أبوبكر الديب يكتب: "ترامب" يحظر العملات الرقمية ويشجع "المشفرة"
تاريخ النشر: 24th, January 2025 GMT
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
كعادته دوما فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الأسواق قبل ساعات باصداره أمرا تنفيذيا يحظر على الاحتياطي الفدرالي تطوير أو إصدار أو ترويج عملة رقمية صادرة عن بنك مركزي ويطلب إنهاء أي عمل جار لإطلاق عملة رقمية في المستقبل، بعد أن كان الديموقراطيون بقيادة الرئيس السابق جو بايدن مؤيدون للمشروع معتقدين أنه يقدم العديد من المزايا والفرص.
يأتي ذلك في وقت يشجع بل ويروج الرئيس ترامب وعائلته للعملات المشفرة، بل ويعمل لجعل أمريكا عاصمة "الكريبتو" العالمية من خلال دمج العملات المشفرة وتقنيات "البلوكشين" في النظام الاقتصادي الأمريكي بشكل كامل.
ويسعي ترامب لتشجيع الشركات العالمية وتحفيزها على الاستثمار في قطاع العملات المشفرة عبر تقديم إعفاءات ضريبية وتحسين البنية التحتية التقنية
وفي عام 2010، جرت أول معاملة تجارية باستخدام بيتكوين، حيث اشترى مبرمج "قطعتين بيتزا" مقابل 10 آلاف بيتكوين.
وهنا نوضح الفرق بين العملات الرقمية كالدولار الرقمي، والعملات المشفرة كالبتكوين.. فالعملات الرقمية تمثل العملات المعروفة للدول، مثل الدولار ووالجنيه الاسترليني واليورو والين، وتصدرها البنوك المركزية لهذه الدول، وتتم إدارتها وضبط قيمتها من قبل الحكومات، وتستخدم هذه العملة سجلا إلكترونيا أو رمزا رقميا لتمثيل الشكل الافتراضي للعملة الورقية للدولة، ويتم إصدارها وتنظيمها من قبل السلطة النقدية المختصة، وبالتالي فهي خاضعة للتنظيم والمراقبة.. ومثل الأوراق النقدية الورقية التي تحمل رقما تسلسليا فريدا، يمكن أيضا تمييز كل وحدة من وحدات العملة الرقمية للبنك المركزي لمنع التقليد والتزييف، وتستخدم 11 منطقة بالعالم عملات رقمية تابعة لبنوك مركزية فيما لدي 21 دولة أخرى برامج تجريبية، وتستكشف 79 دولة أخرى الفكرة ومن بين الدول التي تدرس إصدار عملاتها الرقمية إنجلترا والسويد وروسيا والصين.. أما العملات المشفرة فهي تصمم بتقنية "البلوكشين" وتعتمد على التشفير والتوزيع اللامركزي والتحقق الذاتي، ولا يتم إدارتها أو ضبط قيمتها من قبل الحكومات أو البنوك المركزية وبما أنها لا تصدر من قبل أي سلطة مركزية فهي محصنة ضد تدخل الحكومات، ويتم التعدين المشفر للحصول عليها عن طريق حل معادلات محاسبية معقدة من قبل أجهزة كمبيوتر متطورة وتسخدم أيضا لإدارة إنشاء وحدات العملة الجديدة والتحكم بها.
وكما أن العملات الرقمية، تستخدم كوسيلة للتحوط ضد التقلبات الكبيرة في سوق العملات التقليدية، تستخدم "المشفرة" أيضا للتحوط ضد التقلبات في سوق العملات التقليدية وسوق الأسهم والسلع كالنفط والغاز وغيره.
واذا نجح مشروع الرئيس الأمريكي للعملات المشفرة، في تجاوز العوائق المتعلقة بالتنظيم، والتقلبات السعرية، والمنافسة الدولية، فقد تتمكن واشنطن من قيادة الثورة الرقمية الجديدة وتحقيق فوائد اقتصادية هائلة، بعض الشركات بدأت تقبل الدفع بالعملات المشفرة وتحديدا بالبتكوين أبرزها تسلا.
وفي خطوة كانت متوقعة، حول تدخل ترامب في السياسات النقدية لمجلس الاحتياطي الاتحادي، وقبل 5 أيام من أول اجتماع للمركزي الأمريكي بعد تنصيبه رئيسا، قال خلال كلمته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا أمس الخميس: إنه سيطلب خفض سعر الفائدة على الفور وإن على الدول الأخرى أن تحذو حذوه.
