أن أبدأ حديثًا في «السياسة» أو عنها بمحاولة تعريفها فهذا بحد ذاته استهلال محبط؛ فالمفهوم الذي نرومه في هذا السياق يظل مستعصيًا على الضبط، وميدانَ سجال تنظيري على مختلف المراحل. تتنازع هذا المفهوم فلسفات وتيارات وعقائد، وأهواء متباينة بلا شك، منذ أرسطو، رائد عِلم السياسةِ والقائل إنها علم السيادة و «سيدة العلوم»، إلى الميكافيلية التي تعرض السياسة كـ «فن للدولة»، وصولًا إلى التعريف الماركسي للسياسة على أنها «علم دراسة المصالح المتضاربة وانعكاسها على تكوين السلطة والحفاظ على امتيازات الطبقة الحاكمة».
مشكلتنا مع تعريف السياسة تبدو إلى حد ما شبيهة بالجدل الحائم حول مفهوم أساسي آخر؛ ألا وهو الثقافة. ومن الصعب أن يستوعب المرء كيف جرى تصوير السياسة والثقافة بوصفهما نشاطين متعارضين أو في حالة من التضاد الدائم؛ فبين ما هو «سياسي» من جهة وما هو «ثقافي» من جهة أخرى، ثمة حدود غير مرئية وزوايا عمياء ومساحات اشتباك متنازع عليها في الكتابة كما في الممارسة، ونستطيع أن نتأملها في الاحتكاك القائم بين المثقفين والسياسيين.
ولكن إذا ما فهمنا السياسة بوصفها نشاطًا متصلًا بكافة شؤون حياتنا، فهي بهذا المعنى الشامل تكفي لتبرير التعقيد والاضطراب الذي يشوب تعريفها النظري. بيد أن الأهم في هذا السياق ليس التعريف الأكاديمي الذي يدرسه طلاب العلوم السياسية في الجامعات، بل هو مفهوم الناس عن السياسة وتطلعاتهم وحقوقهم المرتبطة بها وحدود ممارستها الفردية، إضافة إلى الدلالة اللغوية التي تحملها الكلمة ووقعها عليهم.
مع أن حياة الناس وشؤونهم اليومية، بما فيها تلك الخاصة جدًا، هي رهن لتطورات الواقع السياسي وانعكاساته على مساحاتهم الشخصية، ومع أن حياتهم، بمعنى أعمّ، هي المادة الخام لصناعة السياسة والاشتغال السياسي، إلا أن نسبة مشاركتهم في مجالها الرسمي تتراجع يومًا عن يومٍ على نحو يستدعي القلق. والحديث هنا ليس عن بلدان العالم العربي البعيد عن بديهيات هذا النقاش، وإنما عن دول أوروبية ذات الديمقراطيات الراسخة، وعن الدول الناطقة بالإنجليزية مثل بريطانيا والولايات المتحدة وكندا، حيث يُلحظ انسحاب شرائح واسعة من الممارسة الرسمية للسياسة (التصويت) إلى الممارسات غير الرسمية؛ مثل الاحتجاج أو المقاطعة، تنفيسًا عن الكبْت السياسي، أو نتيجة لما يصفه كولن هاي بـ «خيبة الأمل السياسية» في هذه البلدان.
فك الارتباط هذا، عن السياسة بمعناها الرسمي، هو ما يدفع كولن هاي، الأستاذ بمعهد العلوم السياسية في باريس والمدير المؤسس لمعهد بحوث الاقتصاد السياسي (SPERI) في جامعة شيفيلد، ليتساءل ببساطة: لماذا نكره السياسة؟ وهو عنوان ملفت كان قد صدر بالعربية عن منشورات جدل عام 2007 بترجمة خالد حافظي، وفيه يستقصي كولن هاي تراجع نسب المشاركة في الانتخابات إلى مستويات غير مسبوقة في البلدان التي يصفها بالديمقراطيات الليبرالية المتقدمة، خاصة لدى فئة الشباب الذين يتساءلون عن جدوى التعبير السياسي الرسمي في ظل الاحتكار القائم للفعل السياسي، وفي مجتمعات هي في الأصل تعاني من «مشكلات الفعل الجماعي» التي تستعصي على الحل خارج التفكير بالحل السياسي.
