كشف إبراهيم ربيع، القيادى الإخوانى المنشق، الباحث فى شئون الجماعات الإسلامية، عن ملامح الاستراتيجية الإخوانية التى يعمل عليها التنظيم لنشر الفوضى والخراب داخل مصر، لافتاً إلى استضافة بعض الدول لكوادر الجماعة الإرهابية من أجل التخطيط لاختلاق الفتن وصناعة المؤامرات الهادفة إلى نشر روح التشاؤم والإحباط بين المصريين، لخدمة مصالح وأجندات قوى معادية.

وتحدث «ربيع»، فى حواره مع «الوطن»، عن الوجه الخفى للإخوان من واقع عمله فى الهيكل التنظيمى للجماعة لسنوات عديدة قبل انشقاقه عنها، بعدما عرف حقيقتهم القائمة على الخيانة والعمالة، ومنهجهم الدموى الذى يبيح القتل والتدمير ونشر الخراب لإقامة مجتمع إخوانى وتحقيق وهم أستاذية العالم، لافتاً إلى أن مخطط الإخوان يشمل تحقيق الصراع المجتمعى وتقسيم المجتمع لطوائف واغتيال معنويات المصريين، اعتماداً على دعم مخابراتى كبير.

إبراهيم ربيع: الخلايا الإخوانية الإلكترونية تضم 4000 شخص وتبث الشائعات من داخل عدة دول في الخارج 

  حدثنا عن مخطط الإخوان لنشر الفوضى داخل مصر؟

- تنظيم الإخوان مجرم وفاشى يعمل على نشر الفوضى والخراب داخل الدولة، وتلك المؤامرة قائمة منذ نشأة الجماعة، فحسن البنا حين أسس هذا التنظيم، أسسه على إباحة القتل والتدمير ونشر الخراب لتحقيق هدف الإخوان فى إقامة مجتمعهم الإخوانى وتحقيق الخلافة الإخوانية وأستاذية العالم، لذلك تجدهم متآمرين على الدولة، فيتعاونون مع السفارات الأجنبية ويرحبون بتحقيق أجندتهم، كذلك يقوم التنظيم الدولى للإخوان بتنفيذ أجندة الأجهزة الدولية للمخابرات، فى نشر الفوضى بمنطقة الشرق الأوسط، نظير مساعدة تلك الأجهزة لهم للوصول للسلطة وشاهدنا ذلك فى عام 2011، ففى يوم وليلة وجدناهم على رأس السلطة فى عدة دولة ولديهم دعم كبير من «واشنطن» و«لندن»، لكن إرادة الشعب المصرى كانت حائط صد أمام تلك المخططات إذ وقف أكثر من 30 مليون مصرى ضد تلك المخططات، وأوقفوا المشروع الإخوانى، ولم يقف أمام إرادة المصريين الدعم الدولى للتنظيم أو عملياتهم الإرهابية لذلك لديهم عداء وثأر كبير ضد المصريين، لذلك ينفذون مخطط الخراب اليوم بشكل مختلف.

من ينفذ هذا المخطط؟ ومن يموله؟ وماذا عن السيناريوهات المرسومة؟

- مخطط التنظيم اليوم قائم على تحقيق الصراع المجتمعى، وتقسيم المجتمع إلى طوائف، كذلك تحقيق الصراع السياسى، واغتيال المعنويات، ولديهم لتحقيق هذا الأمر دعم مخابراتى كبير وتخدم هذا المشروع شركات علاقات عامة دولية تقوم بدراسات رأى عام للمجتمع المصرى ويعطون دراسات علمية لكيفية نشر الشائعات، كذلك هناك تدريب كبير للكتائب الإلكترونية لكيفية إدارة السوشيال ميديا وتحقيق الهدف المرجو من نشر الشائعات وتصعيد الهاشتاجات الخاصة بهم ضد الدولة، ويسهم فى ذلك أبواق الإخوان الإعلامية وأبواق أخرى ليست تابعة للإخوان بشكل تنظيمى لكنها تدار لتحقيق مصالح التنظيم، فهناك برامج «توك شو» ومدونات على الإنترنت وصناع محتوى، وصفحات على السوشيال ميديا بخلاف استغلال كل التطبيقات الإلكترونية من قبل اللجان الإلكترونية، فهم يصنعون من حقيقة صغيرة أكذوبة كبيرة، فيتم دس السم فى العسل، ويتم نشرها عبر آلاف الحسابات الوهمية مدعومة بهاشتاج معين لصناعة رأى عام وهمى، وللأسف بعض البسطاء يصدقون ذلك وينشرونه دون تأكد، فتلك المعركة خطيرة والصمود أمامها يتطلب وعياً جماعياً قائماً على الوطنية.

