الجزيرة:
2025-03-27@08:18:25 GMT

أخطر ما يواجه سوريا الجديدة

تاريخ النشر: 21st, January 2025 GMT

أخطر ما يواجه سوريا الجديدة

انطلقت عجلة الحياة تدريجيًا في سوريا الجديدة مع شيوع حالة من الأمن الداخلي، والبدء بالترتيبات الأمنية والاقتصادية والاتصالات السياسية داخليًا وخارجيًا؛ فاستقبلت دمشق وفودًا عربية وإسلامية وأوروبية ووفدًا أميركيًا في ظلال التأكيد على أهمية استقرار سوريا ووحدة أراضيها، واتخاذ واشنطن قرارًا بتعليق العقوبات جزئيًا على سوريا ولستة أشهر، وتوجّه الاتحاد الأوروبي لتخفيف العقوبات أيضًا بالتوازي مع مراقبة سلوك الإدارة الجديدة بقيادة أحمد الشرع.

إيجابية المواقف الإقليمية والدولية في عمومها، وفرحة الشعب السوري بحريّته، وتطلعه نحو الأفضل، لا تكفي لبسط الثقة بالمستقبل، فكل دولة في الإقليم والعالم لها أطماعها ومصالحها التي ربّما تتقاطع أو تتعارض مع مصالح الشعب السوري، هذا في الوقت الذي تولد فيه سوريا الجديدة على صفيح ساخن، وفي منطقة مضطربة وقلقة ومتحرّكة بعنف، ما يحمل في طياته تحديات جمّة أمام دمشق والإدارة الجديدة، ومن أهمها:

أولًا: انسجام المجتمع السوري وحفظ أمنه

نجحت الثورة في الوصول إلى دمشق والسيطرة على كافة الأراضي السورية دون إراقة دماء المدنيين في المدن والأرياف، كما استطاعت المزاوجة بين تسوية أوضاع منتسبي الأجهزة الأمنية والجيش، وتقويض نشاط المتمرّدين إلى اللحظة، ومع ذلك فإن ضبط الأمن يحتاج إلى جهود أمنية واستخباراتية متواصلة ومكثّفة لقطع كافة المحاولات المخلّة بالأمن الداخلي، والتي قد تنبت في المستقبل بدعم خارجي ولحسابات سياسية لا تلتقي بالضرورة مع حسابات دمشق.

إعلان

وفي هذا الإطار، فإن سوريا ما زالت تحتاج لدمج قوات "قَسَد" الكردية في الجيش الوطني الجديد، ومن الخطورة أن تبقى قوات سوريا الديمقراطية (الكردية)، رافضة للاندماج ومتمسّكة باستقلال قرارها وقواتها ومتحكّمة بالموارد النفطية والمناطق الزراعية شرق الفرات، متّكئة في ذلك على الدعم الأميركي، الذي لو استمر فإنه سيخلق أزمة سياسية أمنية اقتصادية لدمشق، وأزمة سياسية أمنية لأنقرة التي تتطلع لدمج قوات "قسد" في الجيش السوري الجديد؛ لتجنب الصدام العسكري معها، فأنقرة حذّرت على لسان وزير الخارجية هاكان فيدان (10 يناير/كانون الثاني) بأنها ستتحرك عسكريًا ضد المقاتلين الأكراد إذا لزم الأمر، مؤكّدةً أن الأمر سيتم مناقشته مع الولايات المتحدة الأميركية.

وفي قت سابق قال هاكان فيدان (7يناير/ كانون الثاني)؛ إن "الولايات المتحدة موجودة في شمال سوريا لذرائع معيّنة، لكن 80% من هذه الذرائع لم تعد موجودة"، ومن الأسلم لعلاقات أخوية مع المكوّن السوري الكردي أن يتم التفاهم داخليًا بدون تدخلات أو رهانات خارجية.

