حتى أربع سنوات مضت لم أكن أتخيل أن أعاود الكتابة عن دونالد ترامب الرئيس الأمريكى الذى رحل عن السلطة آنذاك ليخلفه بايدن بعد أن كنت قد أشبعت فترة توليه الحكم كتابة عنه وعن طباعه المغايرة لطباع الرؤساء.. أى رؤساء! حمدت الله على أن ودعنا فترة تصورتها قلقة إن لم أقل مزعجة فى مسار العلاقات الدولية وفى القلب منها الشرق الأوسط.
لم يمض ترامب فى كرسيه حتى كتابة هذه السطور أكثر من عشرة أيام، كأنها سنة بل سنوات، بالضجيج الذى أحدثه، والتوتر الذى سببه عالميا بحكم أنه رئيس أقوى دولة فى النظام الدولى. الرجل لم يترك اتجاها، يمنة أو يسرة، شرقا أو غربا، فوق أو تحت، إلا وامتدت مواقفه اليه بالسلب وليس بالإيجاب. فهو يتمنى لو أصبحت كندا الدولة الكبرى الولاية الأمريكية رقم 51، ولا يتوانى عن أن يعلن استعداده لاحتلال قناة بنما، و.. و. إلى آخر قائمة المواقف "غريبة الأطوار" التى صدرت عن ترامب خلال الأيام القليلة الماضية!
فى تقديرى – وأرجو ان تراجع مقالى فى الوفد فى 17 يونيو 2019 بعنوان «فى بيتنا ترامب» – أن الرجل يدفع ببلاده وبقوة إلى الهاوية، مع إقرارى بحقك وحق الآخرين فى أن يختلفوا مع هذا الرأى. هناك ملامح جبهة دولية تتشكل من الصديق قبل العدو للوقوف فى وجه غرائب ترامب إن لم نصف مواقفه بتوصيفات أخرى! مستقبل هذا التوجه الذى يبنى عليه ترامب سياساته يتوقف على الدولة العميقة التى يقف لها هو بالمرصاد، ومحاولتها عرقلة هذه السياسات، بمعنى آخر أن الولايات المتحدة على محك الحقيقة التى تؤكد دوما أنها دولة مؤسسات! والتى يسعى الرئيس الأمريكى إلى جرها لما يمكن اعتباره «حقبة ترامبية» محضة!
فى القلب من هذه السياسة تأتى قضايا المنطقة، وعلى الأخص القضية الفلسطينية. نقول ونعيد التأكيد على أن الكثيرين أخطأوا عندما تصوروا أن ترامب يحمل بعض الخير لتلك القضية حينما دفع بوقف النار – على نحو ما أوضحنا فى مقالنا الأسبوع الماضى. نقول ونعيد القول أن ترامب لن تنقضى عجائبه، وأن حديثه عن تهجير الفلسطينيين من غزة إلى مصر والأردن ليس سوى عينة من تلك العجائب.
لو فكرت فى حديثه جيدا وتأملته بهدوء، دعك من كونك عربيا، وتخيلت أنك أمريكيا لشعرت بالخجل. هو حديث يفتقد المنطق، ويغيب عنه أبسط قواعد بروتوكولات العلاقات الدبلوماسية قبل العلاقات الإنسانية! هو كلام «ملغم» ويحمل من التزييف الكثير، وأى شخص لديه قدر من اتساق الفكر لم يكن ليطرحه، بغض النظر بالطبع عن كونه يصب فى صالح إسرائيل أم غيرها.. فهذا ليس موضوعنا فى هذه الكلمات.
إن ترامب بما قدمه هنا يضعنا ويضع المنطقة بأكملها على صفيح ساخن، وليس هناك مبالغة فى أن الأيام القادمة حبلى بالكثير من المفاجآت ليس على صعيد منطقتنا فحسب وإنما على صعيد العالم ككل بما فى ذلك علاقات أمريكا مع روسيا والصين، القوى الرئيسية المناوئة للولايات المتحدة.. واذا كان المثل العامى يقول إن هناك من الشرور ما لا بد منها، فإن ترامب ربما يكون مما لا بد منه فى عالمنا الذى نعيشه!
[email protected]
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: دونالد ترامب أقوى دولة كندا الولايات المتحدة قضايا المنطقة
إقرأ أيضاً:
ترامب والتحول في العلاقات الروسية الأمريكية بين البراغماتية والتواطؤ.. دراسة
أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ورقة علمية بعنوان: "ترامب وإشكالية التحوّل في العلاقات الروسية الأمريكية"، وهي من إعداد الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي.
تكشف هذه الدراسة أضواء جديدة مهمة حول شخصية الرئيس الأمريكي ترامب وجوانب علاقاته مع روسيا، وانعكاس ذلك على العلاقات الأمريكية الروسية.