وكيف يتم تحقيق ذلك؟

- لا بد من تدشين مشروع قومى، عبر تشكيل هيئة خاصة بالوعى تكون مسئولة عن متابعة تلك المؤامرة، تتشارك فيها الدولة بمؤسساتها والأسرة والنخبة الإعلامية والثقافية والسياسية بشراكة جدية ومسئولة، ويكون أعضاء تلك الهيئة أساتذة رأى عام وعلم نفس وعلم اجتماعى ومتخصصين فى الحركات الإسلامية وأساتذة فكر استراتيجى وأساتذة علوم سياسية، كذلك مسئولون أمنيون، لإزالة آثار العدوان الفكرى لتلك المجموعات وإعادة إعمار الفكر وإعادة هندسة الضمير والوعى الجمعى، والتذكير دائماً بجرائم تنظيم الإخوان التى لن تغتفر ولو بعد 100 عام، فسيظلون أصحاب الخراب والدماء والتفكك والفوضى، كذلك التصدى لحرب الشائعات القائمة على حروب الجيل الرابع والخامس وتقديم الحقائق للمصريين وفضح تلك المجموعات الخبيثة التى تنشر الفساد داخل المجتمع، ووضع استراتيجية للمواجهة الإلكترونية وتشكيل كتائب إلكترونية وطنية تكون مهمتها التصدى لتلك المجموعات ومواجهة الهاشتاج بالهاشتاج.

 موريتانيا أصبحت بوابة كبرى لتمويل خلايا الجماعة وتلقوا تمويلات طائلة بالعملة الصعبة وميليشيا مرتزقة فى ليبيا يستعدون لساعة الصفر لتنفيذ مخطط الإرهاب

أين توجد تلك الكتائب الإخوانية؟

- الخلايا الإخوانية الإلكترونية مكونة من 4000 شخص موزعين بين تركيا وبريطانيا وأمريكا وإندونيسيا وشرق أفريقيا بخاصة الجزائر، كذلك موريتانيا التى تمثل بوابة كبيرة لعمليات تمويل الإخوان، كذلك دول عربية مجاورة، وتتحكم تلك الكتائب فى مئات الآلاف من الحسابات الإلكترونية، وتلك الخلايا مكونة من شباب عرب وأجانب لتحقيق الوهم، وصناعة قاعدة جماهيرية غير حقيقية.

تتحدث عن خطورة قائمة من موريتانيا.. ماذا تقصد؟

- هناك عمليات تمويل كبرى تتم داخل موريتانيا، فخلال الفترة الماضية، يعمل التنظيم الإجرامى على تحويل موريتانيا لمركز تجميع الأموال حول العالم وتوريد بعضها لمصر، وتمويل عمليات إرهابية داخل أفريقيا، فمعلوماتى تقول إن عناصر الإخوان التنظيمية والعناصر الموالية تحول أموالاً طائلة داخل موريتانيا، بخاصة عناصر أوروبا وآسيا، وهناك إخوان من مصر يذهبون إلى هناك ويعودون بأموال طائلة بالدولار الأمريكى وحدث ذلك فى معرض للكتاب هناك خلال الفترة الماضية، أحدهم ذهب بنحو 1500 كرتونة كتب للعرض فى هذا المعرض، وعاد بنحو مليونى دولار.

مصر تقف ضد إعادة الإرهاب إلى المنطقة.. وكوادر خفية تعمل على ضخ دماء جديدة للتنظيم بتجنيد جيل جديد يحمل فكرهم المتطرف لإحداث الصراع المجتمعى والانقسام واغتيال المعنويات

هل تقصد الخلايا الكامنة؟

- تلك الخلايا هى الأكثر خطورة اليوم، فخطورتهم تعادل خطورة مجموعات الشائعات، لأنهم يقومون بمهام كثيرة منها دعم جماعات الشائعات داخل مجتمعهم الصغير فى القرى والنجوع، وإيهام المجتمع وجعل البسطاء يصدقون ما يقولون، المهمة الثانية لتلك الخلايا الإبقاء على أموال التنظيم داخل مصر من خلال استمرار اشتراكات الأعضاء التى تصل لـ10% من رواتب الكوادر التنظيمية داخل الإخوان، كذلك يعملون على ضخ دماء إخوانية جديدة عبر التجنيد غير المباشر، والتمكين الاقتصادى، وصناعة جيل جديد للتنظيم من خلال الحضانات الإخوانية التى تبث سمومها للنشء، بخلاف كتابة التقارير للتنظيم الدولى حول ما يدور فى مجتمعات تلك الخلايا ورصد أى تحركات تتم، ومتابعة الشخصيات المهمة بالمجتمع.