فهل تنجح التفاهمات الداخلية مع قوات "قسد"؟ وهل تنجح التفاهمات التركية الأميركية بضم تلك القوات إلى الجيش السوري، وتجنيب البلاد قتالًا متجددًا، لتدور عجلة الاستقرار والبناء؟

في ذات السياق، يحتاج المجتمع السوري أيضًا إلى استعادة الثقة بين شرائحه المختلفة؛ بين من انتصر للثورة ومن انتصر للنظام سابقًا، بين من تضرّر من النظام وفقد بيته وهجّر (12 مليون لاجئ ونازح)، ومن لم يتضرّر ممّن كان مع النظام، وحاجة المجتمع المكلوم والمتضرر إلى القصاص عدلًا من رموز ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن الفساد والجرائم التي طالت ملايين السوريين.

فالمجتمع يحتاج إلى دولة مهيبة وعادلة، ويحتاج سوريا وطنًا حرًا موحّدًا للجميع بغض النظر عن الدين والمذهب والعرق. وهذا يحتاج إلى حِكمة ورُشد، وحرية وعدالة، ومنظومة قيمية وثقافية تساهم فيها المدارس والجامعات، والإعلام، والمساجد والكنائس، والجمعيات والأطر الأهلية.

إعلان ثانيًا: النهوض بالوضع الاقتصادي

سوريا الآن دولة باقتصاد مدمّر، وبنك مركزي لا يملك سوى رصيد من الذهب والعملات الصعبة لا يتجاوز الـ 2.5 ملياردولار.

يكفي أن تتخيّل أن المواطن السوري يعيش براتب 20 دولارًا شهريًا، ويحظى بساعتين يوميًا بالكهرباء، ونسبة فقر تصل لنحو 90%، وحسب إحصائيات أوّلية، فإن عدد المنازل التي دمّرت أو تضرّرت بشكل جزئي بسبب القصف بلغ نحو 178 ألفًا، ناهيك عن التدمير في المدارس والمستشفيات والطرق والمناطق الصناعية.

هذا الأمر لا يخلق فقط تحديًا اقتصاديًا بيروقراطيًا، ولكنْ أيضًا تحديًا سياسيًا على مستويين:

الأوّل، يتعلق بالمواطن السوري الذي سيبدأ خلال أشهر في التساؤل عن مستوى التحسّن في القطاعات الاقتصادية والخدمية، وهذا سيشكل تحديًا لمصداقية وكفاءة الحكم الجديد في دمشق بقيادة أحمد الشرع. الثاني، وهو الأهم والأصعب؛ أن بعض الدول الغنية والنافذة إقليميًا ودوليًا (غير الصديقة لفكر الثورة والحرية)، قد تحاول استخدام الأزمة الاقتصادية وحاجة سوريا إلى المساعدة والإسناد لتكييفها وتدجينها مع البيئة السياسية الدائرة في فلك الولايات المتحدة الأميركية، الطرف المهيمن في المنطقة، حتى تحظى بالدعم والاعتراف، وإلا فإن تلك الدول ربما تلجأ لاستخدام الأزمة الاقتصادية المستفحلة لإثارة شرائح من الجمهور، واستخدام المتضررين من سقوط النظام السابق لمواجهة الإدارة السورية الجديدة، والخروج عليها من باب المطالبة بتحسينات اقتصادية عاجلة، يُدرك الجميع أنها تحتاج إلى سنوات من العمل الدؤوب والتضامن الدولي والإقليمي.

وهذا ربما يتطلب من الإدارة السورية الجديدة، تعميق الشراكة مع تركيا وقطر، ومد جسور التعاون مع الدول العربية الشقيقة الصديقة وطمأنتها، والتوازن في العلاقات بين الشرق والغرب الذي ما زال يمارس الاستعلاء والوصاية، وفي زيارة وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو، ووزيرة خارجية ألمانيا أنالينا بيربوك إلى دمشق (3 يناير/ كانون الثاني) إشارة لذهنية الاستعمار الثقافي والاقتصادي المليئة بالشروط والإملاءات.

