لجريدة عمان:
2025-04-04@02:58:33 GMT

حِجاج النماذج

تاريخ النشر: 20th, August 2023 GMT

نشرت مؤخرا دراسة تقترح إعادة النظر في عمر الكون، وقد حظت الدراسة التي نشرت في دورية تصدرها الجمعية الفلكية الملكية بلندن بتغطية إعلامية واسعة، إذ افترضت أن عمر الكون قد يصل إلى قرابة 26.7 مليار سنة، وهو رقم مهول يقارب ضعف العمر الذي يفترضه النموذج السائد في الأوساط البحثية لعلم الكون، أي 13.8 مليار سنة تقريبا، وإذ تقترح الدراسة حل ما يبدو أنه تعارض بين الأدلة الجديدة التي زودتنا بها أحدث تكنولوجيا الرصد الفضائي وبين النموذج السائد، فإنه تجدر الإشارة إلى أن العلماء يبحثون هذا النموذج الرياضي المقترح وأن هناك من قدم بالفعل حججا علمية معارضة لنتائج تلك الدراسة، وكعادة كل نموذج فإنه يخضع لاختبار الثبات من خلال النقد والتجربة، إلا أن نشر الدراسة والتغطية الإعلامية التي حظيت بها أثار أسئلة حول موثوقية النماذج العلمية، وإلى أي مدى يمكن أن تتسم المعرفة العلمية بالثبات؟ ولكن كيف نقرأ الأمر من زاوية التفكير العلمي؟ وعلى أي أساس بنيت فرضية الدراسة؟

لنتتبع الأمر بالعودة إلى اكتشاف توسع الكون من قبل العالم ادوين هابل، وهو أحد أهم مؤسسي علم فلك ما وراء المجرة، اعتمد في اكتشافه على ما يعرف بظاهرة الانزياح نحو الأحمر، أي أن الأشعة الكهرومغناطيسية للجسم يزداد طولها الموجي في طريق ابتعادها عن الناظر ما يظهر للراصد على شكل لون أحمر، وذلك إثباتا للعمل النظري لذات الفكرة والذي نتج عن بحوث عالم الفلك جورج لومتر، وضع هابل قانونا حول العلاقة بين بعد الأجرام السماوية وسرعتها وتم تقدير المسافات التي تبتعد بها المجرات من خلال نجوم متغيرة السطوع، إلا أن ذلك التغير في سطوعها منتظم ما يجعل حساب بعدها أسهل، فكان ثابت هابل، وهو مقياس لمعدل التوسع الحالي للكون يحسب المدة الزمنية التي يحتاجها الكون ليصل إلى ما هو عليه حاليا، تغير هذا الثابت عدة مرات وفق تطور التقنيات المستخدمة، سواء وفق تحليل الأشعة الخلفية المايكرويفية للكون والتي تعتبر أحد أهم الأدلة على الانفجار العظيم، أو وفق البيانات التي رصدها التلسكوب هابل في تسعينيات القرن الماضي، أضف إلى ذلك البحث المستمر في الطاقة المظلمة التي تشكل أكبر مكون من مكونات الكون وفق النموذج السائد، ودورها بالدفع تجاه توسع الكون المتسارع، ما قدم مزيدا من التنقيح لتقديرات عمر الكون.

يمكن القول إن هذه العملية المتواصلة من إعادة النظر في الاستنتاجات بلا كلل ولا ملل وتحديثها بناءً على معلومات جديدة هي السمة التي تجعل طبيعة العلم مميزة، من حيث كونه ذاتي التصحيح، لكن الكون بتعقيده واتساعه لا يزال يتكشف شيئا فشيئا تحت مرأى العلماء، وكلما وقعت في يد الإنسان تكنولوجيا أكثر قدرة كلما اختبرت افتراضاته السابقة حول الكون من خلال تحديات جديدة، وهذا ما حدث باكتشاف نجوم ومجرات بدت وكأنها أقدم من الكون لتشكل معضلة تستدعي صقل النموذج القائم.

رصد التلسكوب الفضائي جيمس وب مجرات غابرة ولكنها كبيرة رغم أنها تشكلت بعد فترة قصيرة من الانفجار العظيم، أي ما بين 500 إلى 700 مليون عام وحسب ما يشير إلى أنها يافعة، وهذا يعني أن الوقت، وفق ما يطرحه النموذج السائد، لم يكن كافيا لتصبح على ما هي عليه، كانت تلك المجرات بعيدة لدرجة أنها لم تظهر سوى وكأنها نقاط حمراء صغيرة أي أنها فعلا تعود إلى زمن غابر من بدايات الكون، ما جعل أمر تكوّن المجرات برمته موضع تساؤل، وحفز العلماء نحو توقعات بتعديلات أو ربما تحولات محورية قادمة في النماذج السائدة، بينما رأى آخرون أن الأمر يستوجب إعادة النظر في البيانات والصور ذاتها قبل الحديث عن تعديل النماذج.