تشير تقارير إعلامية إلى عودة الإرهاب مرة أخرى من خلال الجبهة الغربية؟

- الخطر الأكبر اليوم يكمن فى ليبيا، حيث يجرى تجهيز ميليشيا مسلحة من قبل المرتزقة الذين يتجمعون فى الجبهة الغربية لمصر استعداداً لساعة الصفر وتنفيذ مخطط الإرهاب.

لماذا كل هذا العداء لمصر؟

- الإخوان لا ترغب فى وجود الدولة المصرية لأنها حائط صد ضد مخططاتهم وعودتهم من جديد فى منطقة الشرق الأوسط، فالدولة تقف ضد إعادة الإرهاب مرة أخرى للمنطقة كذلك تؤمن بضرورة الحفاظ على الدولة الوطنية وهو ما لا يؤمن به الإخوان، فالتنظيم الإخوانى مظلى يخرج من تحته كل هذه التنظيمات الحالية، وهم تنظيم وظيفى يقوم بتحقيق إرادة المستعمر فى العصور الحديثة، قام باحتلال بعض العقول طوال 100 سنة وسيطر على عقول 4 أجيال متتالية، ومن حكم خبرتى فالأخونة بنيت على خمس قواعد أساسية هى: الكذب والانتهازية والشماتة والاستباحة والمتاجرة، فلا يتم الاعتراف بالشخص كعضو فى الإخوان، إلا إذا كان قادراً على الكذب وترويج الشائعات وفبركة أى شىء، وهذا ركن من الديانة الإخوانية.

جماعة خائنة

تركت تنظيم الإخوان حينما أدركت فسادهم وأنهم جماعة خائنة ويعادون المصريين، فقد ارتكبوا سلسلة من الجرائم التى تركت أثراً عميقاً وسلبياً على مصر، سواء خلال فترة حكمهم أو بعدها، فالدولة شهدت محاولات مستمرة ومستميتة من قبل الجماعات الإرهابية لتغيير هوية الدولة المدنية وإضعاف مؤسساتها الوطنية، من خلال التغلغل فى مفاصل الدولة ومحاولة إخضاعها لسياسات الإخوان، الذين اعتمدوا على استغلال الدين لتحقيق مكاسب سياسية، وكانت مهمتهم تقسيم المجتمع وزرع الفتنة بين أبنائه، والتحريض العلنى ضد السياسيين والإعلاميين ورجال مؤسسات الدولة وتصعيد العنف وتهديد السلم المجتمعى واللجوء للإرهاب المباشر.

عقيدة تنظيم الإخوان الإجرامى قائمة على رباعية تدميرية تتضمن: «التكفير، الإرهاب، العنصرية، والطائفية»، ولذلك حكموا بالإرهاب والتهديد، وأيديولوجيتهم مبنية على العنف والمصلحة، فالإخوان تنظيم فاشل لا يعرف أى شىء عن الوطنية، لذلك خرج المصريون فى ثورة 30 يونيو التى برهنت للعالم بأسره على أن الشعب المصرى رفض الإرهابية ولفظها لما مارسته من إرهاب وعنف ضده، والتى سعت منذ اليوم الأول من تولى الحكم لزرع الأخونة فى كافة مفاصل الدولة والجامعات والوزارات والمحافظات، فى محاولة منها لفرض سيطرتها على ربوع مصر.

 

المصدر: الوطن

كلمات دلالية: تنظيم الإخوان الإرهابي نبيل نعيم مختار نوح ثروت الخرباوي ناجح إبراهيم إسلام الكتاتني تنظیم الإخوان تلک الخلایا نشر الفوضى من خلال

إقرأ أيضاً:

هل الحرب الأهلية في إسرائيل قدر حتمي؟

في سبعينيات القرن الماضي، عرض المخرج الإسرائيلي أوري زوهار فيلما هزليا قصيرا، صوّر خلاله شخصين عربيين يقفان على شاطئ في فلسطين، ويوجّهان الشتائم إلى قارب يدنو منهما يحمل على متنه مهاجرين يهود من روسيا.

