من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
يومياً عينى تعدى عليها الساعة
٨ الصبح
ف ألمح تفاح أخضر فى عينيها
جميل من صُنع الله
وأتحسس كف مخضر فيه الشوك
ونبات الحَلف
فارشة بمناديل
وتلات أطفال
وهموم الحوجة وقسوتها
ورذالة الفقر
خرجت سؤال
وبدون ما أتردد لحظتها
وسألته بحزم:
مش سقعة عليهم نومتهم
من غير غطيان والأرض رصاص؟
ردت بثبات رغرغة العين:
- ربِك موجود ومغطيهم
من فوق بغطاه..
خدت المناديل
ومشيت فى طريق مشوارى أتأمل
صدق كلامها (الشِّعر)
وأتأمل شكل الفقر المحدوف ع البُسطا
حدفة إبليس من فوق محراب الجنة على عباد الله
وأتأمل شكل جزم كل الماشين فى شوارع القِلّ
وقفت السير..
وعينيا اتجهت نحو الصوت
وسمعت بودنى لأول مرة فى عمرى لسان جزمة بينطق!!
ويسب للفقر وللموت.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: تفاح أخضر
إقرأ أيضاً:
دكتور عطية محمد عطية في الخالدين
بسم الله الرحمن الرحيم
د. قاسم نسيم
قبل فترة،هي طويلة بحساب الشوق، قليلة بحساب الزمن، ترقى العلامة الموسوعي عبد الله حمدنا الله إلى مراقي الخلود، هو آية الحفظ والحضور في كل علوم العربية، وما اعتلق بالسودان من أدب، فصيحه ودارجه، ما فشا منه وما خفى، ينثره علينا ويضن ببعضه على التوثيق، ومفردة أخرى من مفرداته إلا وهي أغاني بناته، يستخرج من أنساقها مفاهيم مجتمعها الثقافية المستترة، بخرقة المحافظة الغليظة عندهم، المتخرمة عنده بثاقب لحظه، وكنت قد رثيته رثاءً يليق بألمعيته، متاح في الأسافير، وكيف لا وقد كان زميلي وسلوتي، ونديم خلوتي بجامعة إفريقيا العالمية، كلية اللغة العربية، فأعظم بجامعة يسعى بين جنباتها ناثر للعلم مثله.
ثم ادلهمت الحرب علينا من بعد، بهامش غير بعيد، لم يطبب علينا تقرحات الرحيل، ولم يفطم فينا رضاعة العلم من ثديه المدرار، والحرب تضربنا في موجاتها الأُول العاتيات، يرتقي مرتفقًا بصاحبه وزميله، العلامة اللغوي الفهامة الضليع، وأحد حراس العربية في بلادنا بل أفرسهم، الأب والشيخ والصديق والزميل البروفسور عمر شاع الدين، عليه رحمات الله متواليات متزاحمات، تتلوه وتسبقه ببرٍ قدمه في حياته، وعلمٍ وثَّقه في ما ناف عن الثلاثين كتابًا، وكنت قد رثيته أيضًا بكلمة وقصيدة متاحتا في الأسافير، تنما عن ألمٍ ممض لفراقٍ دون وداع أرغمتنا على اصطبار لأوائه هذه الحرب.
وها نحن ذا في خواتيمها، نستفتح نصرًا مؤزًا يقضي عليها،وفي خواتيم الشهر الفضيل، نفجع برحيل عالم النحو والصرف، وإمام وخطيب منابر الجمع، وأستاذ الفقه في بيوت الله الدكتور عطية محمد عطية، نعم لكلٍ من اسمه نصيب، فقد كان دكتور عطية، عطية من عطايا الله على خلقه، في كل وجه، ففي سوح العلم، كان مستظهرًا لفنون النحو والصرف استظهارًا قلَّ نظيره، حافظًا لمتونه، هاضمًا لشروحه، آيةً فيها حجةً ثبتًا، وكنت كثيرًا ما أسأله بالهاتف، إن استشكلت عليَّ مسألة، أو استغلق عليَّ أمرـ فيجيبني توًا بالإجابة متنًا، تتلوه الشروح والأقوال المزدحمة في المسألة، بلا تلكؤ، ولا تحمحم ولا تلعثم، كأنَّه يقرأ من كتاب، فيهدر بما لا يحويه كتاب، بل علمٌ منثور في المراجع والمظان، يستقصيه ويستحصيه ويستجليه،، فلا تندُّ عنه شاردة، ولا يشذ عنه رأي، فيركمه جميعًا أمامك،لسانه يسابق جنانه، فيطرب من فعله العالم، ويعجب طالب العلم الشادي، ويصعق من جوابه المفتقر، ويضجر من جوابه الكسول، ... بلى... كان آية من آيات الله، وعطيَّة من عطاياه ما كذب أبوه حين سماه باسمه، بل أجرى الله ذا الاسم على لسانه فكانه.