وفي وقت سابق، كشفت وزيرة المالية الهندية نيرمالا سيثارامان، عن محادثات على مستوى دولي تجري لتدشين نظام عمل عالمي لتنظيم سوق العملات المشفرة "الكريبتو"، مضيفة أن عدم التوصل لآلية عمل عالمية لسوق العملات المشفرة، سيدفع لزيادة المخاطر المالية التي يواجهها الاقتصاد العالمي، وإن تعاون جميع الدول لتدشين نظام عمل دولي مهم لتنظيم سوق الكريبتو، وشددت علي أنه بصفة الهند رئيس الدورة الحالية لمجموعة العشرين فقد وضعت مجموعة من المقترحات والقواعد لغرض النقاش مع بقية الأعضاء لتنظيم هذه السوق، ورأت أن التطورات التكنولوجية في الصناعة المالية تحتم على الشركات العاملة في هذا المجال، زيادة الاستثمار في الأمن السيبراني وأن الثقة مهمة للغاية في هذه الصناعة.
ولدي الحكومة البريطانية خطط لتنظيم النشاط في سوق العملات المشفرة ووفقا لمقترحات الحكومة سيكون تنظيم سوق العملات المشفرة ضمن هيئة الممارسات المالية.. ومن جهة أخري، تحاول عدد من الدول السيطرة على ظاهرة العملات المشفرة من خلال منع التعامل بها وتجريمها، أو إصدار عملات رقمية مركزية تمثل عملتها المحلية، لتأكيد سياداتها في إصدار النقود، ومواجهة الاحتيال وتبييض الأموال.
ويقول المؤيدون لإصدار دولار رقمي بالولايات المتحدة الأمريكية على أنه طريقة للمحافظة على الريادة المالية العالمية، مع زيادة تسهيل المعاملات وكفاءتها وشمولها، فيما يري المعارضون، ومنهم الجمهوريون والقوى الفاعلة بوول ستريت، أن إصدار دولار رقمي قد يخل بالتوازن في النظام المصرفي.
المصدر: البوابة نيوز
كلمات دلالية: سوق العملات المشفرة العملات الرقمیة من قبل
إقرأ أيضاً:
ترامب يقسِّم الغرب إلى نصفين
ياروسلاف كويش ـ كارولينا ويجورا
يبدو المسرح العالمي مختلفًا تمام الاختلاف عن أي بلد صغير، فقد تقوم القوى العالمية الكبرى بتحريك التحولات الجيوسياسية الجذرية، لكن كان على اللاعبين الآخرين دائما أن يوجدوا طريقة للبقاء في الفجوات الناجمة عن هذه التحولات.
في غضون شهرين، هدّدت إدارة ترامب حلفاءها بالتعريفات الجمركية والحروب التجارية، وفككت هيئة المساعدات الخارجية، وأخرست إذاعة صوت أمريكا. ورأينا الرئيس ترامب يوبخ رئيس أوكرانيا في المكتب البيضاوي، ويحجب المساعدات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية. ورأينا أمريكا تنضم إلى روسيا وكوريا الشمالية وبيلاروسيا في معارضة قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة يطالب روسيا بسحب قواتها فورا من أوكرانيا، وتعامل الرئيس ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوصفه شريكا موثوقا يمكن النقاش معه.
تتضح لنا الآن ملامح عقيدة ترامب في السياسة الخارجية، على الأقل في خطوطها العريضة. إذ تسعى أمريكا في عهد ترامب إلى قيادة عالم تستحوذ فيه القوى النووية العظمى على ما تستطيع الاستحواذ عليه. فهي تختار مجالات نفوذها، وحجم أراضيها، وشكل حدودها. وقد نفهم نهج الرئيس ترامب تجاه القوى الكبرى الأخرى باعتباره قائما على الصفقات أو الواقعية. أما بالنسبة للعديد من البلاد الديمقراطية الأصغر في أوروبا الشرقية وجنوب وشرق آسيا، التي ربطت مصيرها لعقود بأمريكا ظنا منها بأن أمريكا ستمكنها من الاستمرار في الوجود قرب حدود روسيا أو الصين، فإن عقيدة ترامب في السياسة الخارجية هي الخيانة.
منذ سقوط الشيوعية، تكيفت العديد من الدول الصغيرة ومتوسطة الحجم في أوروبا الشرقية، ومنها دول البلطيق وجمهورية التشيك وبولندا والمجر، لكي تلبي المعايير الصارمة للديمقراطية الليبرالية. فكتبت هذه البلاد دساتيرها وعدّلتها، وأضفت طابعا ديمقراطيا على الحياة السياسية، وأنشأت اقتصادات السوق، ووقعت اتفاقيات تجارية. بل إن البعض منها وافق على إنشاء قواعد عسكرية أمريكية أو سجون سرية لوكالة المخابرات المركزية. وانضمت جمهورية التشيك وبولندا والمجر إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1999 وتبعتها دول أخرى لاحقا. وكان هذا التكيف منقوصا وغير متوازن ـ وانظروا على سبيل المثال إلى «الديمقراطية غير الليبرالية» التي انتهجها رئيس الوزراء فيكتور أوربان في المجر، وحكم حزب القانون والعدالة القومي الشعبوي في بولندا لمدة ثماني سنوات، والذي لم ينته إلا عام 2023ـ ولكن الاتجاه العام للمسار بدا واضحا على الدوام: وهو أن الديمقراطيات الصغيرة في أوروبا الشرقية سوف تحدِّث أنفسها وترسي دعائم الديمقراطية، ومن خلال بناء أقوى الروابط الممكنة مع القوة العظمى الديمقراطية الأولى في العالم، سوف تصبح أكثر ثراء وأمنا. (ومع مراعاة الاختلافات، يمكن قول الشيء نفسه تقريبا عن كوريا الجنوبية وتايوان في حالة آسيا).