بعد ذلك، يقف المهاجران الروسيان على الشاطئ نفسه ويكيلان الشتائم أيضا، لكن لقارب آخر يقترب وبه مهاجرون من بولندا، ثم يتكرر الأمر ذاته حين يقف البولنديان هذه المرة ويوجّهان الشتائم لقارب جديد يحمل مهاجرين ألمان، وبدورهم، يقف الألمان أمام الشاطئ ويحذون حذو أقرانهم بشتم أولئك القادمين على قارب من شمال أفريقيا.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2حماس.. المهمة الصعبة في إقليم يتغيرlist 2 of 2إسرائيل تُظهر للعالم أقبح وجوه الذكاء الاصطناعيend of list البهرجة العِرقية

لعل هذا، بشكلٍ ربما لم يقصده المخرج، يُمثِّل اعترافا بالوجود العربي أساسا لهذه الأرض، وهو ما فعله زوهار، الذي ترك السينما فيما بعد وصار حاخاما أرثوذكسيا. لكن المؤكد أن زوهار أراد أن يقول -بشكلٍ واعٍ- من خلال هذا العرض، إن هذا الشكل من التصارع وعدم تقبل الآخر هو السمة المشتركة في كل بلدان الهجرة.

فهذه أيضا قصة أميركا وأستراليا وكندا، قصة مكررة لدول قامت على جذب أجناس وأعراق من أمم مختلفة تحت وعد أن وجهتهم هي أرض الأحلام، وهي ذاتها قصة تعزيز الاستعمار والاستيطان من خلال الخداع وتحفيز الطمع وتلفيق الهوية، واختراع شعب جديد يصطف تحت راية صُنعت لتوها.

إعلان

لكن لسبب ما، قرر الكاتب الإسرائيلي أوري أفنيري أن يصف حدوث ذلك في إسرائيل بالأمر الغريب، إذ يفترض أنها دولة قامت على أيدولوجية قومية للشعب اليهودي، فكيف تخالف إسرائيل المنطق الذي بُنيت عليه وتُفرِّق بين مكوناتها العِرقية، رغم أنهم بالأساس يهود!

لكن التاريخ وعلم الاجتماع لا يستثنيان تكوينا ما من ذلك، ويُثبتان أن كثرة التنوعات داخل الدولة ليست أمرا إيجابيا على طول الخط، فمن الصعب أن يتماسك ويستمر مجتمع متباين التكوين إلى هذه الدرجة، فكلّ فئة تحمل مطالبها الخاصة، وكلما خفت بريق الراية الجامعة، بدأت الهويات الفرعية بالصعود والهيمنة شيئا فشيئا، فتعود كل فئة إلى ذاتها.

يقود ذلك بالتالي إلى تزايد إمكانية الانشقاقات والتمرد الذي يأكل في جسد الدولة على مهل، كما يقلل من قدرة السلطة الرسمية التي تُدير البلاد على تمرير رؤاها وإستراتيجياتها دائما بنجاح ويُسر.

وهل من مشهد يؤخذ دليلا على ذلك، أكثر مما جرى مؤخرًا أثناء اجتماع الكابينت الإسرائيلي في 23 مارس/آذار الجاري، من تراشق لفظي واشتباك جسدي بين إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، ورونين بار، الرئيس السابق لجهاز الأمن العام (الشاباك)، والذي أقاله رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مؤخرا على إثر خلافات نشبت بينهما بشأن نتائج التحقيق في أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وهو أمر يتعدى حدود الخلاف الشخصي، ويؤشر على طبيعة الصراع الأعمق بين اليمين المتطرف ومؤسسات الدولة الأمنية التي تحاول الحفاظ على استقلاليتها، فقد أشارت تقاريرصحفية إسرائيلية إلى تلقي بن غفير ما يفيد بأن الشاباك، تحت قيادة رونين بار، يجري تحقيقًا سريًّا حوله منذ شهور، بغرض كشف مدى تغلغل "المنظمات الإرهابية اليهودية في جهاز الشرطة"، وتحديدًا المتطرفين الكاهانيين الذين ينتمي بن غفير إليهم.