إعلان ثالثًا: حرية الشعوب ونجاح النموذج

أخطر تحدٍ هو انعكاسات النجاح في بناء النموذج القائم على حرية الشعوب وإرادتها.

لا بد من الإشارة إلى أن النجاح ربما يجلب الحسد والنكاية من الفاشلين في حماية الحريات الشخصية والسياسية، والفاشلين في إدارة اقتصادهم، والفاشلين في إدارة بيروقراطية الدولة.

ليس ذلك فحسب، وإنما نجاح سوريا الجديدة بإدارة "إسلامية سُنيّة" قادرة على استيعاب الاختلافات الفكرية والمذهبية والعرقية، وإدارة دولة بحجم سوريا وموقعها الجيوسياسي، بكفاءة بعد سنوات عجاف، قد لا يعجب بعض الأنظمة التي ترى فيه تحديًا موضوعيًا لها، لأنها تخشى من محاكاة النموذج السوري المفترض نجاحه، ما يعزّز حضور التيارات الإسلامية في المشهد السياسي. وهو ما شكل سابقًا – وما زال – تحديًا لبعض الأنظمة في سنوات ما عرف بالربيع العربي.

هذه الخشية من ردة فعل بعض الأنظمة لا تقتصر على الشرق الأوسط الذي يعاني من تراجع الحريات وتقدّم الفقر والفساد، وإنّما تنسحب أيضًا على المنظومة الغربية التي ما زالت العديد من دولها تعيش ثقافة الاستعمار والوصاية على العالم الثالث، ولا تتورّع عن إشهار معاداتها للإسلاميين وحرية الشعوب العربية، وتجترح العراقيل والشروط أمام أي نظام ناشئ لترويضه، مستخدمة في ذلك عناوين برّاقة لأغراض سياسية؛ كالأقليات العرقية والدينية وحرية المرأة وحقوق الإنسان.

وهي ذاتها تلك الأنظمة الغربية التي تدعم إسرائيل المحتلة لأراضٍ سورية، وتدعم عدوانها المجنون على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة حتى التطهير العرقي والإبادة الجماعية، وتدافع عن ديمقراطية إسرائيل التي تمارس العنصرية والقهر ضد الفلسطينيين لأكثر من 75 سنة.

 رابعًا: إسرائيل المحتلة والمحور السنّي

إسرائيل التي تدّعي التحضّر، هي دولة دينية عرقية، تمارس التطهير العرقي والإبادة الجماعية، والعنصرية والكراهية ضد الفلسطينيين والأغيار.

إعلان

كيان محتل يؤمن بإسرائيل الكبرى بين النيل والفرات حتى الحدود التركية شمالًا، وأجزاء من شمال السعودية جنوبًا.

هذا الأمر لم يعد مجرد حديث ديني حبيس الكُنُس أو أساطير في عقول بعض المتطرفين اليهود، وإنما سياسة ينطق بها قادة الاحتلال الإسرائيلي أمثال وزير الاتصالات شلومو كرعي الذي قال في 29 ديسمبر/ كانون الأول من العام 2024؛ إن "أبواب القدس تنير دربنا حتى تصل أبواب دمشق" وهي ذات العبارة التي نطق بها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش في مقابلة أجراها مع برنامج فرنسي قبل عدة أشهر.

وفي السابع من هذا الشهر، نشر الموقع الرسمي لدولة إسرائيل على منصة إكس، خارطة يزعم أنها لدولة إسرائيل القديمة، تضم فلسطين وأراضي أردنية ولبنانية وسورية، مع تعليق يشير إلى حلم اليهود في الأرض الموعودة.

