قراءة في رسائل الاتفاق الأمريكي الإيراني بوساطة قطرية ودول أخرى
تاريخ النشر: 20th, August 2023 GMT
بعث الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير، الذي أُبرم بوساطة قطر مع سلطنة عُمان ودولة سويسرا، بعدة رسائل، فكان لزاما علينا أن نمعن النظر في خلفية ما جرى بين الدولتين لنقدِّم للقارئ الكريم قراءة متأنية فيما حدث، وكيف استطاعت الدولة الإيرانية المُحاصَرة أن تنتزع هذه المكاسب من أمريكا إمبراطور العالم وحاكمه.
فقد تواردت الأنباء عن تحشيدات وتعبئات مضادة بين أمريكا وإيران، لتفاجئنا الخارجية الإيرانية معلنة عن اتفاق متبادل بين طهران وواشنطن ينص على تبادل سجناء من الجانبين، ورفع التجميد عن ستة مليارات دولار محجوزة لدى كوريا الجنوبية لاستخدامها لأغراض إنسانية فقط كالغذاء والدواء..
ولا بد أن نشير إلى تواصل نجاحات الدبلوماسية للخارجية القطرية، تلك الدولة صغيرة المساحة قليلة السكان -كما يحلو لبعض المصابين بالنرجسية أن يصفوها!- لكنها أمست وأصبحت كبيرة الشأن في المهام الاستراتيجية واللوجستية التي تتولاها، وآخرها مهمة الوساطة شديدة التعقيد بين أمريكا وإيران.
تواصل نجاحات الدبلوماسية للخارجية القطرية، تلك الدولة صغيرة المساحة قليلة السكان -كما يحلو لبعض المصابين بالنرجسية أن يصفوها!- لكنها أمست وأصبحت كبيرة الشأن في المهام الاستراتيجية واللوجستية التي تتولاها، وآخرها مهمة الوساطة شديدة التعقيد بين أمريكا وإيران
لا يخفى على أي متابع ما استقرت عليه ثوابت السياسة الخارجية للإدارات الأمريكية خاصة من الجمهوريين، لأمريكا ولدولة الاحتلال الاسرائيلي بالتبعية؛ من التضييق على إيران والتصدي لأي محاولات للتمدد في منطقة الشرق الأوسط.
وقبل أن يختلف البعض معنا ويذكِّرُنا بما بين الدولتين من علاقات استراتيجية حميمية كان من نتائجها اقتطاع العراق من محيطه العربي والسني، وقبله كانت لبنان وسوريا وانتهاء باليمن.. أتفق مع من يقول بذلك ولا يصح عقلا ومنطقاً أن يتشكك فيه شاك، لكنني ومع اتفاقي على ذلك الطرح أقول إن الدولة الخُمينية الإمامية (دولة الملالي) استطاعت وببراعةٍ، مع فشل منقطع النظير وخيبة أمل في ممثلي دولنا العربية السنية، تدشين شراكة في غفلة منّا وفي تواطؤ فجّ من القائمين على دولنا العربية والإسلامية "السنية"!
ودعوني أسرد على حضراتكم -تفادياً للكربلائية المنتظرة!- كلمات العالم الكبير وشيخ مُنظِّري العلوم السياسية أ. د. حامد ربيع رحمه الله، وهو يقول: "الفراغ يُملأ بك أو بغيرك!".
نعم فالساحة ليست محجوزة للمترفين المصابين بالسمنة! والراقدين على آبار البترول يحلبون منها دون تعب أو مشقة ليتنعموا حتى ذقونهم بترف العيش!.. الساحة ليست محجوزة لهؤلاء فضلا عن المتآمرين منهم على قضية الأمة التي تؤمن بالله ورسوله، وتدين بالحب والتوقير لكل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام دون تفرقة (أبوبكر وعمر وعثمان وعلي)!
