الإفتاء توضح فضل المصافحة بين الناس عند كل لقاء .. هذا ثوابها
تاريخ النشر: 20th, August 2023 GMT
قالت دار الإفتاء إن من المقرر شرعًا أنَّ المصافحة من الأفعال المسنونة التي تُغفر بها الذنوب، وتُحَط بها الأوزار؛ فعن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا» أخرجه أحمد في "المسند"، وأبو داود والترمذي وابن ماجه في "السنن"، وابن أبي شيبة في "المصنف".
وأضافت الدار : عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا لَقِيَ الْمُؤْمِنَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَصَافَحَهُ، تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا كَمَا يَتَنَاثَرُ وَرَقُ الشَّجَرِ» أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"، وابن شاهين في "الترغيب"، والمنذري في "الترغيب والترهيب"، وقال بعده: "رواه الطبراني في الأوسط، ورواته لا أعلم فيهم مجروحًا".
وتابعت: من ذلك ما أخرجه الإمام مالك في "الموطأ" من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا، وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ» ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَسَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَتَصَافَحَا كَانَ أَحِبَّهُمَا إِلَى اللهِ تَعَالَى أَحْسَنُهُمَا بِشْرًا لِصَاحِبِهِ» أخرجه الإمام البيهقي في "شعب الإيمان".
فهذه الأدلة بمجموعها تدل على مشروعية المصافحة والحث عليها، وعلى ذلك جمهور العلماء سلفًا وخلفًا:
قال الإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (8/ 292، ط. دار الكتب العلمية): [على جواز المصافحة جماعة العلماء من السلف والخلف، ما أعلم بينهم في ذلك خلافًا] اهـ.
وأكملت: هذه الأدلة وغيرها من النصوص جاءت مطلقة، ومن المقرر في علم الأصول أنَّ الأمر المطلق يقتضي العموم البدلي في الأشخاص والأحوال والأزمنة والأمكنة، وإذا شرع الله تعالى أمرًا على جهة العموم أو الإطلاق فإنه يؤخذ على عمومه وسعته، ولا يصح تخصيصه ولا تقييده بوجه دون وجه إلا بدليل، وإلا كان ذلك بابًا من أبواب الابتداع في الدين بتضييق ما وسَّعَه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأوضحت أن فِعْلَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبعض أفراد العموم الشمولي أو البدلي ليس مخصصًا للعموم ولا مقيدًا للإطلاق ما دام أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يَنْهَ عما عداه، وهذا هو الذي يعبر عنه الأصوليون بقولهم: الترك ليس بحجة؛ أي أن ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمرٍ ما لا يستلزم منه عدم جواز فعله.
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: دار الإفتاء الإفتاء النبی صلى الله علیه وآله وسلم
إقرأ أيضاً:
تأملات قرآنية
#تأملات_قرآنية
د. #هاشم_غرايبه
يقول تعالى في الآية 101 من سورة المائدة:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ”.
تتلمذ الصحابة على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذبهم بما أوحى إليه الله أرفع تهذيب، فتعلموا أن لا يسألوه أمرا حتى يحدث لهم منه ذكرا، ولا يطلبوا منه تفسيرا لآية أنزلها الله أو فعلاً فعله أو حديثاً تحدث به، إن لم يفعل، لم يكن ذلك من أدبهم معه فحسب، بل من فهم لمعنى هذه الآية وغيرها التي بينت أحوال الأمم التي نزلت عليها الرسالات السابقة وكانوا يسألون نبيهم أمورا لم يبينها لهم ويجادلونه في ما شرع لهم.