لا يرى كولن هاي في تراجع نسب المشاركة السياسية مؤشرًا على فقدان حماسة المشاركة في العملية الانتخابية فحسب، بل علامة على اليأس السياسي العام، حيث تفقد كلمة «السياسة» أو «سياسي» دلالاتها الإيجابية لتتحول بمرور الوقت إلى «كلمة بذيئة» على حد تعبيره: «لقد باتت «السياسة» مصطلحًا يكتسب مجموعة كاملة من الارتباطات والدلالات السلبية بالكامل في الخطاب المعاصر؛ وأصبحت السياسة مرادفًا للفساد والضلال والازدواجية والجشع والمصلحة الذاتية والصلف والتدخل وعدم الكفاءة والعناد. إنها في أحسن الأحوال شر لا بد منه، وفي أسوأ الأحوال قوة خبيثة بالكامل يجب السيطرة عليها».
لا ينطلق كولن هاي في رؤيته لتشوه معنى السياسة المعاصرة من نظرة حنين ماضوية إلى ما كانت تعنيه السياسة، فهو يؤكد أن ذلك العالم الأسطوري الذي تمتع فيه المجتمع بمشاركة سياسية شبه كاملة عالم لم يكن موجودًا في يوم من الأيام. مع ذلك؛ لا نجده يتردد في إعلان عصرنا عصرًا للسخط السياسي بامتياز، وعصر خيبة الأمل من كل ما هو مرتبط بالسياسة، حتى لو كانت خيبة الأمل من ممارسة السياسة كناشط تغييري ناتجة في الكثير من الأحيان عن سوء فهم لما تعنيه السياسة، حيث تصبح نصيحة كولن هاي ضرورية أكثر:
«إذا فهمنا السياسة بشكل أفضل فإننا سنتوقعُ منها أقل».
سالم الرحبي شاعر وكاتب عماني
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
التعليم العالي: ورشة عمل لعرض السياسة الوطنية للابتكار المستدام والمبادرة الرئاسية "تحالف وتنمية"
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
يعقد قطاع التعليم بالوزارة سلسلة من ورش العمل بحضور عمداء المعاهد العُليا على مستوى الجمهورية، ذلك تنفيذًا لتوجيهات الدكتور أيمن عاشور وزير التعليم العالي والبحث العلمي بدمج المعاهد العُليا ضمن منظومة التعليم العالي على مستوى الاهتمام بالابتكار المستدام والارتقاء بجهود المعاهد في التصنيف الدولي وكذلك توحيد المعايير الخاصة باللوائح الأكاديمية أسوة بالجامعات.
وفي هذا الإطار وتحت رعاية وزير التعليم العالي والبحث العلمي، نظم قطاع التعليم ورشة عمل بعنوان "عرض السياسة الوطنية للابتكار المستدام والمبادرة الرئاسية تحالف وتنمية" ، تحدث فيها الدكتور حسام عثمان نائب وزير التعليم العالي والبحث العلمي لشئون الابتكار والبحث العلمي، حول رؤية وأهداف السياسة الوطنية للابتكار المستدام وربطها بالمبادرة الرئاسية "تحالف وتنمية"، بحضور الدكتور جودة غانم القائم بأعمال رئيس قطاع التعليم وأمين المجلس الأعلى لشئون المعاهد والدكتور جمال هاشم مستشار وزير التعليم العالي لشئون المعاهد، والدكتور سامي ضيف رئيس الإدارة المركزية للتعليم الخاص، ونخبة من قيادات وممثلي المعاهد العالية.
وفي مستهل ورشة العمل التي أقيمت بمجمع التعليم الخاص بالقاهرة الجديدة، أكد الدكتور حسام عثمان أن منظومة المعاهد العالية تمثل قطاعًا يضم ثلث أعداد الطلاب الملتحقين بمنظومة التعليم العالي، والتي يدرس بها ما يزيد عن مليون وثلاثة آلاف طالب وطالبة، وهو ما يفرض ضرورة دمج المعاهد العالية في آليات السياسة الوطنية للابتكار المستدام لتحقيق الأهداف المرجوة.
وأوضح نائب الوزير أن دراسة موقف الدولة المصرية في مؤشرات الابتكار والمعرفة التنافسية وغيرها من المؤشرات والمقاييس العالمية تساعد في تحديد الهدف من السياسة الوطنية للابتكار المستدام، والذي يركز على أن تصبح مصر ضمن أفضل 50 دولة في مؤشر الابتكار العالمي بحلول عام 2030 والسعي نحو تحقيق عوائد اقتصادية كبيرة من الابتكار من خلال زيادة الصادرات وخفض الواردات، وجذب الاستثمارات وزيادة حجم الإيرادات وتحسين تقييم الشركات الناشئة.
