تحالف دول الساحل.. قوة عسكرية موحدة وجواز سفر موحد لإعادة رسم خريطة الساحل الإفريقي
تاريخ النشر: 28th, January 2025 GMT
في تحول استراتيجي لافت في منطقة الساحل الإفريقي، أعلنت كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو تشكيل قوة عسكرية موحدة، إلى جانب إصدار جواز سفر موحد لمواطني الدول الثلاث.
هذه الخطوة تأتي ضمن إطار "كونفدرالية ليبتاكو-غورما"، التي تأسست لتعزيز التعاون الإقليمي والسياسي والاقتصادي، والحد من التدخلات الأجنبية في المنطقة.
من جانبه قال سمير رمزي، المتخصص في الشؤون الإفريقية، إن تجربة "كونفدرالية ثلاثي دول الساحل"، التي تضم بوركينا فاسو ومالي والنيجر، قد تشكل نقطة تحول في خريطة التنظيمات داخل القارة الإفريقية، مشيرًا إلى أن انسحاب الدول الثلاث من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) أربك حسابات التحالف، وخلق حالة من التباين داخل المنظمة حول كيفية التعامل مع هذا الانسحاب.
أضاف رمزي في تصريحات خاصة لـ "الفجر"، أن هناك وجود اتجاهين متباينين داخل الإيكواس، الأول يدعو إلى احتواء الخلافات والإبقاء على حد أدنى من التعاون مع الدول الثلاث، وهو ما تتبناه دول مثل تشاد وغينيا، بينما تميل دول مثل كوت ديفوار وبنين إلى استبعاد الدول الثلاث نهائيًا من المنظمة، مما قد يؤدي إلى تصاعد التوترات الداخلية داخل الإيكواس ويضعف تماسكها في المستقبل القريب.
أستكمل حديثه قائلًا:" أن تجربة تحالف ثلاثي دول الساحل قد تُشجع أطرافًا أخرى في القارة على إنشاء تنظيمات جديدة أكثر مواكبة للتغيرات السياسية والعسكرية التي تشهدها القارة الإفريقية، مشيرًا إلى أن ظروف نشأة المنظمات الإقليمية القديمة، مثل الإيكواس، تعرضت لتعديلات جوهرية، مما يجعل الحاجة ملحة لإعادة صياغة أطر التعاون الإقليمي بما يتناسب مع التحديات الراهنة".
أكد أن تحالف دول الساحل يمثل نموذجًا مختلفًا استجابة للتحديات الأمنية والسياسية، خاصة في ظل التوترات مع الغرب والجماعات المسلحة وأن التباينات داخل "إيكواس" بشأن هذا التحالف قد تضعف المنظمة على المدى الطويل، مما قد يدفع دولًا أخرى للانسحاب أو تشكيل تحالفات بديلة تلبي تطلعاتها السياسية والاقتصادية.
أشار المتخصص في الشؤون الإفريقية إلى أن تجربة تحالف ثلاثي دول الساحل تُبرز ديناميكية جديدة في القارة الإفريقية، قد تُعيد رسم خريطة التعاون الإقليمي وتفتح الباب أمام صياغة تنظيمات جديدة قادرة على مواجهة التحديات الأمنية والتنموية التي تعاني منها العديد من دول القارة.
تحالف النيجر ومالي وبوركينا فاسو.. محاولة للخروج من الهيمنة الفرنسية وسط تحديات إقليمية ودولية
وفي سياق متصل أوضح المحلل السياسي السوداني، الدكتور أحمد بابكر، أن التحالف بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو يعكس تحولات جذرية في الخارطة السياسية والأمنية بمنطقة الساحل الإفريقي، لافتًا إلى أن هذا التحالف يأتي في إطار رغبة الدول الثلاث في الانفكاك من السيطرة الفرنسية التي ظلت تهيمن على مواردها لعقود، حيث تستنزف فرنسا مخزون اليورانيوم في النيجر على سبيل المثال لتشغيل مفاعلاتها النووية، بينما تعاني النيجر من شح الكهرباء التي تغطي بالكاد 30% من حاجات سكانها، بما في ذلك العاصمة.