إيران تُحسن اللعب بما يتوفر لديها من أوراق اللعب ولا عزاء للخاملين! أهم ما يميز السياسة الخارجية الإيرانية هي بحثها الدؤوب عن أوراق ضغطٍ لتحقيق مصالحها، فقامت من أجل ذلك باحتجاز ناقلة نفط كورية جنوبية بالقرب مضيق هرمز عام 2021، واعتقلت 20 فرداً من طاقم الناقلة في محاولة منها لممارسة الضغوط من أجل إفراج سيؤول عن الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الكورية والتي تقدر بـ7 مليارات دولار.
إيران تُحسن اللعب بما يتوفر لديها من أوراق اللعب ولا عزاء للخاملين! أهم ما يميز السياسة الخارجية الإيرانية هي بحثها الدؤوب عن أوراق ضغطٍ لتحقيق مصالحها
والمتابع للسياسة الخارجية لطهران يعرف تماماً أنها لا ترفع راية الإذعان المشين، بل تجدها كصائدٍ ماكر يكمن لفريسته حتى يجد لنفسه نفاذا لسهمه فيرميه بقوة من غير تردد؛ ربما يتأخر الرد، فهذا يخضع لكثير من الحسابات أهمها هو حرص الدبلوماسية الإيرانية على تحقيق عنصر المباغتة..
وفرق كبير بين التأني الذي يسبق الضربة الموجعة وبين التراخي الذي يشي إلى الاستسلام بما تمليه عليك القوى الخارجية، ثم يجري التسويق للضعف والخذلان -حتى في القضايا المصيرية التي تمس الأمن القومي للبلاد- على أنها الحكمة العظيمة للقيادة الرشيدة!
تواصل نجاحات الدبلوماسية القطرية وأبرز المحطات التي قادت فيها الوساطة:
نجحت الوساطة القطرية في وضع نهايات سعيدة لكثير من الأزمات والمشاكل، ولم تقتصر تلك الوساطات على الشأن العربي، بل امتدت كذلك لأفريقيا وإلى نزاعات وقضايا في قارة آسيا، ومما ساعدها على النجاح وكسب ثقة الأطراف هي جديتها في مبدأ التزام الحياد بعكس الكثيرين:
1- الإفراج عن الممرضات البلغاريات اللواتي اتُهمن بالتسبب بإصابة 450 طفلا في ليبيا بفيروس إيدز، وتقديم تعويضات كبيرة للجانب الليبي، عام 2007.
2- نجاح الوساطة القطرية بين الحكومة اليمنية والحوثيين عام2008 من أجل تخفيف حدة التصعيد ووقف التوتر بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي.
الوساطة القطرية في وضع نهايات سعيدة لكثير من الأزمات والمشاكل، ولم تقتصر تلك الوساطات على الشأن العربي، بل امتدت كذلك لأفريقيا وإلى نزاعات وقضايا في قارة آسيا، ومما ساعدها على النجاح وكسب ثقة الأطراف هي جديتها في مبدأ التزام الحياد بعكس الكثيرين
3- الوثيقة النهائية للسلام في دارفور وذلك عام 2011، وقد استضافت الدوحة مراسم التوقيع بين ممثلي الحكومة السودانية وحركة "التحرير والعدالة".
4- المصالحة بين حركتي فتح وحماس ونجاح قطر في استضافة ورعاية الاتفاق بهدف تسريع وتيرة المصالحة الوطنية، وذلك في عام 2012 بالدوحة.
5- الإفراج عن 13 من الراهبات المحتجزات في شمال سوريا، وذلك مقابل إطلاق سراح أكثر من 153 معتقلة سورية في سجون النظام السوري.
6- الإفراج عن 16 من الجنود اللبنانيين لدى "جبهة النصرة" مقابل إفراج الحكومة اللبنانية عن 25 سجينا، طالبت "النصرة" بإطلاق سراحهم، بينهم 17 امرأة.