إعلان

وهو حدث يمكن اعتباره عنوانا لأزمة الداخل الإسرائيلي الحالية، بعد تعثر المفاوضات بشأن إطلاق سراح المحتجزين لدى فصائل المقاومة الفلسطينية.

ومع أن بوادر انقسام الداخل الإسرائيلي، تعود لوقت سابق على أحداث 7 أكتوبر/تشرين أول 2023، لكن ثمة تأثير معضد لذلك الانقسام أحدثه وعمّقه الطوفان، فيما يبدو.

أثناء اجتماع الكابينت الإسرائيلي في 23 مارس/آذار الجاري، حصل تراشق لفظي واشتباك جسدي بين إيتمار بن غفير (يمين)، وزير الأمن القومي، ورونين بار، الرئيس السابق لجهاز الأمن العام (الشاباك)(وكالات) سهم سمم الجرح

أول ما يثبت تأثير يوم السابع من أكتوبر/تشرين أول 2023 على نسيج إسرائيل الاجتماعي، هو تمكّنه من تقديم فشل دولة الاحتلال في أن تصبح دولة آمنة ومستقرة في حماية مواطنيها. فلطالما رددت الصهيونية أن اليهود لن يشعروا بالأمان إلا من خلال الوجود داخل دولة يهودية، وكان ذلك هو الحلم الذي قدّمه ثيودور هرتزل إلى اليهود وجذبهم به إلى أرض فلسطين.

حتى إن العقيدة العسكرية الإسرائيلية تشكَّلت بالأساس لخدمة ذلك الغرض، وفقا لمبدأ القوة الهجومية الذي أرساه بن غوريون، وقوامه هو نقل المعركة دائما إلى أرض العدو، بعيدا عن الأراضي الإسرائيلية، والمبادرة بتنفيذ ضربات وقائية إذا استدعى الأمر، أي تنفيذ الإستراتيجية الدفاعية عبر الهجوم، بغرض تقليل الإصابات بين المستوطنين وتوفير الأمان الذي وعدتهم به الصهيونية عندما استوطن آباؤهم هذه الأراضي.

وتجدر الإشارة إلى ما يحدث داخل إسرائيل من تكثيف دعوات الفرار والهجرة العكسية كلما تعرضت لهجومٍ ما، وهو ما تؤكده التقارير الصادرة عن هيئة السكان والهجرة الإسرائيلية، حيث تشير إلى هجرة أكثر من نصف مليون إسرائيلي منذ "طوفان الأقصى".

ووفقا لذلك، ففي الإمكان القول إن مبدأ بن غوريون كان إدراكا بأن إلحاق الأذى بالمستوطنين من شأنه أن يدفعهم إلى موجات من الهجرة العكسية، بما يهدد مشروع إسرائيل في جوهره.

إعلان

لكن الطوفان تمكن من كسر هذا المبدأ، واستطاع أن يضرب عمق الأراضي المحتلة، مُفقِدا المستوطنين سلعة الأمان المزعوم.

كما أنه على جانب آخر، تمكّن من إرسال رسالة عملية إلى النسيج الإسرائيلي، مفادها أن قوة جيشهم وإمكانياته والدعم الذي يتلقاه أشياء لن تتمكن بمفردها من توفير الأمان والاستقرار لإسرائيل، وليس ثمة حل سوى المُضي قُدما في عملية "سلام عادلة مُرضية"، وهذا نوع من الرسائل لن يتسلمه سوى "العقلاء" داخل إسرائيل، الذين يقفون بالأساس في وجه القبضة المتطرفة، ويرون في هذه الرسالة تأكيدا على موقفهم ودافعا لمقاومة هذه القبضة، وهو ما يعزز أيضا من حالة الانقسام والصراع الداخلي بشكلٍ ما.

الخطر على المؤسسة العسكرية

وعلى نحو مماثل، أدت قضية المحتجزين الإسرائيليين خلال عملية "طوفان الأقصى"، بما تلاها من فشل الحكومة الحالية في استعادتهم بالقوة العسكرية وتلويحها في أحيان بالتضحية بهم، إلى نشوب احتجاجات متصاعدة ضد حكومة نتنياهو والمؤسسات الأمنية، وعلى إثرها حاول القادة العسكريون والسياسيون التنصل من هذا الفشل، عبر تبادل إلقاء اللوم على بعضهم بعضا في أكثر من مناسبة.