وأضاف بابكر في تصريحات خاصة لـ "الفجر"، أن التحولات السياسية في هذه الدول، التي شهدت انقلابات عسكرية بين 2022 و2023، تعبر عن محاولة لبناء نموذج جديد يقوم على استثمار الموارد الوطنية لصالح شعوبها، مؤكدًا أن هذه التحالفات، إذا نجحت في خلق استقرار اقتصادي وتنموي، قد تلهم دولًا إفريقية أخرى للتحرك نحو تغيير سياساتها، ما قد يؤدي إلى تشكيل تحالفات جديدة قادرة على إعادة رسم الخارطة الإقليمية للقارة.
يري بابكر أن استمرارية تحالف النيجر ومالي وبوركينا فاسو تعتمد على عوامل داخلية وخارجية. داخليًا، يجب على هذه الدول تحسين أوضاعها الاقتصادية وتلبية احتياجات مواطنيها، منوهًا إلى أن المواطنين في إفريقيا قد يفضلون تحسين الأوضاع المعيشية على حساب الديمقراطية والتعددية إذا حققت الدولة الاستقرار الاقتصادي.
أما خارجيًا، أشار إلى ضرورة أن تتبنى هذه الدول تكتيكات دبلوماسية تقلل من المواجهات المباشرة مع القوى الكبرى مثل فرنسا والاتحاد الأوروبي، لتجنب استنزاف مواردها وقوتها.
وحذّر المحلل السياسي السوداني من أن استمرار الصدامات مع الخارج قد يضعف التحالف اقتصاديًا وسياسيًا، مما يهدد بمستقبله وأن التنافس الإقليمي قد يشكل عقبة أمام نجاحه، وقد يزيد الضغوط عليه، مؤكدًا أن التحالف يمثل اختبارًا كبيرًا للنظام السياسي الإفريقي، وقد يكون نموذجًا ناجحًا إذا تجاوز تحدياته أو يتحول إلى تجربة مؤقتة بسبب الضغوط.
روسيا تعيد رسم ملامح إفريقيا: مساعٍ لتقويض الهيمنة الغربية وتعزيز استقلال القارة
كشف الدكتور محمود الأفندي، الخبير في الشئون الروسية بأن الدور الروسي في إفريقيا يشهد تحولًا استراتيجيًا، حيث تسعى موسكو إلى إعادة تشكيل النظام العالمي عبر ضرب النفوذ الغربي في القارة الإفريقية.
أضاف الأفندي في تصريحات خاصة لـ "الفجر" أن روسيا اليوم تتبنى نهجًا مختلفًا عن الاتحاد السوفيتي الذي دعم حركات التحرر الوطني في الستينيات. موسكو الحالية تعمل على تفكيك الاستعمار الاقتصادي الغربي الذي لا يزال يهيمن على ثروات القارة مثل اليورانيوم والذهب والنفط، مستهدفة تقويض مصالح فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
وأكمل أن روسيا تسعى لدور "روبن هود" في القارة الإفريقية، حيث تهدف إلى إعادة الثروات المسروقة إلى الدول الإفريقية مع تحقيق مصالحها الخاصة في ذات الوقت.
لفت إلى أن موسكو تعتمد استراتيجية طويلة الأمد تستند إلى تعزيز تحالفاتها مع دول مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو، والتي شهدت انقلابات عسكرية بدعم ضمني من روسيا، مما أسفر عن تأسيس قبضة عسكرية قوية في المنطقة.
دور الشركات العسكرية الروسية في إفريقيا
أكد الأفندي أن الشركات العسكرية الروسية، مثل "فاغنر" و"غازبروم"، تلعب دورًا مهمًا في تعزيز الوجود الروسي في إفريقيا. فقد ساعدت هذه الشركات الحكومات الإفريقية في التصدي للجماعات الإرهابية وتعزيز الاستقرار الأمني.