إسرائيل المحتلة تعاملت مع سقوط نظام الأسد، وخروج إيران من سوريا كإنجاز تاريخي لها، ولكنها في ذات الوقت تخشى من عواقب ثورة الشعب السوري، وتحالفات سوريا الجديدة.

هي تخشى من الحرية للشعب السوري، ولأي شعب عربي؛ لأنها تدرك أن مقتضيات الحرية هي الدفاع عن النفس والسيادة، كما تخشى من طبيعة النظام السوري الآخذ في التشكّل بخلفية إسلامية فتُعدّه خطرًا عليها ولو على المدى الطويل، لأن فلسطين والقدس والمسجد الأقصى هي عقيدة عند المسلمين، وهذا يتناقض مع المشروع الصهيوني الاستعماري القائم على احتلال فلسطين وتهويد القدس والأقصى، هذا ناهيك عن موقف سوريا من أراضيها المحتلة.

إضافة إلى ذلك، فإن إسرائيل المحتلة ترى في التقارب السوري التركي باعث قلق، رغم العلاقات التاريخية بين أنقرة وتل أبيب منذ العام 1949، ولكنها ومن منظور سياسي تاريخي ترى في حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس أردوغان، الذي تسلم السلطة منذ العام 2002، وريثًا للدولة العثمانية التي عارضت هجرة اليهود إلى فلسطين وقيام كيان لهم في عهد السلطان عبدالحميد.

إعلان

هذا القلق دفع وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى عقد اجتماع أمني خاص (8 يناير/ كانون الثاني 2025) بحضور وزير الخارجية غدعون ساعر، ورئيس الأركان هرتسي هاليفي، ومسؤولين كبار من وزارتي الخارجية والدفاع؛ لمناقشة توسّع النفوذ التركي، في وقت أصدر فيه مركز موشيه ديّان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة تل أبيب دراسة تحذّر من النفوذ التركي، وتدعو لوضع خطة للتعامل مع طموحات تركيا "العثمانية" التي تغيّر موازين القوى في الإقليم، ما يعرّض مصالح إسرائيل للخطر.

ولذلك فإن سوريا الجديدة تقف أمام أطماع إسرائيل في الأراضي السورية وفقًا لمنظور ديني يتغذّى على أفكار الأرض الموعودة، وأمام عداوة إسرائيل لحرية الشعوب العربية، إضافة إلى قلق إسرائيل من التقارب السوري التركي بخلفية إسلامية تتناقض، في تقديرهم، مع المشروع الصهيوني الاحتلالي.

إسرائيل لا تركن لأي طمأنات من هذا الطرف أو ذاك، فرغم علاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية التاريخية مع أنقرة، فإنها سرعان ما تنتفض قلقًا وغضبًا لردة فعل مبرّرة من تركيا تقف فيها مع الفلسطينيين إعلاميًا وإنسانيًا.

وما يزيد التحدّي أمام سوريا الجديدة أنها جسم وليد في جوار وحش اسمه إسرائيل، يتغذّى على التفوّق القاتل للضعفاء والكاره للأغيار، ويؤمن بنظرية البقاء للأقوى.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات إسرائیل المحتلة سوریا الجدیدة کانون الثانی ن السوری تخشى من تحدی ا

إقرأ أيضاً:

قراءة أولية للإعلان الدستوري في سوريا الجديدة

كثيرون هم المتربصون بالدولة السورية الجديدة، لا سيما ممن يأملون في انهيارها وهزيمة مشروعها الوطني والذي يبدو في ظاهره إسلامي لكنه معتدل.

فهناك أنظمة عربية وأخرى إقليمية تخشى المد الإسلامي المزعوم وانتقال العدوى إلى شعوبها التي رأت في التجربة السورية بارقة أمل للتخلص من أنظمة الاستبداد والديكتاتورية وقمع الحريات، وهناك على الضفة الأخرى بقايا النظام السابق الذين نصّبوا أنفسهم مدافعين عن الطائفة العلوية التي أذاقوها خلال 54 سنة من حكم الأب والابن ويلات العداء والخصومة مع باقي الطوائف، وعانت شتى صنوف الاضطهاد والقمع حتى الاعتقال في محاولة منهم لإبقائها كحاضنة تحمي لهم نفوذهم وسطوتهم واستئثارهم بالسلطة التي مضت إلى غير رجعة.