وأضاف د.حسام عثمان أن الرؤية التي ترتكز عليها السياسة الوطنية للابتكار المستدام تستهدف تحويل مصر إلى مجتمع معرفي مبتكر مستدام، من خلال توظيف الابتكار؛ لخلق القيمة وتعزيز الاستدامة في كافة القطاعات الإنتاجية والخدمية بما يعزز جودة الحياة والنمو وتنافسية الدولة إقليميًا وعالميًا، مشيرًا إلى أن هناك خمس سياسات رئيسية تتمثل في تطوير القدرات والأدوار الابتكارية لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، وتعزيز الدور التنموي للجامعات والمراكز البحثية، وتنويع وتعزيز تمويل الابتكار لدعم التنمية المستدامة وجودة الحياة، وتحسين بيئة الأعمال وغرس الثقافة العلمية وثقافة الابتكار وريادة الأعمال، وحوكمة السياسة الوطنية للابتكار المستدام.
وتحدث الدكتور حسام عثمان عن عوامل التمكين للوصول إلى الأهداف المنشودة، والتي تشمل التركيز على إتاحة المواهب ونقل وتوطين التكنولوجيا، وإتاحة وتنويع مصادر التمويل وتحسين وحوكمة بيئة العمل، مشيرًا إلى ضرورة عقد ورش عمل ودورات تدريبية على استخدام التكنولوجيات الناشئة ومنها تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لما له من دور في سد الفجوة والارتقاء بمختلف القطاعات، مشددًا على أهمية رفع الوعي المجتمعي بسياسات الابتكار وما له من عوائد اقتصادية على المجتمع ككل.
ومن جانبه أشار الدكتور جودة غانم إلى إطلاق السياسة الوطنية للابتكار المستدام في فبراير الماضي في إطار الاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي، وكذلك إطلاق الدعوة التنافسية للمبادرة الرئاسية "تحالف وتنمية"، بموازنة مليار جنيه كبداية للإطلاق.
وأوضح أن هذه الورشة تأتي ضمن سلسلة ورش مستقبلية سوف يتم تنظيمها خلال الفترة القادمة لدمج المعاهد العليا في جهود الارتقاء بالتصنيف الدولي لها، وتفعيل دورها في الابتكار المستدام أسوة بالجامعات؛تنفيذا لتوجيهات الدكتور أيمن عاشور وزير التعليم العالي والبحث العلمي.
تناولت الورشة الحديث عن أهداف وآليات عمل المبادرة الرئاسية "تحالف وتنمية" لتحفيز الإبداع وريادة الأعمال إقليميًا بالشراكة بين مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي والصناعة ورواد الأعمال والمستثمرين والجهات الحكومية المعنية، حيث يعمل كل تحالف في قطاع عمل محدد واعد ذي نمو اقتصادي مرتفع، وينفذ كل تحالف أنشطته في نطاق جغرافي أو إقليم معين، مما يعظم الفائدة ويضاعف الأثر؛ ليصبح كل تحالف محركًا للتنمية الاقتصادية، ومهدًا للابتكار والشركات الناجحة ورائدًا في خلق فرص العمل، حيث تهدف المبادرة الرئاسية "تحالف وتنمية" إلى تحقيق طفرة تنموية في الأقاليم الجغرافية السبعة من خلال تكامل جهود الجامعات والمعاهد والمجتمع الصناعي، وتحسين جودة المنتجات المصرية؛ مما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني، وفي هذا الصدد خصصت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي دعمًا ماديًّا يصل إلى مليار جنيه لتمويل المشروعات البحثية ذات الجدوى التنموية.
وخلال الورشة تمت مناقشة إمكانية إطلاق حاضنات ابتكار داخل المعاهد العالية أو عمل حاضنة واحدة تضم جميع المعاهد، كما تطرقت الورشة لمناقشة إنشاء برامج داخل المعاهد لدعم الشركات والتعاون مع القطاع الصناعي.
واختتمت الورشة بفتح باب الأسئلة والنقاش للتعرف على أفضل الآليات لتفعيل تنفيذ أهداف السياسة الوطنية للابتكار المستدام داخل المعاهد العليا على مستوى الجمهورية.
IMG-20250327-WA0022 IMG-20250327-WA0025 IMG-20250327-WA0024 IMG-20250327-WA0027