أشار إلى أن هذا التعاون العسكري والاقتصادي يهدف إلى خلق نموذج إفريقي جديد تحت الرعاية الروسية، يعزز الاستقلال الاقتصادي لهذه الدول وينقلها إلى مرحلة جديدة من التنمية الذاتية.
تحديات الغرب وتراجع نفوذه في إفريقيا
أوضح الأفندي أن الهيمنة الغربية في إفريقيا تواجه تحديات غير مسبوقة، في ظل تراجع فعالية "القوة الناعمة" واعتماد أوروبا والولايات المتحدة على أساليب تقليدية لم تعد مؤثرة.
نوه بـ أن الاستنزاف العسكري والاقتصادي الناجم عن الدعم الغربي لأوكرانيا أضعف قدرات الغرب، حيث أصبحت مستودعات الأسلحة في فرنسا وبريطانيا ودول الناتو شبه فارغة، في حين أن أوروبا تعاني من شح القوات العسكرية، حيث لا يتجاوز إجمالي الجنود مليون جندي.
وأضاف أن المسيرات العسكرية (الطائرات دون طيار) أحدثت توازنًا جديدًا في النزاعات المسلحة، إذ تمكنت الدول الفقيرة من استخدامها لاستنزاف الأسلحة الغربية الباهظة، مما جعل العودة العسكرية الغربية إلى إفريقيا شبه مستحيلة خلال العقدين أو الثلاثة القادمة.
إفريقيا قطب عالمي جديد؟
يرى المتخصص في الشؤون الروسية أن إفريقيا تسير نحو استقلال اقتصادي حقيقي، مع تحولها إلى أحد الأقطاب الرئيسة في النظام العالمي الجديد، مؤكدًا أن التحالفات الجديدة، مثل تحالف النيجر ومالي وبوركينا فاسو تحت الرعاية الروسية، قد تصبح نموذجًا تحتذي به بقية الدول الإفريقية للتخلص من الهيمنة الغربية وبناء اقتصادات وطنية قوية.
وختم الأفندي حديثه بالتأكيد على أن المستقبل يبدو غامضًا بالنسبة للغرب في إفريقيا، إلا إذا تمكنت أوروبا والولايات المتحدة من ابتكار أساليب جديدة للتدخل في القارة، وهو أمر يراه صعبًا في ظل الظروف الحالية.
فشل ذريع في المواجهة الإرهاب
على الصعيد الأمني يري الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، مصطفى أمين عامر، أن التحالف العسكري الذي يضم بوركينا فاسو ومالي والنيجر، والذي تأسس كرد فعل لتنامي خطر الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء، يعاني من فشل ذريع في مواجهة هذه التنظيمات الإرهابية.
أضاف عامر في تصريحات خاصة لـ "الفجر"، أن التحالف، الذي جاء نتيجة الانقلابات العسكرية في الدول الثلاث بين عامي 2022 و2023، لم يحقق الأهداف المرجوة، خاصة في التصدي لتنظيم داعش الذي شهد توسعًا كبيرًا في منطقة المثلث الحدودي بين الدول الثلاث.
وأكد أن التنظيم وسّع عملياته في تلك المناطق، مستهدفًا البلدات والمدن، بالإضافة إلى الهجمات المتكررة على معسكرات الجيش في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، مما أسفر عن أعداد كبيرة من القتلى والنازحين.
أكمل أن تنظيم داعش في منطقة الساحل يعتمد على استراتيجية متنوعة، تشمل شن هجمات مباشرة على المعسكرات، وارتكاب مجازر بحق المدنيين، لا سيما المسيحيين، من خلال حرق القرى وتهجير السكان. وأشار إلى أن التنظيم يتمتع بانتشار واسع ونفوذ متزايد بفضل تحالفاته مع مجموعات محلية، بالإضافة إلى مبايعة تنظيمات أصغر له، مثل "جماعة تحرير ماسينا".