إضافة لهؤلاء، هناك تيارات قومية وماركسية وليبرالية وديمقراطية لا زالت تحمل خصومتها الأيديولوجية والفكرية مع هذه الدولة، وتعمل على شيطنتها، برغم ما أظهرته قيادة هذه الدولة حتى الآن من اعتدال واحتواء لكافة الانتقادات وصيانة واحترام لحقوق كافة المكونات السياسية والمذهبية والطائفية والعرقية التي تشكل النسيج السوري الواحد؛ من خلال عقد مؤتمر الحوار الوطني والذي أتاح لهذه المكونات -وإن جاءت مشاركتها بشكل فردي ودعوتها على عجل- التعبير عن مطالبها وطموحاتها وتطلعاتها، وكان من أبرز مخرجات هذا المؤتمر هو الإعلان الدستوري عبر لجنة شكلها الرئيس الشرع قيل إنها متجانسة عقائديا وفكريا وذات لون واحد، لكنها مستقلة وبعيدة عن أية ضغوطات أو تدخلات.

بعيدا عن الاعتراضات والانتقادات، فإن أي قراءة موضوعية لما جاء في مواد الإعلان الدستوري، نجد أنه يؤسس للشرعية الشعبية الجديدة القائمة على أسس دستورية نابعة من طموحات وأهداف الشعب السوري بكل مكوناته، وتشكل ناظما وإطارا قانونيا لحياتهم المستقبلية والحالية بعيدا عن التغول الأمني والعسكري السلطوي والذي كان آخره في دستور 2012 الذي تم إلغاؤه
بيد أن هذا الإعلان وبمجرد أن وقّعه الرئيس الشرع تعرّض إلى انتقادات من كل حدبٍ وصوب، وتركزت هذه الاعتراضات أولا على تشكيل اللجنة عددا وأفرادا وتجانسا وغيابا نوعيا لتمثيل المرأة. ثانيا، على تسمية الدولة وانتمائها العربي، وكأنها ليست عربية الانتماء منذ الأزل، فلم تعجبهم هويتها "الجمهورية العربية السورية". ثالثا، الاعتراض على طول الفترة الانتقالية التي حددت بخمس سنوات، وكأن البلاد لا تزال معافاة وسليمة من كل دمار وخراب وفساد في كافة القطاعات العسكرية والأمنية والاقتصادية والعلمية والتعليمية والاجتماعية، وكأن البلاد لم تمر بحربٍ مدمرة طيلة أربعة عشر عاما وما سبقها من فساد وخراب امتد لعقود من الزمن. رابعها، غياب التفاصيل لكثيرٍ من مواده وآليات التنفيذ تحديدا فيما يخص العدالة الانتقالية. خامسها، كما جاء في بيان "مجلس سوريا الديمقراطية" الذي يعبر عن رفض الإعلان ويصفه بأنه "يكرس الحكم المركزي ويمنح السلطة التنفيذية صلاحيات مطلقة ويقيد العمل السياسي ويجمد تشكيل الأحزاب، مما يعطل مسار التحول الديمقراطي".

