انتصرت غزة.. وانهزمت حكومات العرب..!!
تاريخ النشر: 21st, January 2025 GMT
انتصرت غزة.. انتصرت بصمودها الأسطوري.. انتصرت باستهزائها بالموت في سبل الله والوطن.. انتصرت لأنها غيرت كل المعادلات الخاصة بحق الشعب الفلسطيني.. انتصرت لأنها كشفت للعالم انحطاط الآلة العسكرية الصهيونية.. انتصرت لأنها لم تبال بالموت، ولأن أطفالها باتوا كلهم مشروع التحرير القادم..
انتصرت غزة رغم أنوف الحاقدين والكارهين، فأهداف العدوان التي وضعها نتنياهو وعصابته النازية لم يتحقق منها شيء سوى قتل الأطفال والنساء، ولم تنتصر فقط في كسر العدوان الصهيوني، بل في كسر طموحات بعض الحكومات العربية في إنهاء حركة حماس والقضاء على المقاومة؛ فقد تمنت بعض الزعامات المرتهنة أن تغيب حماس من الوجود، وأعطى هؤلاء فرصة مئة يوم للعدو لإنهاء حماس، فمر اليوم إثر اليوم، والمقاومة لا تزال تقاتل فتدمر الآليات وتقتل جنود العدو حتى آخر يوم من العدوان، غير آبهة بالموت والدمار، وباختصار، انتصرت غزة لأنها لم ترفع الراية البيضاء، وظلت رايتها حمراء حتى اللحظة الأخيرة.
وانتصرت غزة لأنها بعثرت مفاصل الحكم في الكيان المحتل، وأججت الصراعات والمناكفات، بل والعداوات بين أركان سلطات الاحتلال، وربما تصل حدة الخلافات داخل المنظومة السياسية والعسكرية والمجتمعية حد الحرب الأهلية أو ما يقترب منها. ولأنها ستأخذ بالمجرم النازي نتنياهو إلى السجن، جراء المحاكمات التي جمدها العدوان؛ فقد تعمد نتنياهو إطالة أمد الحرب حتى يهرب من السجن المتوقع أن يدخله آجلا لا عاجلا؛ ذلك أنه، تعمد نتنياهو إطالة أمد الحرب حتى يهرب من السجن المتوقع أن يدخله آجلا لا عاجلا؛ ذلك أنه، انتصارا لنفسه، دمر بنية المجتمع الصهيوني المتهالك أصلا، وتسبب في قتل المئات وجرح الآلاف من الجنود الصهاينة، ناهيك عن الأسرى لدى المقاومة الذين تم قتلهم مباشرة أو من خلال القصف العشوائي، وما ذلك إلا ليحافظ على الائتلاف الحاكم بزعامته، ولكي يطيل أمد هروبه من السجنانتصارا لنفسه، دمر بنية المجتمع الصهيوني المتهالك أصلا، وتسبب في قتل المئات وجرح الآلاف من الجنود الصهاينة، ناهيك عن الأسرى لدى المقاومة الذين تم قتلهم مباشرة أو من خلال القصف العشوائي، وما ذلك إلا ليحافظ على الائتلاف الحاكم بزعامته، ولكي يطيل أمد هروبه من السجن.
لقد بات نتنياهو منبوذا من قبل أعداد كبيرة من الشعب اليهودي، بعد أن دمر البنية الاجتماعية، وحطم الاقتصاد، وتسبب في هجرة مئات الآلاف من مستوطنات غلاف غزة وشمال فلسطين أو خارج حدود الكيان المصطنع، وبات هو وأركان حكومته وعدد كبير من ضباط وجنود الاحتلال مطلوبين للمحاكم الدولية بصفتهم مجرمي حرب، وهو ما جعل من الكيان المحتل كيانا منبوذا على كل المستويات الشعبية الرسمية في شتى أنحاء العالم.
