النقوش في المتحف الإسلامي وقبة الصخرة
تاريخ النشر: 30th, January 2025 GMT
لماذا تحتاج القدس العربية إلى دراسات وأبحاث كثيرة لمختلف زوايا حضورها معماريا واجتماعيا واقتصاديا وثقافـيا؟ لماذا تبدو أهمية البحث عن تاريخ القدس بمراحلها كافة غاية فـي الأهمية؟ لا يبدو السبب صعب الإجابة، فكل فلسطيني وعربي يعرف أن القدس هي بوصلة الحرية وامتحان الاستقلال ومربط فرس النضال الفلسطيني ومركز الحساسية القومية الدينية للشعب الفلسطيني والعربي، وتعاني القدس حصارًا قديمًا جديدًا من كل النواحي، والهدف واضح وهو إجبار الناس على مغادرتها؛ ليستفرد بها اليهود، لطمس معالمها الإسلامية والمسيحية العربية، لكن الناس هناك مصممون على البقاء، رغم شح الموارد وصعوبة المعيشة، وهذا يفسر سياسية التنكيل المستمرة بالمواطن المقدسي.
بين أيدينا كتاب توثيقي مهم صدر حديثا عن المكتبة الخالدية فـي القدس (النقوش فـي المتحف الإسلامي وفـي قبة الصخرة الأموية)، ومكتبة الخالدية أول مكتبة عربية عامة فـي القدس تأسست عام 1900 فـي جوار الحرم الشريف، وحائط البراق، وهي من أوقاف العائلة الذرية ولا تتوخى الربح التجاري، الكتاب الذي أعده بحرفـية ممتازة وتنظيم مبهر، الباحث الدكتور خضر سلامة مدير المكتبة الخالدية يتناول تاريخ ومصادر وشكل النقوش، وهو موضوع غاية فـي الأهمية كما أسلفنا من زاوية تأكيد هوية القدس وماضيها الممتد والساطع بالوجود العربي الإسلامي الفلسطيني، ومن زاوية الاحتفاء بالمستوى الحضاري الرفـيع الراقي الذي وصلته صناعة النقوش فـي فلسطين. يقسّم الكاتب الكتاب إلى فصول عدة بعد مقدمة عن تاريخ المتحف الفلسطيني: النقوش الأموية، والنقوش العباسية، والنقوش الفاطمية، والنقوش الأيوبية، والنقوش المملوكية، ونقوش نحاسية وخشبية مملوكية وعثمانية، ونقوش عثمانية، وأخيرا النقوش الخشبية العثمانية فـي قبة الصخرة.
فـي مقدمته يقول الدكتور خضر سلامة موضحًا مصادر نقوش المتحف: «إن مجموعة النقوش التي فـي المتحف الإسلامي، جاءت من عدة مدن فلسطينية، وقد تكون المواقع فـي هذه المدن هي الأصل الذي كتبت له مثل القلاع والقبور والمساجد والمدارس، والخانات والأسبلة، أو من الأماكن التي تم إعادة استخدامها، فـيها كحجارة عادية فـي البناء، مثل بعض النقوش التي أحضرت من المسجد الأقصى أو قبة الصخرة، واستخدمت فـيها حجارة عادية لأجل الترخيم، أو فـي مداميك البناء فـي أماكن الحجارة العادية).
وعن انتشار الاهتمام بالنقوش فـي القدس بشكل خاص وفـي فلسطين بشكل عام، يوضح الكاتب أن دراسة النقوش كانت ضمن معرفة الشرق، وكان للاستشراق دور فـي ذلك، حيث بدأت اهتماماته بالمشرق العربي فـي القرن التاسع عشر، وقد اشتمل ذلك على دراسة ما تبقى من الحضارات السابقة، ومن مخلفاتها لأسباب مختلفة، لا مجال لذكرها فـي هذا المكان.