حاولت الدراسة المشار إليها في بداية المقال حل معضلة هذه البيانات الجديدة من خلال افتراض أن الكون يتوسع بمعدل أبطأ مما توقعته النماذج السابقة، فوضع مؤلف الدراسة نموذجا هجينا يجمع بين نموذج هابل وبين فرضية غير عملية وهي فرضية الضوء «المرهَق» والتي ظهرت في العقد الثالث من القرن العشرين، وتتضمن فكرة مفادها أن الضوء يفقد بتنقله الواسع عبر الفضاء طاقة ما يجعله «مرهَقا» قبل وصوله لعيني المراقب، يستتبع هذا أن تظهر الأجسام البعيدة جدا ضبابية في عيني المراقب، إلا أن صور تلسكوب جيمس ويب تظهر الأجسام الأبعد أكثر احمرارا وفق النموذج السائد ولكنها لا تظهرها ضبابية مقارنة بالأجسام الأقرب منها، ما يدل على ثغرة في تلك الفرضية التي استندت إليها الدراسة المنشورة حديثا، إضافة إلى أن الفرضية التي اعتمد عليها الباحث تعتمد فكرة الاختلافات الترابطية بين الثوابت ذات العلاقة، وهو ما ينفيه الواقع ومخرجات العلم التجريبي كما يشير عالم الفيزياء النظرية إيثان سيجل.

تكمن أهمية هذه الدراسات، وبغض النظر عن ضعف ثباتها، في أنها تُظهر وجه العلم الصحيح، من حيث إنه لا يستند إلى مجموعة ثابتة من الحقائق، بل يتجلى جماله في ديمومة عملية الاستقصاء الديناميكية والمستمرة من الاكتشاف والمراجعة، هذا بالضبط ما رأيناه من خلال مسألة تقدير عمر الكون، إذ يستعين العلماء بمنهجيات ونماذج مختلفة لتفسير الملاحظات، وبعدها تختبر الفرضيات وتقارن النتائج مع ما يعارضها من الأدلة، وحين يظهر تناقض يتحدى مخرجات فرضيات معينة أو نماذج رياضية محددة، فإن دور العلماء يتمثل في العكوف على مراجعة ما لديهم من بيانات مبتكرين نماذج أكثر ثباتا عند تجربتها وفق ملاحظاتهم ما يؤدي إلى صقل لا يحده فتح علمي مهما علا شأنه، ولا توقفه نظرية بارعة مهما ترسخت، يتسع باتساع أفق فضول البشر، وبذا يطور العلم فهمنا لتاريخ الكون.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: من خلال

إقرأ أيضاً:

دراسة إسرائيلية: ضرب إيران مصلحة أميركية

جاء في دراسة لمعهد "مسغاف" لبحوث الأمن القومي والإستراتيجي الإسرائيلي، نشرت في صحيفة معاريف اليوم، إن "الضربة العسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، أصبحت خيارًا أكثر ملاءمة للمصالح الأميركية مقارنة بالعقد الماضي".

وفي سياق التحريض الإسرائيلي المستمر على ضرب البرنامج النووي الإيراني، استعرضت الدراسة -التي أعدها زميل المعهد الباحث والخبير العسكري رافائيل بن ليفي- التحولات الكبرى في ثلاثة محاور رئيسية: استقلال الطاقة الأميركية، التحول في الموقف الصيني، والتغيرات في البيئة الإقليمية.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2إيكونوميست: ارفعوا الحصار عن سورياlist 2 of 2ترامب يفرض رسوما جمركية على جزر لا يسكنها إلا البطاريقend of list

وأشارت الدراسة إلى أن العقبة الرئيسية التي جعلت الولايات المتحدة تتردد تاريخيًا في تنفيذ أي هجوم على المنشآت النووية الإيرانية، هي التخوف من الأضرار الجسيمة على الاقتصاد الأميركي بسبب اعتماد واشنطن الكبير على النفط المستورد من منطقة الخليج، وكذلك تخوفها من اضطراب إمدادات النفط العالمية، وتأثير ذلك على الاقتصاد الأميركي.

لكن الباحث يقول، إنه مع التحول الكبير في قطاع الطاقة الأميركي الذي أصبح يعتمد على النفط الصخري، فقد أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم منذ عام 2018، ما أدى إلى تغيير هذه المعادلة جذريا.

إعلان

فبينما كانت واشنطن تستورد نحو 60% من احتياجاتها النفطية في مطلع القرن الحالي، أصبحت اليوم مصدرًا صافيًا للطاقة، مما يقلل كثيرا من تأثير أي أزمة نفطية محتملة على اقتصادها.