فقد شهدت العلاقات الأمريكية الروسية مؤخراً جملة تطورات إيجابية، كالاجتماعات التي عقدت في السعودية بين مسؤولين أمريكيين وروس، وضغوط ترامب الشديدة على أوكرانيا، والميل للتعاون الاقتصادي مع روسيا. تأتي هذه الدراسة لتبحث في تلك التحوّلات في السياسة الأمريكية اتجاه روسيا، ولتضعتها ضمن ثلاث فرضيات.
وتقوم الفرضية الأولى على أساس أن سياسة ترامب تجاه روسيا هي تجسيد لنزعة محافظة تسعى لتجنب مواجهات عسكرية كبرى ومكلفة مع روسيا، ولإخضاع أوروبا لمزيد من التنازلات لصالح أمريكا، وتعزيز المصالح الأمريكية الخاصة قبل أي مصلحة دولية أخرى، وتكييف التجارة الدولية والمؤسسات الدولية لصالح أمريكا.
التوجهات الروسية تميل إلى عدم المبالغة في "التحول" الأمريكي، خصوصاً أنّ القوى المعادية لروسيا في أوساط الحزب الجمهوري وبين الديموقراطيين والدوائر الاستخبارية، تُلجم أي محاولة من ترامب للجموح في توجهاته نحو روسيا، كما أنّ فترة ترامب لا تتجاوز أربع أعوام، وهي فترة قد لا تكفي للتحول الاستراتيجي في دولة ذات بنية مؤسسية قوية كالولايات المتحدة.أما الفرضية الثانية، فتقوم على احتمالية المؤامرة أو التواطؤ، على أساس تجنيد المخابرات الروسية لترامب، أو خدمة الأجندة الروسية دون أن يكون عميلاً مباشراً. إذ أن العلاقة هي بين دولتين أولهما روسيا التي يقودها رئيس، بوتين، نشأ في جهاز أمني وعمل فيه لفترة طويلة، ما يجعله ميّالاً لتوظيف خبرته في هذا الجانب، ويقابله رئيس أمريكي تسيطر عليه نزعته المالية الصرفة إلى جانب نرجسية مفرطة تجعله هدفاً استخبارياً.
وبحسب الدراسة، فإن أصحاب هذه الفرضية يستندون إلى مسألة منطقية وهي أن توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه دول العالم كله بما فيه حلفاء بلاده لا تتسق مع توجهات إدارته مع روسيا، وإذا ما أضفنا لذلك الملاحقات القانونية التي لاحقت ترامب منذ بروزه على الساحة السياسية، وكان أبرزها ملاحقات خاصة بمزاعم عن "صلات مشبوهة مع روسيا" وأدوار روسيا في نجاحه في المرة الأولى في الانتخابات الأمريكية، فإن ذلك كلّه يجعل منها فرضية تستحق البحث.
وتقوم الفرضية الثالثة على نزوع ترامب الحادٍ لإضعاف الصين، وإن تقرُّبه من روسيا يستهدف الإضرار بالصين طبقاً لهذه الفرضية، إلا أن الباحث رأى أنّ ايجاد صدع في العلاقة الروسية الصينية يحتاج لفترة كافية أطول بكثير من السنوات الأربع التي سيحكم فيها ترامب، ما سيجعل قدرة هذه الاستراتيجية على الاستمرار موضع شك.
وخلصت الدراسة إلى أن فرضية "فكّ العلاقة الروسية الصينية" هي الأضعف بين الفرضيات الثلاث، بينما تتوازى الفرضيتان الأخريان في وجاهة ركائزهما. وأشارت أن الفرضية الأولى المتمثّلة في النزعة الوطنية واضحة المعالم في توجهات ترامب، ويشاطره قطاع مهم من المجتمع الأمريكي في العداء للعولمة، كما أن النزعة البراجماتية في العقل الأمريكي تُعزِّز هذه الفرضية. بالمقابل، فقد أشار الباحث إلى جديّة معطيات الفرضية الثانية، سواء أكانت بالمؤامرة أم بالتواطؤ، وأشار أن قوة الشواهد التي تمتلكها تجعل رفضها ليس بالأمر اليسير، خاصة وأنها تأني من مصادر مختلفة، وهي ذات معطيات يمكن أن يتم تبنيها.
واختتمت الدراسة بالإشارة إلى أن التوجهات الروسية تميل إلى عدم المبالغة في "التحول" الأمريكي، خصوصاً أنّ القوى المعادية لروسيا في أوساط الحزب الجمهوري وبين الديموقراطيين والدوائر الاستخبارية، تُلجم أي محاولة من ترامب للجموح في توجهاته نحو روسيا، كما أنّ فترة ترامب لا تتجاوز أربع أعوام، وهي فترة قد لا تكفي للتحول الاستراتيجي في دولة ذات بنية مؤسسية قوية كالولايات المتحدة.