إلى ذلك، فقد قضت غزة على سنوات من الخداع التي مارسها العدو على شعوب العالم من خلال آلته الإعلامية الضخمة والرشاوى التي كان يقدمها للإعلاميين والسياسيين في الولايات المتحدة وأوروبا، على وجه الخصوص؛ فقد أصبحت السردية الصهيونية أثرا بعد عين، وفهم العالم كله بأن الكيان المحتل لا يعدو كونه استعمارا فاشيا مجرما يقتل الأطفال والنساء بلا رحمة أو هوادة، ويدمر مجتمعا بأكمله بآلته العسكرية المتفوقة المدعومة من الولايات المتحدة، وبعض دول أوروبا، كبريطانيا وألمانيا وفرنسا بشكل أساسي.
صحيح أن قوات الاحتلال استطاعت أن تدمر قطاع غزة، وتجعله غير قابل للحياة، بعد أن دمرت نحو 65 في المئة من المساكن والمنشآت الصحية والمدارس والجامعات، وصحيح أنها تسببت في استشهاد نحو 47 ألف مواطن غزي، وأصابت نحو 100 ألف منهم، وقتلت كبار القادة السياسيين والعسكريين، وفي مقدمتهم إسماعيل هنية، ويحيى السنوار، وصالح العاروروي، وتسببت في عاهات دائمة لكثير من المصابين، إلا أنه على الرغم من المأساة الإنسانية العميقة التي عاشها ويعيشها شعب غزة اليوم؛ فشلت في تدمير الروح المعنوية للشعب الفلسطيني، وفشلت في القضاء على المقاومة، وفشلت في حلم "اليوم التالي للمعركة"، حيث كانت تمنّي نفسها بتسليم غزة لمصر أو أن تبقى فيها وتحكمها، بعد أن تجهز على المقاومة التي كانت مستعدة لكل الاحتمالات بما فيها هذه الحرب النازية،حجم الخسائر ليس المقياس في الهزيمة أو النصر، بقدر ما هو تحقيق أهداف كل من طرفي المعركة؛ فالتطلع إلى المستقبل البعيد لما بعد المعركة هو المقياس الحقيقي الذي يكاد يكون المقياس الوحيد، فمطلوب ممن يبدي رأيه في مسألة النصر والهزيمة أن ينظر نظرة كلية شاملة لا تُسقط المأساة الاجتماعية الغزية في بؤرتها ولكن لم يفت في عضض الغزيين اغتيال قادتهم، ولم يمنعهم هذا الفقد الكبير الموجع من الاستمرار في المواجهة، ولم يدفعهم للاستسلام، بل استمرت المواجهات بذات الوتيرة، رغم الألم والحزن، إلى أن اضطر المجرم نتنياهو أمام الضغوط الدولية والمحلية إلى أن يوقف العدوان مجبرا، وهو يرتجف من القادم الحتمي الذي سيجره إلى ويلات ظل يفكر بها طوال الوقت..
ومن المفهوم بالضرورة أن حجم الخسائر ليس المقياس في الهزيمة أو النصر، بقدر ما هو تحقيق أهداف كل من طرفي المعركة؛ فالتطلع إلى المستقبل البعيد لما بعد المعركة هو المقياس الحقيقي الذي يكاد يكون المقياس الوحيد، فمطلوب ممن يبدي رأيه في مسألة النصر والهزيمة أن ينظر نظرة كلية شاملة لا تُسقط المأساة الاجتماعية الغزية في بؤرتها، وإلا كان قاصر النظر، غير قادر على التحليل والفهم؛ ذلك أن نتائج الحرب كانت كالتالي:
- في الجانب الغزي: موت ودمار وجراح لن تندمل سريعا.
- وفي الجانب الصهيوني: موت وجراح ودمار أقل بكثير مما كان في قطاع غزة، لكن لحقه كل ما ذكرنا من خسارات معنوية وتأجج الخلافات الداخلية وافتضاح السردية الصهيونية، وعدم تحقيق أي من الأهداف..
وعليه، فإن الهزيمة الحقيقة لحقت بالكيان المحتل، ويكفي المقاومة فخرا أنها استطاعت أن تسقط القدرات العسكرية ومقومات الأمن القومي الإسرائيلي، لا سيما حين قامت المقاومة بالدخول إلى غلاف غزة وأسر أكثر من 1000 صهيوني، وقتل عدد من كبار ضباطه.