تطلّب هذا الإيمان بفكرة الغرب قدرا من النسيان الدبلوماسي للخيانات السابقة. فقد ردّ رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين على ضم ألمانيا النازية لمنطقة السوديت التابعة لتشيكوسلوفاكيا عام 1938 بقوله: إن ذلك جزء من «شجار في بلد بعيد، بين شعوب لا نعرف عنها شيئا». وفي ثلاثينيات القرن العشرين، بدا من السهل على تشامبرلين أن يتجاهل استيلاء دولة شمولية على أراض تابعة لدولة ديمقراطية، لكن تلك الدول لم تنس ذلك قط. والعديد من الدول الصغيرة تحمل ندوب خيانة اجتماع يالطا عام 1945، حين قرر قادة القوى العظمى مصير تلك الدول دون مشاورتها، فمزقت إعادة ترسيم الحدود شمل عائلات.
لقد زجّ مؤتمر يالطا بأوروبا الشرقية في أتون عقود من القسوة وراء الستار الحديدي. ولكن في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وبعد سقوط الشيوعية، اختارت الديمقراطيات الناشئة أن تؤمن مجددا بأن الارتباط بالغرب ـ وقد أعيد صقل صورته على نحو مشرق ـ سيجلب الحرية والثروة والاستقرار.
والآن، انقسمت فكرة الغرب هذه إلى نصفين. نصف ينتمي إلى الرئيس ترامب وغيره من الشعبويين المفترسين. والنصف الآخر يتألف ممن لا يزالون يؤمنون بالديمقراطية الليبرالية، واحترام الاتفاقيات الدولية، وحق الأمم في تقرير المصير.
في الوقت الراهن، نرى أن الدول الصغيرة التي علقت مصيرها بأمريكا تجد نفسها في فخ جيوسياسي. فبالنسبة لأوكرانيا على وجه الخصوص، أثارت كلمات الرئيس ترامب وأفعاله ما يشبه الذعر الوجودي. لكن بقية جيران روسيا المباشرين بحاجة إلى خطة جديدة أيضا تتمثل في تحالفات القيم الديمقراطية.
يبدو الاتحاد الأوروبي أساسيا في هذا الجهد. فبالنسبة للبلاد الأعضاء في الاتحاد بالفعل، ومنها بولندا وليتوانيا ولاتفيا ورومانيا وإستونيا، تبدو كيفية المضي قدما مسألة أبسط. ويمثل الاتحاد الأوروبي أيضا طموحا للدول التي لم تنضم إليه بعد، ولكنها مرشحة للانضمام. وكما كان الحال في التسعينيات، سوف يتطلب التكامل بعض التكيف والتغيير – وقد يكون ذلك أولا في الإنفاق العسكري، إذ يشرع الاتحاد في خطة لإنفاق مئات المليارات لإعادة تسليح القارة. (وفي هذا تمثل بولندا نموذجا يحتذى به).
ولكن أوروبا ليست سوى جزء من الحل لسياسة ترامب الخارجية القائمة على الخيانة. إذ لا تستطيع بلاد من قبيل كندا وكوريا الجنوبية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها ستظل تسعى إلى تحالفات أمنية مع الدول التي لا تزال تشاركها في القيم الديمقراطية، وتقترب كندا بالفعل، إذ تجري محادثات للانضمام إلى التوسع العسكري للاتحاد.
إننا نعيش نهاية فصل. لكن في تحالفات الأمن والقيم، سيكون هناك فصل آخر: وقد يبدو الأمر غريبا، لكن لعلنا نشهد للمرة الأولى في التاريخ وجود غربين بدلا من غرب واحد.
ياروسلاف كويش مؤلف كتاب «سياسات بولندا الجديدة: حالة سيادة ما بعد الصدمة»، ورئيس تحرير مجلة «كولتورا ليبرالنا» الأسبوعية البولندية.
كارولينا ويجورا أستاذة في جامعة وارسو. وهما باحثان مشاركان في كلية أكسفورد للدراسات العالمية والإقليمية، وزميلان بارزان في مركز الحداثة الليبرالية في برلين.