وبعيدا عن الاعتراضات والانتقادات، فإن أي قراءة موضوعية لما جاء في مواد الإعلان الدستوري، نجد أنه يؤسس للشرعية الشعبية الجديدة القائمة على أسس دستورية نابعة من طموحات وأهداف الشعب السوري بكل مكوناته، وتشكل ناظما وإطارا قانونيا لحياتهم المستقبلية والحالية بعيدا عن التغول الأمني والعسكري السلطوي والذي كان آخره في دستور 2012 الذي تم إلغاؤه. ولقد شكل الإعلان الدستوري ضمانة لحرية التعبير والصحافة والمشاركة السياسية للجميع وصون لحقوق المرأة، وأكد على دولة المواطنة والحريات الديمقراطية والوحدة الوطنية والنسيج المجتمعي الواحد، مجرّما الدعوات إلى الانقسام والانفصال والفدرلة، وانتهاك سيادة الدولة بطلب التدخل الأجنبي والاعتماد على قوى خارجية. كما تضمن التأكيد على السلم الأهلي، ووحدة جغرافية الأراضي السورية.

كذلك فصل بين السلطات الثلاث؛ التشريعية والقضائية والتنفيذية، والذي كان غائبا تماما في دستور النظام السابق منذ سيطرة الأسدين على السلطة في سوريا. وبرغم أن الإعلان الدستوري أعطى لرئيس الدولة صلاحيات مثل الإعلان عن حالة الطوارئ، لكنه قيّدها أيضا بموافقة مجلس الأمن القومي ومجلس الشعب، خاصة إذا تطلب الأمر تمديدا لها.

ولقد نص الإعلان على استقلالية القضاء ومنع إنشاء محاكم استثنائية، ولم تعد هناك وصاية ولا سلطات على القضاء إلا سلطة القانون، كما أكد على العدالة الانتقالية التي يتطلع إليها كل السوريون، كمطلبٍ شعبي جاء من مخرجات مؤتمر الحوار الوطني؛ ذلك بما تضمنه هذا الأمر من إلغاء لكل القوانين والأحكام والإجراءات الاستثنائية الصادرة عن النظام البائد وإلغاء محكمة الإرهاب، وإلغاء كل الإجراءات الأمنية المتعلقة بالوثائق المدنية والعقارية، كما تم في هذا السياق تشكيل هيئة العدالة الانتقالية لتحقيق سبل المساءلة وإثبات الحقائق.

ولا بد من الإشارة هنا إلى إن اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع لا يعني أبدا إغفال المصادر الأخرى، وأن اشتراط أن يكون الرئيس مسلما هو أيضا ما جاء في مواد الدساتير السابقة.

ولقد تركزت الانتقادات لهذا الإعلان من جهة الإخوة الأكراد، وما جاء على لسان مظلوم عبدي قائد" قوات سوريا الديمقراطية" يعبر عن هذا الموقف: "إن الإعلان الدستوري يجب أن يكون توافق وطني وليس مشروعا مفروضا من طرف وأحد، وأنه يكرس الحكم المركزي ويمنح السلطة التنفيذية صلاحياتٍ مطلقة ويقيّد العمل السياسي، وغياب الآليات الواضحة للعدالة الانتقالية، ويزيد من تعميق الأزمة الوطنية". ووصفه شيخ عقل الطائفة الدرزية حكمت الهجري بأنه "إعلان الديكتاتورية"، وقال أيضا "إن الإدارة الجديدة المؤقتة بعيدة عن تلبية الطلبات الشعبية وأهداف الثورة"، الخطابات البرّاقة والخادعة والفيروسات السياسية العلمانية والقومية والماركسية، ومن "لف لفهم" في خصامها الأيديولوجي التقليدي مع الإسلاميين -سواء كانوا متشددين أو معتدلين- لن تُفلح في تمزيق وحدة النسيج السوري الفسيفسائي الحاضن للقوى التي أسقطت نظام الإبادة والمجازر والإجرام الأسدي المزدوج للأب والابنودعا في الوقت ذاته إلى إعادة صياغة الإعلان الدستوري، فيما رأى آخرون، ان هذا الإعلان سيشكل أساسا لدستورٍ دائمٍ ستعكف على وضعه لجنة سيتم تشكيلها، كما سيشكل هذا الإعلان جدولا زمنيا في الانتقال السياسي من المرحلة المؤقتة الحالية إلى استقرارٍ دائمٍ يوفر حياة آمنة سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية للسوريين بعد حقبة مليئة بالقتل والدمار وقمع الحريات والإرهاب والفساد بكل أشكاله.