وتتجلى حالة الانقسام أيضا في الهجوم الذي شنَّه مئات المتطرفين الإسرائيليين في يوليو/تموز الماضي على معسكر الاعتقال في قاعدة سدي تيمان العسكرية بصحراء النقب، حيث يحتجز جيش الاحتلال أسرى من قطاع غزة منذ بداية الحرب. وقد تسبب ذلك في وقوع صدامات بين ضباط الشرطة العسكرية من جهة، وجنود الاحتياط المتحدين مع المستوطنين المتطرفين من جهة أخرى.

ويرى المراقبون الإسرائيليون أن حادثة سدي تيمان تُمثِّل سابقة خطيرة، نظرا إلى أن هجوم المتطرفين على قاعدة عسكرية تابعة للجيش الإسرائيلي بهذه الدرجة من العدوانية تشير إلى شعور هؤلاء بقوة غير مسبوقة، وأن أية قوة حكومية لن تستطيع أن تتصدى لهم، وأنهم يعتبرون أنفسهم مجازين لفعل ما يحلو لهم، وأنهم فوق أي قانون في الدولة لأنهم يُمثِّلون روح العقيدة، ومن ثم يجب على الدولة (وقوانينها) أن تتبعهم وتسترشد بهم، وليس العكس.

إعلان

ويشير إيهود أولمرت، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إلى أن ما يثير مخاوف الإسرائيليين بشأن سدي تيمان بصورة أكبر هو معرفتهم التامة بالكيفية التي تنظر بها هذه الجماعات المتطرفة إلى بقية المجتمع الإسرائيلي، فبالنسبة لهؤلاء ليس ثمة مانع من تطهير المجتمع من كل ما لا يتفق معهم، وبالنسبة لهم، كلّ مَن يرغب في سلام أو تسوية مع المحيط الإسرائيلي يوصف بـ"اليساري الخائن"، الذي يمكن التحريض ضده وإطلاق النار عليه إذا لزم الأمر.

كما يؤكد أولمرت أن مثيري الشغب الذين يمتثلون لأوامر إيتمار بن غفير ورفاقه في حزب "عوتسما يهوديت" لم يعودوا يتألفون فقط من أعضاء متطرفين في الكنيست أو من عصبة شبيبة التلال كالسابق، بل صار بينهم رجال شرطة تخلّوا عن واجبهم القانوني وجنود احتياط، وليس ببعيد أن يتبنى ضباط وجنود في جيش الاحتلال نهجا مماثلا، فيتمرّدون عند تلقيهم أمرا بالامتناع عن القتال أو خوضه، ما داموا يرون أنفسهم المرجعية الأولى وأنهم مَن يحددون أولويات الدولة.

من جهة أخرى، فإن عدوى التطرف تتسلل بالفعل إلى داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، مثلما يحدث في لواء كفير سيئ السمعة، المتهم بارتكاب جرائم وانتهاكات حقوقية عدة، الذي يُعد مظلة تضمّ المستوطنين المتشددين من التيارات المختلفة، مثل الذكور من عصابة شبيبة التلال، ويُستَخدم هؤلاء بالأساس لقمع المدنيين الفلسطينيين داخل المناطق الحضرية في الضفة الغربية.

ويتعزز ذلك عبر سعي الحكومة إلى تجنيد الشباب المتدين، وبالأخص الذكور من طائفة الحريديم، بعد تصاعد ضرورات القتال ونقص القوة البشرية على خلفية أحداث "طوفان الأقصى". وبسبب ذلك يدور صدام من نوع آخر بين الحكومة وأعضاء الطائفة التي تُشكِّل نحو 13% من مجموع الإسرائيليين (1,28 مليون نسمة)، ويرفض أعضاؤها الانخراط في أنشطة المجتمع العلماني بما في ذلك الخدمة العسكرية.

ورغم أن الحكومة الإسرائيلية توصلت إلى حل وسط تتمكن عبره من تجنيد هؤلاء، كما هو الحال في كتيبة "نيتسح يهودا" التابعة للواء كفير المذكور، فإن التقارير الإعلامية ترصد بين آنٍ وآخر ما يُبديه أعضاء هذه الكتيبة من تمرد، وميلهم إلى تلقي الأوامر من الحاخامات وقادة المستوطنات الذين يزورون قواعدها باستمرار، عوضا عن اتباع المبادئ والمعايير العسكرية، مما يعني أنها تتحول إلى ميليشيا دينية مستقلة أكثر من كونها وحدة تتبع قيادة الجيش.