وفي الجانب اللوجستي، أوضحت الدراسة، أن الولايات المتحدة تمتلك اليوم خيارات أكثر مرونة للتعامل مع أي تعطيل محتمل لتدفق النفط عبر مضيق هرمز، فمن التنسيق مع المملكة العربية السعودية، يمكن تعويض أي نقص في الإمدادات عبر زيادة الإنتاج أو استخدام خطوط الأنابيب البديلة، مثل خط شرق-غرب الذي ينتهي في ميناء ينبع على البحر الأحمر، بعيدًا عن مضيق هرمز.

الموقع الصيني

وفي المحور الثاني، تناولت الدراسة التحول الكبير في الموقف الصيني تجاه إيران، فبينما كانت بكين تدعم في عام 2010 قرارات مجلس الأمن بفرض عقوبات على إيران خوفًا من أن يؤدي أي عمل عسكري إسرائيلي منفرد إلى زعزعة استقرار المنطقة، أصبحت اليوم الشريك الاقتصادي الرئيسي لطهران والمستورد الأكبر لنفطها، حيث تشتري نحو مليون برميل يوميًا (ما يعادل 15% من إجمالي واردات الصين النفطية).

وأشار التحليل إلى أن أي اضطراب في هذه الإمدادات سيكون له تأثير سلبي مباشر على الاقتصاد الصيني، خاصة في ظل التباطؤ الاقتصادي الحالي. كما أن الصين ستضطر إلى تحمل تكاليف إضافية للبحث عن مصادر بديلة للنفط، مما سيشكل ضغطًا إضافيًا على اقتصادها.

وفي المحور الثالث، ناقشت الدراسة التغيرات في البيئة الإقليمية، حيث أشارت إلى أن التطبيع الإسرائيلي مع بعض الدول العربية واتفاقيات أبراهام قد غيرت من ديناميكيات التحالفات في المنطقة.

كما أن تراجع المخاوف العربية من البرنامج النووي الإيراني يجعل من أي تحرك عسكري ضد إيران أقل خطورة من الناحية السياسية مقارنة بالماضي.

مكاسب مزعومة

وفي إطار التنافس الإستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، قدمت الدراسة تحليلًا لكيفية استفادة واشنطن من ضرب إيران على عدة مستويات، فعلى المستوى الاقتصادي ستساهم الضربة في إضعاف أحد أهم شركاء الصين الاقتصاديين في المنطقة، كما ستقلص النفوذ الصيني في الشرق الأوسط.

إعلان

أما على المستوى العسكري فسيعزز ضرب المشروع النووي الإيراني الردع الأميركي، في ظل سعي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لترتيب وقف إطلاق النار في أوكرانيا الذي يثير شكوكا لدى الصين باستعداد واشنطن لاستخدام القوة العسكرية، خصوصا في ضوء سعي الصين إلى ضم تايوان.

وترى الدراسة، أن إحدى طرق استعادة الردع الأميركي مع الترويج لوقف إطلاق النار في أوكرانيا، هي استخدام القوة في الشرق الأوسط، حيث يبدو أن أحد أسباب العملية الأميركية ضد الحوثيين، هو خلق توازن في صورتها وتوضيح، أن واشنطن مستعدة للقيام بعمل عسكري عندما تحدد مصلحة حيوية.

وتخلص الدراسة إلى أن استكمال العملية في اليمن وتوسعها لإيران، سواء من الولايات المتحدة أو من إسرائيل بدعم أميركي، هما بالضبط الخطوات التي ستعزز موقف الولايات المتحدة في المنطقة.

ويختم الباحث مقاله "إن الانتصار الإستراتيجي الأميركي في الشرق الأوسط من شأنه أن يبعث برسالة لا لبس فيها إلى الصين: تظل الولايات المتحدة القوة الأمنية الرئيسية في المنطقة، وإذا كانت مستعدة لاستخدام القوة هنا، فإنها بالتأكيد ستدافع عن تايوان".

مقالات مشابهة

  • دراسة إسرائيلية: ضرب إيران مصلحة أميركية
  • تأثير الغطس في الماء البارد على خلايا الجسم
  • في عمان والسعودية.. اكتشاف كائنات غريبة اتخذت من الرخام بيوتا
  • موعد انتهاء إجازة عيد الفطر وعودة الدراسة
  • أخشى العودة للمعاصي والذنوب بعد رمضان فماذا أفعل؟.. نصائح العلماء
  • OpenAI تواجه اتهامات خطيرة بسبب كتب O’Reilly المحمية بحقوق النشر
  • صدمة اقتصادية كبرى تنتظر العالم
  • هل أنكر المالكية صيام الست من شوال؟.. الإفتاء توضح حقيقة خلاف العلماء
  • ثورة في علم الفيزياء.. هل كل ما نعرفه عن الزمن الكوني خاطئ؟!
  • تحديات جوهرية تواجه تطور الذكاء الاصطناعي