان بل ما يجمعهما أكثر بكثير من الاختلاف بينهما، والفروق لا تظهر إلا في ظل تدهور المؤسسية في المجتمع.
القارئ لفصول الكتاب يلاحظ أن كاتبها حاول عمل سرد بأسلوب مشوق بلغة الحوار ودقة المعاني والقدرة على التصوير الإيحائي المفعل لعقل المتلقي ليتفاعل مع الصورة والحدث تفاعلًا إيجابيًا، ومن هنا يتسم الجهد بدرجة عالية من الوعي والإخلاص والتفاني العلمي.