إعلان جذور لا يمكن تجاهلها

كل ما يجري في الوقت الحالي، كردة فعل على السابع من أكتوبر/تشرين أول وتبعاته، لا يمكن فصله عن ماضي إسرائيل، القصير فعليا لكنه مليء بمسببات الفتنة والاحتقان والنزاع الداخلي.

فرغم أن دولة الاحتلال تُقدَّم (وتُجمَّل) بوصفها الأمة متعددة الثقافات، والبوتقة التي تنصهر داخلها انقسامات اليهود العِرقية، فإن ذلك لا يستر، مثلًا، حقيقة انفراد النخبة الغربية (الأشكناز) بالقرار، واعتمادها ثقافتها وقيمها باعتبارها القيم والتقاليد الرسمية للدولة، مع أن هذه النخبة لا تُمثِّل أكثر من 30% من مجموع السكان في إسرائيل.

وفي حين تنال الأجيال الجديدة من هذه النخبة فرص التعليم الأفضل، وبالتالي تتزايد فرصها داخل سوق العمل، إذ تشير الدراسات إلى أن نسبة اليهود الغربيين إلى الشرقيين داخل الجامعات الإسرائيلية بلغت 4 إلى 1، فيما يرى الكاتب والمؤرخ الإسرائيلي زئيف ستيرنهيل أن سياسات الدولة تتعمد حجب التعليم عن السفارديم، كي يستمر استغلالهم في الأعمال الزراعية والأعمال الدُّنيا من قِبَل النخبة الغربية.

وهو ما يشير إليه أوري أفنيري بـ"انكسار بوتقة الانصهار"، فإذا ما كان الجيل الأول من اليهود الشرقيين منشغلا بتدبير أموره في البلاد الجديدة، ومأخوذا ببن غوريون ورفاقه، فإن الجيل الثاني بدأ في طرح الأسئلة، فيما يعيش الجيل الثالث "حالة من التمرد" والثورة ضد تكبُّر الأشكناز، وبمرور الوقت، لم يعد ثمة متسع للرؤية الصهيونية التي تردد أن اليهود في إسرائيل مثل بعضهم، مع فروق طفيفة في اللغة ولون البشرة.

فضلا عن ذلك، ثمة جانب آخر يتجلَّى خلاله انقسام أعمق في الداخل الإسرائيلي، هو الصراع بين المتدينين والعلمانيين، الذي يُعدّ الأقدم تاريخيا بين كل الانقسامات في صفوف اليهود.

فتاريخ هذا الخلاف يعود إلى القرن الـ18، حين أراد بعض اليهود الخروج من أسوار الانغلاق التي تفرضها التجمعات اليهودية (الغيتوهات)، والتعامل وفق ثقافة أوروبا الرأسمالية العلمانية، فيما عارض آخرون هذه الخطوة، وفضَّلوا البقاء داخل تجمعاتهم المنغلقة.

إعلان

وضمن هذين التيارين، نشأت حركات ورؤى مختلفة تصادمت فيما بينها، وكان على الحركة الصهيونية سدّ هذه الفجوة والجمع بين التيارات، كي تتمكن من تحقيق هدفها المتمثل في تشكيل دولة.

ونشأ عن ذلك ما يُعرف بـ"الوضع القائم"، وهو استحداث نوع من التوازن بين ما لا يجوز انتهاكه داخل المؤسسات اليهودية، وبين عدم التدخل في حياة الأفراد الشخصية ونمط التعليم الذي يطبقه كل قطاع منهما. وتعزز ذلك باتفاق الطرفين على عدم كتابة دستور الدولة، والاستعاضة عن ذلك بما يُسمّى "قوانين الأساس".

لكن هذا لم يوقف سعي المتدينين نحو تبني اتجاه الانفصال عن الدولة اجتماعيا، وذلك عن طريق السكن في تجمعات خاصة بهم في الضواحي، وانعزالهم داخل مؤسسات تعليمية معينة، كما سعى بعضهم في الوقت ذاته إلى تولي أدوار قيادية وسياسية بغرض التأثير في المجتمع العلماني وبثّ القيم الدينية داخله.