7- رعاية محادثات أمريكا مع طالبان للخروج من أفغانستان عام 2019 ومناقشة انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف من أفغانستان، فأثمر ذلك توقيع اتفاق الدوحة أواخر شباط/ فبراير 2020.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه الإيراني قطر الوساطات إيران امريكا قطر سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
مونيكا وليم تكتب: روسيا والاتفاق النووي الإيراني بين الحسابات الإستراتيجية وأوراق التفاوض الدولية
في لحظة تتسم بكثافة التحولات الجيوسياسية، تعود روسيا إلى الواجهة في ملف المباحثات النووية بين إيران والولايات المتحدة، ليس من موقع المعزول كما بدا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، بل كلاعب متوازن وبراغماتي يسعى لتوظيف التناقضات، والتقارب الظرفي مع الولايات المتحدة، الذي يعد دعامة في التغير النسبي في نبرة العلاقات منذ بداية 2025، لإعادة تموضعه في النظام الدولي. فوسط حرب غزة المتصاعدة، والمأزق الأميركي في الشرق الأوسط، تجد موسكو فرصة جديدة لتعزيز دورها في ملف لطالما تعاملت معه كمنصة استراتيجية لفرض نفسها كقوة لا يمكن تجاوزها.
وتأسيسا علي ذلك، تلعب روسيا دوراً رئيسياً في إحياء الاتفاق النووي الإيراني وذلك وفقا لما أشارت إليه عدد من الصحف والتقديرات الدولية علي غرار الجارديان لاسيما أن روسيا تطرح كوجهة محتملة لتخزين مخزون ايران من اليورانيوم وأيضا كوسيط يُحتكم إليه في حال أية خروقات محتملة من جانب ايران، وعليه فان التحليلات الدولية ترجح أن السيناريو المفترض الوصول إليه حتى يتم تلافي الوصول إلى نقطة المواجهة المسلحة خاصة في ضوء تنامي الضغط الإسرائيلي علي ترامب لضرب المنشآت النووية في إيران
لا يزال دعم روسيا لبرنامج إيران النووي مثار جدل وتساؤلات، سواء ببنائها لمفاعل بوشهر النووي، أو بتبادل اليورانيوم الخام والمخصب بين الجانبين مع التعاون ونقل الخبرة في مجال الأبحاث وتزويدها بالوقود النووي اللازم لتشغيل المفاعل فضلا عن الدعم الدبلوماسي لبرنامج إيران النووي في المحافل الدولية.
وعلي هذا الأساس، سوف تركز فحوى هذه المقالة، علي تصاعد الدور الروسي في ملف الاتفاق النووي، وكيفية استفادة موسكو من التقارب النسبي مع الولايات المتحدة لتعزيز حضورها في مسار المفاوضات، كما تتناول المقالة تحليل آليات التفاوض القائمة، واستنباط الملامح الأساسية للمسار المتوقع بناءً على التحركات الإقليمية والدولية.
قد جُددت روسيا جولات المشاورات النووية في مارس وأبريل 2025 كوسيط يمتلك أدوات التأثير على أيران، لكنه في الوقت نفسه لا يتبنى موقفًا معاديًا بالكامل للإدارة الأمريكية. فهي لا تمانع في نقل رسائل تفاوضية غير رسمية، أو اقتراح حلول فنية لكنها تربط هذا التعاون بتحقيق مكاسب مقابلة في ملفات استراتيجية أخرى.
إلا انه في خضم هذه الجهود، تبرز عقبتان رئيسيتان تعرقلان مسار التفاهم تتمثل في مسألة لابد من التوصل إلي حل بشأنها وهي مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب وآليات التنفيذ في حال إعادة فرض الولايات المتحدة للعقوبات، ومن ثم تبرز 2 سيناريوهات محتملة، أولا أعادة توطين اليورانيوم المخصب الإيراني وإرساله إلي الخارج إذ تفضّل وتصر الأدارة الأمريكية إما تدمير اليورانيوم أو نقله إلى دولة ثالثة محايدة، وروسيا مرشح رئيسي وهنا يظهر الدور الفاعل لروسيا وهو ما يفسر زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يوم 17 أبريل 2025 إلي روسيا، ومع استذكار التجارب السابقة في هذا الشأن فهذا السيناريو يتوافق مع ما حدث مع اليابان وألمانيا حين تم تفريغ البلاد وتسليمهم مخزونات نووية سواء يورانيوم مخصب أو أسلحة إلي دول محايدة.