إن الحديث في هذا الشأن يحتاج الكثير من الصفحات، وربما أقوم بمتابعة الموضوع إذا قدر الله.. ونبارك لشعبنا وأهلنا في قطاع غزة النصر والصبر، والقادم أجمل بإذن الله، حين نصلي في القدس الشريف، وما ذلك على الله ببعيد..
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه غزة الفلسطيني الهزيمة النصر فلسطين غزة هزيمة نصر مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الکیان المحتل انتصرت غزة من السجن
إقرأ أيضاً:
العنصرية عند العرب
بدر بن خميس الظفري
waladjameel@
"يا أيها الناسُ! إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإن أباكم واحدٌ، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمرَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ إلا بالتقوى. إنَّ أكرمَكم عند اللهِ أتقاكُم"، بهذه العبارة الواضحة والقاطعة، وضع النبي محمد ﷺ الأساس الأخلاقي والاجتماعي لمجتمع عادل، يرفض التمييز على أساس العرق أو النسب أو اللون.
ومع ذلك، فإن الواقع العربي يُظهر مسافة شاسعة بين هذا المبدأ النبوي وبين ما تعيشه المجتمعات العربية من ممارسات عنصرية متجذرة، تتخذ أشكالًا متجددة تارة، وتُغلّف بمبررات دينية أو عرفية تارة أخرى.
العنصرية في السياق العربي ليست ظاهرة جديدة أو مرضًا عرضيًا مؤقتًا، وإنما هي سلوك موروث يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، ويُعيد إنتاج نفسه في مؤسسات الدولة والمجتمع، بداية من التوظيف ومرورًا بقضيّة الزواج إلى التعليم والإعلام.
ورغم وضوح النصوص الدينية والمبادئ الإنسانية، فإن العصبية القبلية والطبقية بقيت فاعلة في المجتمعات العربيّة، تخترق بنية الوعي العام، وتُسهم في بناء هرم اجتماعي غير عادل، يُقيّمُ فيه الناس على أساس أنسابهم لا على كفاءاتهم.
تعود الجذور التاريخية لهذا السلوك إلى ما قبل الإسلام، حين كانت القبيلة في العصر الجاهلي هي مرجعية الإنسان وهويته ودرع حمايته. وقيمة الفرد آنذاك كانت تُقاس بانتمائه القبلي لا بمواهبه التي يملكها. وقد جاء الإسلام ليقلب هذه المعادلة، فأعاد تعريف القيمة الإنسانية على أساس التقوى. لكن القيم لا تمحو في لحظة ما تراكم في النفوس عبر قرون؛ فحتى بعد مجيء الإسلام، بقيت العصبية تتسلل عبر الأعراف، وتُستدعى في اللحظات الحرجة، لتعيد رسم حدود الانتماء والاصطفاء.
من أبرز تجليات العنصرية العربية الحديثة هي التمايز في الزواج على أساس "تكافؤ النسب"، وهو تعبير جاهلي أعيد تدويره بمنطق ديني مغلوط. وحالات فسخ عقود الزواج لهذا السبب لا تزال تُسجل في المحاكم، لا في بيئات قبلية فحسب؛ بل حتى في مجتمعات حضرية وتعليمية، يقطنها متعلمون يحملون شهادات عُليا، ويتقلدون مناصب عالية في الدولة، وكأنما النسب أصبح معيارًا للكرامة، في تجاهلٍ تامٍ لما ورد في نصوص الشرع من تقديم للدين والخُلق على الأصل والمال.
كذلك تُمارَس العنصرية في سوق العمل؛ حيث تهيمن الواسطة والمحسوبية، ويُفضل "ابن القبيلة" أو "ابن العائلة" في التعيينات، بصرف النظر عن الكفاءة. ويعكس هذا النمط خللًا إداريًا يُشير إلى ثقافة اجتماعية عميقة لا تزال تُقدّم الولاء للعشيرة على الولاء للوطن، وتُكافئ الانتماء أكثر مما تكافئ الإنجاز. والنتيجة شعور متزايد بالظلم، وفقدان الثقة بالمؤسسات، وهدر للطاقات والكفاءات.