أشار عامر أيضًا إلى الدور السلبي لانسحاب القوات الفرنسية من المنطقة، حيث أضعف ذلك بشكل كبير قدرة التحالف على مواجهة الجماعات الإرهابية، مؤكدًا أن التحالف مع روسيا وقوات فاغنر لم ينجح في تحسين الوضع الأمني، بل على العكس، شهدت المنطقة تدهورًا أمنيًا كبيرًا مع زيادة معدلات القتل والتهجير وتنوع عمليات الجماعات الإرهابية.
جزم المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، أن هذا الفشل الواضح للتحالف انعكس في تصاعد نفوذ تنظيم القاعدة أيضًا في المنطقة، حيث استفاد التنظيم من الفراغ الأمني لتوسيع عملياته، مستهدفًا المدنيين والمواقع العسكرية على حد سواء.
واختتم حديثه بالقول:" إن الأوضاع في منطقة الساحل والصحراء تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، مع تنامي نفوذ الجماعات المتطرفة، واستمرار الهجمات على المدنيين والعسكريين، مما يؤكد الحاجة إلى استراتيجية إقليمية ودولية أكثر فعالية لاحتواء هذه الأزمة".
تحالف "ليبتاكو-غورما" بين بوركينا فاسو ومالي والنيجر: فرص اقتصادية واعدة وتحديات مصيرية
أكد الدكتور إبراهيم جلال فضلون، الخبير الاقتصادي، أن تحالف "ليبتاكو-غورما"، الذي يضم بوركينا فاسو ومالي والنيجر، يمثل محاولة جادة للدول الثلاث لتجاوز أزماتها الأمنية والاقتصادية، معتمدًا على مواردها الطبيعية الهائلة وتوجهها نحو إنشاء بنية اقتصادية مستقلة بعيدًا عن الهيمنة الإقليمية.
أضاف فضلون في تصريحات خاصة لـ "الفجر"، أن هذا التحالف، الذي بدأ بمعاهدة دفاع مشترك في سبتمبر 2023 وتطوّر إلى "كونفدرالية دول الساحل" في يوليو 2024، يسعى لتحقيق الحماية الاقتصادية من التهديدات المحتملة، وتعزيز التعاون بين الدول الثلاث في مجالات متعددة.
كما بين أبرز أهدافه الانفصال عن المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "إيكواس"، والخروج من دائرة الاعتماد على الفرنك الأفريقي، العملة المشتركة بين ثماني دول غرب إفريقيا والتي تتمتع بعلاقة ثابتة مع اليورو.
وأشار فضلون إلى أن وزراء المالية في الدول الثلاث قد أوصوا بتشكيل لجنة من الخبراء لدراسة قضايا الاتحاد الاقتصادي والنقدي، مع اقتراح إنشاء عملة موحدة، وصندوق استقرار مشترك، وبنك استثماري لدعم مشاريع كبرى في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والأمن الغذائي.
فرص اقتصادية هائلة
طما أستكمل أن منطقة "ليبتاكو-غورما" الحدودية تتمتع بثروات طبيعية هائلة، تشمل الذهب، الماس، اليورانيوم، النفط، والغاز، لكنها لم تُترجم بعد إلى تنمية بشرية حقيقية بسبب عقود من الاستغلال الاستعماري الفرنسي، فمالي، على سبيل المثال، تُعد ثالث أكبر منتج للذهب في إفريقيا، كما تمتلك النيجر أكبر احتياطيات لليورانيوم في العالم، مضيفًا أن بوركينا فاسو غنية بالموارد المعدنية، مثل الزنك والنحاس والفسفاط.
وتابع فضلون أن الدول الثلاث تعتمد بشكل كبير على الزراعة، ولكنها تفتقر إلى الموانئ الساحلية، مما يجعلها بحاجة ماسة إلى ممرات تجارية استراتيجية.
وأوضح أن أكثر من 25% من واردات مالي تمر عبر ممر أبيدجان-باماكو، بينما يعتمد اقتصاد بوركينا فاسو على ممر أبيدجان-بوبو ديولاسو، حيث يمر أكثر من نصف صادراتها عبر هذا الطريق، خاصة القطن.