أما السيناريو الثاني هو بقاء اليورانيوم داخل إيران مع محاولة تخفيفه، او مراقبته من قبل وكالة الطاقة الذرية من دون مفتشين أمميين وبالتالي أي حل للملف النووي في الشق المتعلق بتخصيب اليورانيوم يجب أن يتم من قبل مفتشين للوكالة الذرية
ومع تفحص الدور الروسي في ملف الاتفاق النووي الإيراني، يمكن الإشارة الي الدور الروسي في التعاون مع إيران كونها البنية الأساسية لجوهر البرنامج النووي الإيراني إذ استندت علي خبرات العلماء من الاتحاد السوفيتي بعد انهياره عام 1990 وهناك تعاون مشترك في إدارة محطة بوشهر النووية في جنوب إيران بين روسيا والجانب الإيراني ، فهي تُعد طرفًا فاعلًا في الملف منذ انطلاق مفاوضاته الأولى في عام 2003 ضمن إطار مجموعة “الثلاثي الأوروبي” (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) قبل أن تتوسع إلى صيغة “5+1” (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بالإضافة إلى الثلاثي الأوروبي). ومنذ ذلك الحين، حافظت روسيا على دور مركزي، لا بوصفها مجرد وسيط تقليدي، بل كطرف استراتيجي يسعى إلى هندسة توازن دقيق بين مصالحه مع طهران من جهة، ومع القوى الغربية من جهة أخرى.
واستكمالا لذلك، لعبت روسيا دورًا حاسمًا في التوصل إلى اتفاق 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، حيث ساهمت في تهدئة بعض من مطالب الغرب الأكثر تشددًا، وضمنت في الوقت ذاته أن تحافظ إيران على حقها في تطوير برنامج نووي مدني. كما شاركت في ترتيبات عملية، كتحويل منشأة فوردو إلى مركز بحثي للتكنولوجيا والعلوم النووية والفيزيائية تستخدم فيه 1044 جهازاً للطرد المركزي في أغراض غير التخصيب، مثل إنتاج النظائر المستقرة التي لها العديد من الاستخدامات السلمية، ومن ثم تم نقل فائض اليورانيوم منخفض التخصيب إلى أراضيها، ما عزز موقعها كضامن فني وسياسي للاتفاق.
مع انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق عام 2018، وجدت روسيا نفسها في موقع محوري ضمن جسر تفاوضي لمحاولة الحفاظ على الاتفاق ومنع انهياره الكامل. وعملت موسكو، إلى جانب الأوروبيين والصين، على إبقاء إيران ضمن الالتزامات الأساسية، وإن جزئيًا، كما استثمرت ذلك الانسحاب الأميركي لتصوير نفسها كقوة أكثر موثوقية في النظام الدولي، مقارنة بالولايات المتحدة التي لم تلتزم بتعهداتها.
وفي ظل المباحثات التي جرت في فيينا منذ 2021 لإحياء الاتفاق، برزت روسيا كوسيط غير مباشر بين طهران وواشنطن، خاصة أن الأخيرة رفضت الدخول في مفاوضات مباشرة في البداية. وشاركت موسكو في صياغة حلول وسط للملفات العالقة، مثل رفع العقوبات عن الحرس الثوري، ومسائل الضمانات المستقبلية، بل وحرصت على أن تحافظ على قنوات اتصال نشطة مع الطرفين رغم التصعيد بينهما.
غير أن الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022 فرض معطيات جديدة. فقد تراجعت ثقة الغرب بدور روسيا كوسيط نزيه، وبدأت تظهر مخاوف من استخدام روسيا للملف النووي كورقة تفاوضية للضغط على الولايات المتحدة وأوروبا. بل إن بعض التحليلات رأت في تعطيل روسيا لمراحل متقدمة من المفاوضات - كما حدث في مارس 2022 عندما طالبت بضمانات أميركية لتعاونها مع إيران رغم العقوبات - محاولة لتحويل الاتفاق إلى رهينة في سياق التوترات الأوسع مع الغرب.