وفي حين يرى البعض أن حرب يونيو/حزيران 1967 ونتائجها كانت سببا في تعاظم قوة التيار الديني، حيث تعالت إثرها الأصوات المنادية بفرض القوة والتمسك بأرض إسرائيل، ثمة رأي آخر يَعتبر ثمانينيات القرن الماضي فترة بروز التيار الديني المتشدد داخل إسرائيل، حين بدأ الحريديون في محاولة فرض معتقداتهم المتشددة، عبر نزع اللوحات الإعلانية المُخلّة بالآداب العامة، واستخدام القوة لغلق الشوارع خلال صلوات السبت وفي المناسبات الدينية.

ولاستعراض الصورة الأوسع، فلا يمكن أن نختزل التيار المتشدد داخل طائفة واحدة فقط، حيث ينقسم هؤلاء بشكل عميق إلى تصنيفات متباينة، ويتوزعون فكريا بين حريديين متزمتين ومحافظين على التقاليد، علاوة على إصلاحيين أو متدينين فقط، كما تسهم التأثيرات العِرقية في تعزيز حالة الانقسام داخل إطار التشدد الديني، إذ تشير الدراسات إلى أن علاقات القُربى والأصل الجغرافي تُمثِّل رابطا أوثق من التشابه في الفكر الديني بين هؤلاء.

إعلان

وبشكلٍ مماثل، ينقسم الجمهور العلماني إلى طبقات متعددة، مما يعني أنه لا توجد صورة تبسيطية للوضع المعقد والمتداخل للنزاع الفكري والديني داخل إسرائيل.

ورغم أن استطلاعات الرأي التي أُجريت في التسعينيات من القرن الماضي كانت تشير إلى تقسيم الجمهور الإسرائيلي إلى 4 فئات، بحسب تعريفه نفسه، وكانت النسبة الغالبة آنذاك لصالح العلمانيين الذين احتلوا الصدارة بنسبة 52%، مقابل 48% لمجموع الجمهور المتدين، فإن السنوات الأخيرة شهدت تصاعد أحزاب أقصى اليمين، ومحاولتها جرّ إسرائيل إلى ممارسة عنف متزايد، بما يضع الدولة برُمَّتها في قبضة التطرف، وللمفارقة، فهي قبضة تُكِنُّ بالأساس احتقارا وعداءً للدولة، وترى في الصهيونية كُفرا لا يمكن التعايش معه.

لكن اتجاه التحليل السابق لا يقود لنتيجة ضرورية بحدوث حرب أهلية في الداخل الإسرائيلي، لكنه توصيف لمجريات الأمور التي يمكن أن تراوح مكانها بين شد وجذب بين الأطراف المتضادة دون تدحرج الأحداث لفوضى الحرب في ظل مجتمع ما زال حتى اليوم منضبطا، ولو نسبيا، في إطار الدولة الجامع.

وعلى الجهة المقابلة أيضا، فإن توصيف ما يجري وفق معطيات الميدان يضع في الحسبان سيناريوهات التصعيد في ظل مجتمع مسلح منقسم على ذاته وينحو كل يوم باتجاه مزيد من العنف، تجاه ذاته، وتجاه الآخر في ظل غياب القيادة التوافقية.

مقالات مشابهة

  • ماكرون: رفع العقوبات أمر مُلح لتحقيق مزيد من التقدم السياسي داخل سوريا
  • برلماني: توقعات صندوق النقد ستدعم جهود الدولة لتحقيق التنمية المستدامة
  • خبير عسكري: تل أبيب تنفذ حربها بدعم أمريكي لتحقيق "حلم إسرائيل الكبرى"
  • خبير عسكري: تل أبيب تنفذ حربها بدعم أمريكي لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى
  • عمر خورشيد: نقدم في «سندريلا كيوت» حب أفلاطوني أتنسى من زمان.. الكواليس مع حورية فرغلي «زي العسل».. وأقدم دور شرير لأول مرة في مسلسل «مملكة النحل»
  • بوزن نحيف.. شاهد آخر ظهور لـ إبراهيم الطوخي ملك السمين من داخل المستشفى قبل رحيله
  • محافظ أسوان: تشكيل لجنة مركزية للبت فى طلبات ملف التقنين
  • محافظ أسوان : تشكيل لجنة مركزية للبت فى طلبات تقنين الأراضي
  • هل الحرب الأهلية في إسرائيل قدر حتمي؟
  • تقرير يكشف خفايا ما جرى بين ترامب ووالتز بعد تسريب مخابراتي.. اتهمه بـالغباء