التحديات الاقتصادية والسياسية
وأشار فضلون إلى أن الخروج من "إيكواس" والعمل على استبدال الفرنك الأفريقي بعملة موحدة يشكل تحديًا كبيرًا. فتجربة مالي السابقة مع العملة الوطنية بين عامي 1962 و1967 فشلت وأثرت سلبًا على اقتصادها، كما أن التخلي عن الدعم المالي والاقتصادي الذي توفره "إيكواس" وفرنسا قد يؤدي إلى تدهور التصنيف الائتماني لهذه الدول وانخفاض قيمة عملتها المستقبلية.
وأكمل أن العقوبات الاقتصادية التي تفرضها "إيكواس"، بالإضافة إلى قطع المساعدات الخارجية من فرنسا والاتحاد الأوروبي، قد تجعل من الصعب تنفيذ المشاريع الطموحة للدول الثلاث، خاصة في ظل التحديات الأمنية الناتجة عن الجماعات المسلحة في المنطقة.
استراتيجيات للتغلب على العقبات
على الرغم من هذه التحديات، يرى فضلون أن الدول الثلاث تمتلك الموارد والوسائل لمواجهة هذه الأزمات، بفضل ثرواتها الزراعية والحيوانية، إلى جانب توقيعها اتفاقيات تعاون مع روسيا والصين. وتهدف هذه الاتفاقيات إلى بناء محطات للطاقة النووية، وتطوير قطاع الطاقة الشمسية، وتكرير الذهب، مما سيسهم في تعزيز استقلالها الاقتصادي.
واختتم الخبير الاقتصادي حديثه بالتأكيد على أن نجاح تحالف "ليبتاكو-غورما" يعتمد على صياغة سياسات نقدية واقتصادية مدروسة، بالإضافة إلى إنشاء بنك مركزي جديد قادر على إدارة عملية الانتقال من الفرنك الأفريقي بشكل تدريجي لتجنب الكساد الاقتصادي وضمان استقرار الأسواق.
المصدر: بوابة الفجر
كلمات دلالية: تحالف دول الساحل النيجر مالي بوركينا فاسو النيجر ومالي و بوركينا فاسو الوجود الروسي في إفريقيا النفوذ الغربي في افريقيا فاغنر منطقة الساحل والصحراء
إقرأ أيضاً:
"الصديق المفترس".. كيف يهدد ترامب التحالف مع أوروبا؟
لم يمض وقت طويل على قيام الرئيس الأمريكي جو بايدن بجمع الحلفاء الأوروبيين للتصدي للغزو الروسي لأوكرانيا. وقد جسّد بذلك المفهوم الذي عبّر عنه الدبلوماسي الأمريكي البارز نيكولاس بيرنز مؤخراً، وهو أن الطريقة التي تفوز بها الولايات المتحدة في المنافسة العالمية على القوة والازدهار هي: "أن تكون لطيفاً مع حلفائك".
لكن الرئيس الحالي دونالد ترامب يبدو أنه يرى الأمور بشكل مختلف تماماً. فعداؤه لأوروبا معلن منذ عقود، إذ يرى أن الحلفاء ليسوا سوى منافسين اقتصاديين وطفيليات جيوسياسية، وفقاً لتقرير بصحيفة "نيويورك تايمز".
كسر التحالف بدلاً من دعمهقرار ترامب يوم الخميس بفرض تعريفات جمركية محسوبة بشكل مثير للجدل على شركاء أمريكا، بمن فيهم أوكرانيا، مع استثناء روسيا وكوريا الشمالية، كشف بوضوح عن استعداده لتفكيك التحالف عبر الأطلسي الذي حافظ على السلام في أوروبا لما يقرب من 80 عاماً.
وإضافةً إلى ذلك، فإن مطالبته لدول الناتو بإنفاق ما يصل إلى 5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع العسكري، ورغبته المعلنة سابقاً في ضم أراضٍ من الدنمارك (وهي دولة عضو في الناتو)، تؤكد على الضرر طويل الأمد الذي أصاب العلاقات الأمريكية الأوروبية، ضرر قد لا يمكن إصلاحه بالكامل.