جاءت بعد الصحابة أجيال متعاقبة، وتطورت ظروف الحياة وتوسعت مدارك الناس، مما لزمه التوسع في الفقه والإجتهاد، ومع أن أصول العقيدة والعبادات ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم مسبقا الى هذا الأمر وحذر من الزيادة او الإنقاص فيهما (البدع)، إلا أن كثيرين توسعوا في التفسير والتأويل، وأسسوا مدارس وفرق متباينة في اجتهاداتها، ولما كان قد صاحب هذه الفترة خلافات على السلطة فقد استغل الفرقاء السياسيون هذه الإختلافات لتعزيز مواقفهم، فتحول الإختلاف الإجتهادي الى تخندق سياسي.
لم يتوقف الأمر عند افتراق بعض المذاهب عن المنهج القويم المستند الى الكتاب والسنة، بل تعداه الى الخلاف الذي جرى داخل المنهج ذاته، بسبب التشدد والمغالاة الذي برره متبعوه بالخوف على الثوابت من الضياع، فأكثروا من المحظورات وتوسعوا في المحرمات، ظنا منهم أن ذلك زيادة في التدين، متخذين شعارهم : “إن السلف الصالح كانوا يتركون تسعة أعشار الحلال خوفا من الحرام”.
طبعا هذا يناقض مراد الشرع، فإتيان ما أحل الله لا يقل أهمية ولا التزاما بطاعته عن اجتناب ما حرّمه: “قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ”.
المبدأ الشرعي: “إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ”، فاتقاء الشبهات يأتي من باب الحرص والحذر من الإقتراب من الحرام، ولا يمكن أن يكون بتحريم ما أحل الله، لأن ذلك مزاودة على الشارع الحكيم.
إن الله تعالى قد حرّم أمورا حددها بالإسم، لا يحق لأحد من البشر الزيادة عليها ولا إنقاصها، وكل ماعداها مباح أو حلال، كما سكت عن أمور كثيرة، ليس نسيانا أو غفلة عنها، وحاشاه ذلك، فهو جل وعلا لا يضل ولا ينسى، وإنما عن رحمة بالناس وحتى لا يُحمّلهم ما لا يطيقون.
مما سكت الله عنه، وتركه للناس حسب ظروفهم لكن ضمن الضوابط الشرعية العامة، اختيار النظام السياسي ونمط المعيشة واللباس والعمل.
وكان التطبيق الأول للحكم في الدولة الراشدية ليس وحيا إلهيا، بل ترك الله اختياره لحكمة رسوله الكريم التي حباه تعالى، ليكون ذلك قدوة للمسلمين في قادم الزمان من فهم ضرورات ذلك الزمان ومتطلباته، لذلك لم ينزله الله تشريعا ولا قالبا ملزما للمستقبل، فمصالح الناس ستتطور وتتعدد، وإدارة شؤون الدولة توسعت، لذلك لا يعقل أن يستنسخ ذلك لكل الأزمان القادمة، فلكل عصر فقهه وتطبيقاته.
وتنطبق هذه القاعدة على كل ما سكت الله عنه أيضا، فلم ينزل به قرآنا، مثل هيئة الناس ونمط المعيشة واللباس واتخاذ وسائل الكسب بالعمل المشروع..الخ.
هكذا يتضح لنا أن الفهم الصحيح لكتاب الله والإلتزام الدقيق بما جاء به بلا تفريط ولا إفراط، هو الذي يبعد عنا تفرقة الفرق والمذاهب، ويجنبنا شرور المتطرفين والمفرطين، وبذلك نرتقي الى ما أراده لنا الدين.
لعل ما سبق يجيب على معارضي قيام دولة إسلامية، المتسائلين: أي إسلام تريدونا أن نطبق.
فالإسلام ليس نماذج متعددة، بل هو كيان واحد، سياسي اقتصادي اجتماعي متكامل، جميعه مدون في كتاب الله، ولاستيعابه يستنار بالتطبيق الإداري النبوي في الدولة الإسلامية الأولى التي أنشأها النبي صلى الله عليه وسلم، وفق حكمته، لتكون نموذجا يحتذى به، وليست قالبا جامدا يستنسخ، بل متروكا لاجتهادات الأزمنة القادمة.