في المقابل، لم تتخلَّ إيران عن التنسيق مع موسكو، بل عمّقت شراكتها العسكرية والاقتصادية معها، خاصة في ظل العقوبات المفروضة على الجانبين. ومع اتساع التعاون في ملفات مثل الطائرات المسيّرة، بات من الصعب الفصل بين المسارات النووية والسياسية والاستراتيجية في العلاقة بين روسيا وإيران.
عندما نتحدث عن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن يتبلور السبب المستمر وراء الدور الروسي في أي توافق محتمل بينهما ومع قراءة معمقة لحيثيات ومعطيات التفاعلات السياسية بين طرفي الاتفاق، فالطرف الأمريكي منغمس في الوضع الداخلي الأمريكي، والذي يشير إلي تراجع شعبيته إلي أدني مستوي منذ عودته، حيث وافق 42% على أدائه كرئيس بانخفاض من 47% وذلك وفقاٌ لاستطلاع أجراه رويترز/ ابسوس إلي جانب انشغال ايران بمجريات أحداثها وتطورات محور الممانعة كمان ان هناك إدراك متزايد داخل أوساط الحكم الإيراني ينبع من خطورة الانهيار الاقتصادي في حال استمرار العقوبات، ومن الإجماع المتنامي بين النخبة على أن التفاوض مع الولايات المتحدة أصبح ضرورة لتخفيف العقوبات وفي الوقت نفسه يختلف الخطاب الرسمي الإيراني في الوقت الحالي عن الفترة التي سبقت الاتفاق النووي عام 2015، حيث كان المرشد الأعلى آنذاك يعارض التفاوض، ووصف الاتفاق بـ"ضرر محض". لكن رغم ذلك، انتهى به الأمر إلى الموافقة عليه.
في المقابل ومع استقراء حدود الدور الروسي وتحدياته فعلي رغم ما يبدو من نفوذ لروسيا في الملف النووي الإيراني، إلا أن هذا الدور يواجه تحديات عدة، أبرزها فقدان الثقة الغربية، كما أن استغلال روسيا للملف كورقة تفاوضية قد يضعف قدرتها على الحفاظ على توازن دقيق بين دعم إيران وعدم استفزاز الغرب إلى حد غير قابل للاحتواء
ختاماً، لا يمكن فهم الدور الروسي في المباحثات النووية إلا ضمن تصور أوسع لعقيدة موسكو الخارجية، التي تقوم على استثمار التناقضات الإقليمية والدولية، وتحويل الأزمات إلى فرص لتعزيز نفوذها بوصفها قوة لا غربية مستقلة، تسعى إلى هندسة النظام العالمي وفقًا لمصالحها وأدواتها. بناءً على المعطيات الراهنة، يُرجّح أن الاتفاق الحالي قيد التبلور سيتمكّن من تحقيق المصالح الأساسية لكافة الأطراف: ضمان عدم تحول البرنامج النووي الإيراني إلى مسار عسكري، رفع العقوبات الاقتصادية بشكل تدريجي، وإعادة ضبط التوازن الإقليمي بما يحدّ من التوترات. كما أن لروسيا مصلحة استراتيجية إضافية في نجاح الاتفاق، إذ يعزز دورها كوسيط محوري في الملفات الدولية الكبرى، ويمنحها أوراق تفاوضية أقوى في ملفات أخرى متشابكة كالحرب الروسية الأوكرانية ليس فقط مع واشنطن بل مع أوروبا أيضًا، خاصة فيما يتعلق بالعقوبات، واستئناف بعض الأنشطة الاقتصادية التي جُمّدت عقب الغزو الروسي لأوكرانيا. وفي هذا السياق، تشير مصادر غربية إلى أن الكرملين يقايض تعاونه في الملف الإيراني بتخفيف القيود على التبادلات المالية مع بعض الشركات الروسية، في هذا السياق، يبدو أن موسكو لا تسعى فقط إلى تحقيق مكاسب ظرفية، بل إلى ترسيخ موقعها كفاعل لا غنى عنه في إدارة الأزمات العالمية.