Hundreds gather across Europe to protest against Trump and Musk
➡️ https://t.co/5thARkkvAP pic.twitter.com/7NsjK6qWU6
وفي هذا الشأن علق غونترام وولف، الاقتصادي والمدير السابق للمجلس الألماني للعلاقات الخارجية، قائلاً: "هذه التعريفات الجمركية تضاف إلى الانطباع المتزايد في أوروبا أن الولايات المتحدة في عهد ترامب لم تعد فقط شريكاً غير موثوق به، بل شريك لا يمكن الثقة به مطلقاً".
وأضاف أن هذا التحول يقلب 80 عاماً من التاريخ بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان التحالف عبر الأطلسي في صلب النظام الغربي والنظام المتعدد الأطراف عالمياً. وبرغم محاولات بروكسل الحفاظ على هذه العلاقات، إلا أنها، كما قال، "لا تستطيع وحدها أن تدعم النظام العالمي".
المستفيد الأول: روسياوترى الصحيفة أن إعادة تشكيل ترامب للنظام العالمي يبدو وكأنه يصبّ في مصلحة روسيا، العدو الرئيسي للناتو، إذ يُضعف خصوم الكرملين في أوروبا، على الرغم من أن هبوط أسعار النفط يوم الجمعة ألحق ضرراً بروسيا أيضاً.
وقالت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية: "يبدو أنه لا يوجد نظام داخل هذا الفوضى، ولا طريق واضح للخروج من هذا التعقيد، بينما يُضرب جميع شركاء الولايات المتحدة التجاريين"، مضيفة أن هذه السياسات تضرّ "بالمواطنين الأكثر ضعفاً".
???? LIVE in the JFK Jr. Forum: Nick Burns (@RNicholasBurns) discusses the many facets of the critical U.S./China relationship & his tenure as U.S. Ambassador to the People's Republic of China under the Biden Administration.https://t.co/uG0omuvM01
— Institute of Politics (@HarvardIOP) April 1, 2025وقد أصبح الأوروبيون أكثر وعياً بأن ترامب، المحاط بمستشارين أكثر توافقاً أيديولوجياً وولاءً في ولايته الثانية، مصمم على تنفيذ رؤيته في الابتعاد عن أوروبا.
يقول مارك ليونارد، مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: "كثير من الناس فوجئوا بشدة هذه الإدارة وسرعتها وعدوانيتها ونزعتها الإمبريالية".
محاولات أوروبيةوبحسب الصحيفة، فإن كثير من الحكومات الأوروبية كانت تعتقد أنها تستطيع إرضاء ترامب بأسلوب تعامل مبني على المصالح: شراء مزيد من الأسلحة والغاز الطبيعي الأمريكي، والمساهمة بشكل أكبر في الإنفاق الدفاعي.
لكن الأحداث الأخيرة أظهرت حدود هذا النهج، خصوصاً مع تطبيق الرسوم الجمركية بشكل غير متساوٍ على بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وربط المساعدات العسكرية لأوكرانيا بصفقات معادن.
يقول ليونارد: "التحدي أمام أوروبا هو كيفية التعامل مع أمريكا مفترسة، تستخدم نقاط ضعف حلفائها للابتزاز، سواء عبر صفقة معادن في أوكرانيا أو محاولة ضم غرينلاند، أو بأسلوبه العلني في محاولة تقسيم بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي عبر اتفاقيات تجارية منفصلة".
حالياً، لا يزال الاتحاد الأوروبي متماسكاً جزئياً لأن ترامب فرض نفس الرسوم بنسبة 20% على جميع الدول الأعضاء الـ27، بما فيهم دول أكثر قرباً أيديولوجياً مثل المجر وسلوفاكيا وإيطاليا.
لكن من الممكن أن تلجأ واشنطن لاحقاً إلى رسوم متمايزة للضغط على دول بعينها مثل الدنمارك، خاصة فيما يخص قضية غرينلاند.
The universal tariffs announced by the US are a major blow to businesses and consumers worldwide.
Europe is prepared to respond.
We'll always protect our interests and values.
We're also ready to engage.