ولمواجهة تعاظم التحديات التي تواجه الدولة السورية الجديدة، فإن المطلوب المحافظة على دولة المواطنة والحريات والديمقراطية لكافة مكونات الشعب الواحد، والحفاظ على النسيج المجتمعي الواحد، وهذا يستدعي من القيادة الجديدة فتح حوار هادف وموسع مع كافة الأطياف السورية، والبدء بتشكيل مجلس الشعب بصفته المسؤول عن التشريعات والمصادقة على تشكيلة الحكومة ولجان هيئة العدالة الانتقالية. ولا بد من تمثيل كافة مكونات الشعب السوري والمشاركة الواسعة لهم في الحكومة واللجان ومجلس الشعب، مما يشكل توافقا وطنيا للبدء بعملية البناء وإعادة الأعمار. كما يتطلب العمل على فتح حوار مع الأطراف الإقليمية المجاورة بما يضمن سيادة الدولة ووحدة أراضيها، والعمل على مواجهة الاحتلال الإسرائيلي للدفاع عن أراضي الدولة وسيادتها، والبدء بتصفية القواعد الأجنبية على الأراضي السورية.

إن الخطابات البرّاقة والخادعة والفيروسات السياسية العلمانية والقومية والماركسية، ومن "لف لفهم" في خصامها الأيديولوجي التقليدي مع الإسلاميين -سواء كانوا متشددين أو معتدلين- لن تُفلح في تمزيق وحدة النسيج السوري الفسيفسائي الحاضن للقوى التي أسقطت نظام الإبادة والمجازر والإجرام الأسدي المزدوج للأب والابن، وأن كافة المكونات الدينية والإثنية بما فيهم الدروز والعلويون والكرد سيعيدون تشاركيا بناء سوريا بنظام ديمقراطي بعيد عن المحاصصة الطائفية والمذهبية والمناطقية؛ ضمانا للعدالة والحرية والكرامة لكافة أبنائها بما يضع سوريا في المكانة الحضارية والتاريخية التي تليق بها بين الأمم. هذه هي مسؤولية القيادة الجديدة أمام الشعب والتاريخ، فهل ما جاء في وصف هذا الإعلان من قبل الرئيس الشرع بأنه "بداية تاريخ جديد لسوريا، حيث نستبدل الظلم بالعدل" سيتحقق؟

[email protected]

مقالات مشابهة

  • مراسلة سانا: القائم بأعمال وزارة الصحة الدكتور ماهر الشرع يفتتح مركز “‏الاستعراف السوري للطبابة الشرعية” في مبنى العيادات الشاملة بمنطقة ‏الزاهرة الجديدة بدمشق
  • شروط أمريكية على سوريا مقابل رفع جزئي للعقوبات... هل يستطيع الرئيس السوري تلبيتها؟
  • عقيدة إسرائيل الجديدة: سحق حزب الله تماماً
  • المبعوث الأممي يدعو لتحقيق شفاف في أحداث الساحل السوري ويطالب بانسحاب إسرائيل
  • المبعوث الأممي يدعو للتحقيق في أحداث الساحل السوري وانسحاب إسرائيل
  • ما هي الدول التي ستنضم إلى اتفاقيات «التطبيع» مع إسرائيل؟
  • بينها الاحتلال الشامل .. تفاصيل خطة إسرائيل الجديدة للحرب في غزة
  • قراءة أولية في الإعلان الدستوري في سوريا الجديدة
  • قراءة أولية للإعلان الدستوري في سوريا الجديدة
  • خريطة سوريا الجديدة.. 25 مطلباً من الكورد إلى الشرع (خاص)