ويسرد الكاتب تاريخ ودور المتحف الإسلامي بالقدس: تأسس المجلس الإسلامي الأعلى من قبل الانتداب البريطاني عام 1921 وكان من أول قرارات المجلس التي تدل على مقدار كبير من الوعي والإدراك لقيمة التراث الإسلامي فـي فلسطين هو إنشاء المتحف الإسلامي ومكتبة المسجد الأقصى، كان موقع المتحف خارج باب الناظر فـي البداية ثم نقل إلى داخل الحرم الشريف سنة 1927 إلى مكانه الحالي فـي الزاوية الجنوبية الغربية للحرم الشريف. سألنا الكاتب عن موضوع هذا البحث فأجاب: تتعلق هذه الدراسة بشكل أساسي بإحدى مجموعات المتحف وهي النقوش المتناثرة فـي ثنايا المتحف الإسلامي، إضافة إلى النقش الأصلي، الذي يرجع إلى الفترة الأموية، على قبة الصخرة، والنقوش النحاسية التي ترجع لنفس الفترة وأضيف إلى هذا البحث عدة نقوش وجدت فـي مخزن قسم الآثار الإسلامية، وقد كُتب قسم من النقوش بالخط الكوفـي، والذي ُيعرف بأنه من أقدم خطوط التدوين فـي الفترات الإسلامية، سواء على الرق أو الحجارة أو المعادن).
الكاتب فـي سطور
خضر سلامة، دكتوراة فـي التاريخ العثماني، وهذا هو الكتاب الثاني فـي فترة عمله مع المتحف الإسلامي فـي المسجد الأقصى المبارك، والكتاب الأول كان عن المصاحف والمخطوطات القرآنية، فـي المتحف الإسلامي، ونُشر باللغتين العربية والإنجليزية، وللمؤلف عدد من الكتب والمقالات المختلفة عن تاريخ القدس وتاريخ الحركة الثقافـية فـي المدينة. يعيش فـي مدينة القدس.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: المتحف الإسلامی قبة الصخرة
إقرأ أيضاً:
تضافر كل الجهود لاستعادة آثار السودان المنهوبة
بقلم: تاج السر عثمان
١
أشرنا سابقاً إلى أن الحرب تقترب من نهاية عامها الثاني، مما يتطلب تضافر الجهود لوقفها واستعادة مسار الثورة، ومنع تجددها، لقد أدت الحرب لدمار غير مسبوق، ونزوح الملايين داخل وخارج البلاد ومقتل وجرح الآلاف، وإبادة جماعية وتطهير عرقي وعنف جنسي، وتدمير في البنى التحتية والمؤسسات الخدمية والتعليمية والصحية والأسواق والبنوك وفي المصانع، وفي المواقع الأثرية والثقافية والتراثية، وعطلت الإنتاج الزراعي مما يهدد حياة 25 مليون سوداني بنقص الغذاء
إضافة إلى أن من أهداف الحرب اللعينة نهب ثروات السودان وكنوزه الأثرية ومحو تاريخه و هويته الثقافية، فبعد انسحاب الدعم السريع من الخرطوم،أوضحت الفيديوهات والصور لمباني المتحف القومي السوداني، الذي كان تحت سيطرة الدعم السريع، حجم الدمار الهائل الذي لحق بالمتحف، الذي كان يعد تحفة معمارية تطل على النيل الأزرق وتعرضت باحة المبنى وحديقته، التي كانت بمثابة متحف مفتوح يضم تماثيل ضخمة ومعابد ومدافن، للتلف والخراب، كما رصدت كاميرة بي. بي. سي.
وتم نهب اعداد كبيرة من القطع الأثرية، علما بأن تلك الآثار السودانية المنهوبة تشكل أهمية كبيرة نظرا لأنها تضم قطعا نادرة تحكي عن حقب تاريخية وإنسانية مختلفة وتشمل جماجم بشرية ذات مغزى كبير في تحديد تاريخ البشرية إضافة إلى منحوتات ومصوغات ذهبية نادرة تعكس اهتمام الإنسان السوداني الأول بالصناعة والفن منذ أمد بعيد.
مما يتطلب حصر تلك الآثار المنهوبة وحجم الدمار
وتقدير حجم الخسائر والمسروقات، وإعداد تقرير وافٍ بذلك. لمساعدة الحملة المحلية والعالمية لاستعادة آثار السودان المنهوبة.
٢
اشرنا سابقا، كان من آثار وجرائم الحرب نهب وضياع كنوز البلاد الثقافية وآثارها، مما يتطلب عدم التفريط فيها والسعي بجد لاستعادة آثارنا المنهوبة.