ولا يقف التمييز عند حدود القبيلة أو النسب؛ بل يمتد إلى لون البشرة. ففي بعض المجتمعات العربية، يُعامل ذوو البشرة الداكنة، بمن فيهم المواطنون، كمواطنين من درجة أدنى، في تراتبية لا تختلف كثيرًا عن النظام الطبقي في الهند.
وفي الخليج وشمال إفريقيا، يتعرض العُمال والمهاجرون الآسيويون والأفارقة لتعامل يومي ينطوي على دونية واضحة. هذه الممارسات لا تُبرَّر اقتصاديًا فقط، وإنما تسوَّقُ ضمن تصورات ثقافية ترى في "الآخر" شخصًا أقل قيمة لمجرد اختلافه.
اللغة كذلك كانت وسيلة لفرض الهيمنة؛ فاللغة العربية، بوصفها لغة القرآن، حظيت بمكانة خاصة. لكن هذه القداسة أُسيء توظيفها، حين تحوّلت إلى أداة للتفريق بين "العرب" و"الأعاجم"؛ حيث يُعد من لا يُجيد اللغة العربية ناقصًا في الانتماء.
وقد تجذَّر هذا التصور منذ العهد الأُمَوِي؛ إذ مُنع الموالي من تولي المناصب، واستُثني غير العرب من مواقع النفوذ، رغم إسلامهم وإخلاصهم. وهكذا رُبط الدين بالنسب، والقيادة بالأصل، في انحراف واضح عن رسالة الإسلام الشاملة.
الأنظمة السياسية العربية لم تكن بعيدة عن هذه المعادلة؛ بل أسهمت أحيانًا في تكريسها، فقد استثمرت بعض هذه الأنظمة في الولاءات القبلية لتثبيت حكمها، واعتمدت على التحالفات العائلية لتأمين شرعيتها. هذه العلاقة قوّضت فكرة المواطنة، وأعاقت بناء مجتمع مدني قائم على الحقوق والواجبات؛ فحين تكون القبيلة مصدر النفوذ، يصبح الانتماء إليها أهم من الولاء للدولة.
الخطير في الأمر أن العنصرية في العالم العربي غالبًا ما تأتي مُغلَّفة بالدين، فتخرجُ نصوص فقهية من سياقها، وتُوظف لتبرير التمييز والطبقية. بينما يتناسى مشائخ الدين بشكل متعمّد التأكيد القرآني على وحدة الأصل الإنساني، والمساواة في الكرامة، وأولوية التقوى. هذه الانتقائية في تفسير النصوص وتقديمها للجمهور تُعيد إنتاج العصبية بلبوس شرعي، وتمنحها غطاء من القداسة الزائفة، يجعل مواجهتها أكثر تعقيدًا.
وسائل الإعلام والتعليم لم تقم حتى الآن بالدور الكافي في تفكيك هذه البنى الذهنية، فالصور النمطية لا تزال تُكرر في الدراما والإعلانات. يقدَّم أصحاب البشرة الفاتحة على أنهم النموذج المثالي في الأخلاق والجمال، بينما يُحصر الآخرون، خصوصًا ذوي البشرة السمراء، في أدوار ثانوية أو دونية مثل حارس العمارة أو خادم في البيت. وفي المناهج التعليميّ، يصور العربيّ كأنه مركز العالم ومحور الكون، وتُهمّش إسهامات الشعوب غير العربية، ما يُعزز شعورًا بالتفوق العرقي تحت غطاء الهوية الثقافية.
إنّ كلمات النبي محمد ﷺ في خطبة الوداع: "يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد..." تشكلُ إعلانًا إنسانيًّا عميقًا كان سابقًا لعصره، ومطلوبًا اليوم أكثر من أي وقت مضى، فثقافتنا لا تنقصها المباديء، بقدر ما تغيب عنها الإرادة في تجسيدها واقعا عمليا. وما لم نواجه هذه التناقضات بصدق وشجاعة، سنظل نكرّر الأخطاء ذاتها، جيلًا بعد جيل، في مجتمعات تُكرم النسب وتُهين الإنسان.