And to go from confrontation to negotiation ↓ https://t.co/WbXqsN4ZX7
ويرى البعض أن هذه الرسوم مجرد مقدمة لصفقة جديدة، كما لمح إريك ترامب في منشور له على منصة "إكس"، قائلاً: "لا أود أن أكون آخر بلد يحاول التفاوض مع ترامب. أول من يتفاوض سيربح، والآخرون سيخسرون حتماً".
لكن صوفيا بش، محللة ألمانية في مؤسسة كارنيغي بواشنطن، ترى أن الرسائل الصادرة من إدارة ترامب متناقضة، وتقول: "ليس واضحاً ما إذا كان هذا عرضاً تفاوضياً أولياً، أم أنهم بالفعل يعيدون تشكيل العالم بلا نية لإصلاحه".
ورغم أن مسائل الأمن والتعريفات الجمركية تبدو منفصلة، إلا أن بش وآخرين يوضحون أن ترامب يستخدم القوة الأمريكية بشكل فظ وقاسٍ حتى تجاه الحلفاء، ما يؤثر على اقتصاداتهم ويضغط على الشرائح الأضعف من شعوبهم، الذين سيدفعون ثمن التضخم وارتفاع الضرائب.
شروط ترامبففي اجتماع لوزراء خارجية الناتو في بروكسل، حاول وزير الخارجية ماركو روبيو تهدئة الأجواء، حيث أدان "الهيستيريا والمبالغة" في وسائل الإعلام، وأكد على دعم ترامب للحلف الأطلسي.
وقال روبيو: "الرئيس ترامب أوضح أنه يدعم الناتو. وسنظل في الناتو لكن... ليس أي ناتو".
وأضاف أن ترامب يتوقع من حلفائه الأوروبيين أن يتحملوا المسؤولية الرئيسية عن أمنهم وأمن أوكرانيا، لأن أمريكا توجه اهتمامها نحو آسيا.
وتابع "هو ضد ناتو لا يمتلك القدرات المطلوبة للوفاء بالتزاماته، كما يفرضها ميثاق الحلف على كل دولة عضو".
العبء الاقتصاديلكن التأثير الاقتصادي المتوقع للتعريفات من ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو سيجعل من الصعب على الحلفاء الأوروبيين تلبية هدف الإنفاق الدفاعي الجديد الذي يُتداول الحديث عنه لقمة الناتو في يوليو: 3.5% من الناتج المحلي، ناهيك عن مطلب ترامب بـ5%.
في ألمانيا، وهي دولة غنية، سيكون التأثير كبيراً. وزير المالية يورغ كوكيز قدّر أن الصادرات الألمانية لأمريكا ستتراجع بنسبة 15%. وأكد أن بلاده ستواصل محاولة التفاوض مع واشنطن، بينما يتجه الاتحاد الأوروبي للرد بقوة، ولكن بحذر.
ووفقاً للمعهد الاقتصادي الألماني، قد تصل كلفة هذه الرسوم على ألمانيا وحدها إلى 200 مليار يورو (218 مليار دولار) خلال السنوات الأربع المقبلة.
بدائل أوروبا.. وروسياوقالت ماغي سويتك، الاقتصادية ومديرة الأبحاث في معهد ميلكن، إن الأوروبيين سيبحثون الآن عن أسواق جديدة وصفقات تجارية حرة، مثل تلك التي لديهم مع كندا والمكسيك.
وأضافت: "لا يزال هناك مجال للتعاون مع أمريكا وشركاتها، بينما نحاول فهم كيف نتعامل مع الوضع الجديد والنظرية الأمريكية المستجدة".
أما موسكو، التي لا تُجري الكثير من التجارة غير الخاضعة للعقوبات مع أمريكا، فقد رأت في هذه التطورات هدية إضافية.
الرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف عبر عن سعادته بذلك على منصة "إكس"، مستخدماً مثلاً صينياً قديماً يقول إن روسيا "ستجلس على ضفاف النهر، بانتظار جثة العدو تطفو. جثة اقتصاد الاتحاد الأوروبي المتحللة".