فقد جاء في ( قناة الحرة) نقلا عن صحيفة" التايمز البريطانية" يوم الإثنين ١٦/٩/٢٠٢٤ الي أن " قطعاً أثرية من السودان لا تقدر بثمن تعرضت للبيع على منصة “إيباي” بعد أن تم تهريبها من البلد الذي يعاني من حرب مستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
يُعتقد أن القطع، التي تتضمن تماثيل وأواني مصنوعة من الذهب والفخار، ربما تم نهبها من المتحف الوطني في الخرطوم، الذي يقع في منطقة تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
وفقًا للصحيفة، تم نهب الآلاف من الآثار، بما في ذلك قطع من تماثيل وصور قديمة، خلال أكثر من عام من الصراع الذي أودى بحياة ما يصل إلى 150 ألف شخص، مما جعل الآثار الثمينة عرضة للسرقة".
٣
أدت الحرب إلى جريمة تدمير شامل أو جزئي للمعالم التاريخية والأثرية والثقافية والتراثية، كما حدث على سبيل المثال لا الحصر في الآتي:
- القصر الرئاسي الذي تعرض لدمار كبير.
- المحاكم وما بداخلها من سجلات إرشيف مهم.
- المتحف القومي الذي تعرض للدمار الشامل والنهب لموقعه في منطقة سيطرة الدعم السريع ووسط القصف بين الجيش والدعم السريع.
- الدمار الشامل لمركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية وفقدان مكتبته القيمة التي تحتوي على وثائق وأرشيف نادر.
- خسارة متحف السودان للتاريخ الطبيعي جراء سقوط الدانات عليه، مما أدى لموت جميع الحيوانات بالمتحف حرقا. - تأثر مبنى البريد الأثري القديم في شارع الجامعة وسط العاصمة.
- تأثر ديوان النائب العام وما بداخله من إرشيف مهم.
إضافة لتاثر بعض المعالم الأثرية والثقافية مثل: متحف التراث الشعبي في الخرطوم.،وطوابي المهدية في أم درمان، وسجن أم درمان ومتحف الخليفة، وبوابة عبد القيوم في أم درمان.
في الولايات تأثرت بعض المعالم التاريخية الأثرية مثل: تدمير مبنى “جراب الفول” الأثري في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان.
كما يتعرض مبنى السلطان على دينار في الفاشر لخطر التدمير جراء وقوعه تحت خط النار.
إضافة لخطر دمار آثار مروي- كبوشية بعد دخول عناصر من الدعم السريع في مواقعها، الذي وجد استنكاراً واسعاً من “اليونسكو” وكل المنظمات المهتمة بحماية الاثار.
٤
آثار المتحف القومي تعكس فترات تاريخ السودان المختلفة الذي شهد خلال تاريخه الممتد حضارات عرفت التعدد الثقافي واللغوي والديني، ومازال هذا التنوع ماثلا في واقعنا الراهن، واثاره التي يعبر عنها المتحف القومي للآثار الذي عكس آثار حضارات :
ممالك: كرمة، نبتة، مروي- كبوشية في السودان القديم (بلاد كوش).
- ممالك النوبة المسيحية (نوباطيا، المقرة، علوة).
- الممالك الإسلامية ( الفونج، الفور، تقلي، والمسبعات) في العصور الوسطى.
- اثار السودان الحديث كما في فترات : الحكم التركي - المصري، المهدية، والحكم الانجليزي - المصري، وحتى تاريخنا المعاصر.
بالتالي من المهم العض بالنواجذ على آثارنا وكنوزنا الثقافية، وقيام أوسع حملة داخليا وخارجيا لحمايتها واستعادتها ، في وجه الحملة البربرية الجارية لمحو تاريخنا وثقافتنا وتراثنا الرطني ، وتمزيق وحدة البلاد والتفريط في السيادة الوطنية ونهب ثرواتها. ومواصلة أوسع حراك جماهيري بمختلف الأشكال لوقف الحرب واسترداد الثورة، وتأمين وتوفير مقومات عودة النازحين لقراهم ومنازلهم، وإعادة تعمير ما دمرته الحرب، و عدم الافلات من العقاب بمحاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب، وترسيخ الحكم المدني الديمقراطي. وغير ذلك من أهداف ثورة ديسمبر المجيدة. .
alsirbabo@yahoo.co.uk