وكنت أُسائله مهاتفًا ومكافحًا، قائمًا وقاعدًا، ماشيا أو واقفًا... وعلى درج السلم، أو في ممرات الكلية، أو ربما جالسًا على كرسيه، فلا تَفْصر إجابته أو تختصر، وإنما ذاك الهدر حتى تفتأ نقول ليته سكت، رحمة بأنفسنا خوفًا من تكاثر المعارف فلا نوعبها، ، وتخالف آراء المدارس فلا نثبتها، فحديثه ما يجاريه قلم فيُكْتب، ولا يتقارحه فهم فيوثق، ثم لا يزال لسانه يرتفع وينخفض، كأنَّما فرَّ لسانه عن جنانه، وابتسامة حلوى مطبوعة في وجهه، لا تفارقه أبدًا، في حالتي الصمت والكلام، كالشامة في خدِّ الحسناء، والثفنة في وجه المصلي.
هذه البسمة علامته الكبرى المتولدة عن ضحكته الرابضة خلفها، تطلُّ انسراباتها وتخنس، هي علامته الكبرى وصفته العظمى، فما باشر إنسانًا قط إلا مبتسمًا ضاحكًا، وما قابل سائلًا قط إلا مبتسما ضاحكًا، رغم أنف زهير بن أبي سلمى وممدوحه، فذاك تراه متهللًا إذا زرته، وهذا متهللًا مبتسمًا ضاحكًا، إن زرته أو زارك، إن عرفته أو جهلته، كان يبتسم ويضحك حتى ينحني ويقصر، فتنخفض وترتفع ركبتاه في تردد وسرعة كالياي، فيضحك حتى تضحك لابتسامته وضحكه، فكأنَّه لما رأى الرحمن ما به من تلازم ابتسام وضحك، أجرى على لسانه النكتة الحلوة، يصطنعها في أي موقف، بكلِّ سهولة ويسر، وحرَّم على نفسه الغضب وعلى وجهه العبوس،، فلا ينطاع له وإن أراد اصطناعه.رسمه الله كبسمة، فإن قيل لأحدهم ارسم لنا بسمه لرسمه،
كان لا يلبس إلا الجلابية والعمة، كما يلبس الأزهريون الجبة والعمامة، وكان زاهدًا يصطنعها من أرخص الثياب، ، زاهدًا في كل شيء، حتى في أكله، وكان يفرُّ من المناصب فرارنا إليها، فقد فُوجئ بتعيينه عميدًا لكلية اللغة العربية بالجامعة، فتجهم واهتم، ثم صار كالمجنون، فكان يتحدث إلينا وإلى نفسه، ويتساءل؟ من ذا الذي وشى به إلى مدير الجامعة ليضعه في هذا الموضع، وظلَّ يتوسل الناس الإقالة، فكان القدر يأبى إلا أن يبقيه، حتى خرج من هذه الفانية وهو متقلدٌ عمادتها، لكن كانت أيامه من أخصب الأيام ، سعد فيها زملاؤه الأساتذة، وهَنِئ فيها الطلاب، فلا رهب المكاتب يعتريهم، ولا عنت الإجراءات، فلا حجاب يحجبهم عنه ولا موانع.
سيفقده طلابه الذين ما وجدوا عميدًا ألين عريكة منه، سيفقده زملاؤه فاكهة لمجالسهم ونورًا لمعارفهم، ، سيفقده العلم رجلاً من رجاله.
واليوم يرتقي دكتور عطيه؛ ليلحق بزميليه الحجتين ، عبد الله حمدنا الله وعمر شاع الدين، كان أدنانا إليهم لحاقًا، لأنه أدناهم منا علمًا، قيا مرحى له، فَلِمَ البقاء، في بلاد عجما، صرنا صمًا خرسًا، لا نعي ما يقولون، ولا يعون ما نقول، فَلِمَ البقاء إذن، فأرحم بنا أن نلحق بهداتنا، نأنس إليهم ويأنسون إلينا، نعي ما يقولون ويعون ما نقول، وتكفينا اللمحة،ونفترش البيان،ونتخذ من الخطب زرابي، ومن مسارح الشعر روابي، ألا فأسرع أيها الموت بنا إليهم، وعلى رماح عبقر يكون الركوب، وفي مستقر الرحمات فيها الوثوب، وما تأخَّر بنا يومنا، إلا لقلة علم، أو دَخَن إيمان..
خَبَرْهم أيها الراقي إلى الآباء أنَّهم دهمونا، وأنَّ الله أظهرنا عليهم، خبرهم أن جندنا مزقهم شر ممزق، وأن الطبول تضرب الآن بهجة وفرحة، خبرهم ألا قرآن بعد اليوم يخيف الأطفال، ويزعزع القلوب، ولا إلهاً عاريَّاً سيمد لمخلوقه أسباب الحياة، خبرهم أنَّا حرقنا لاهوتهم المخيف وإلههم العاري ، وأحرقنا جثته وركزنا مصحفنا فوق قلوب أطفالنا وفوق البنود، وكان الله أكبر منه فينا ومعنا، نعبده كما كنت تدرس المصلين صفاته وأسماءه.
عجبت لآساس هذه الجامعة ومن مروا على إدارتها، كيف اجتمع لهم كل هؤلاء الفحول العلماء في هذه الجامعة، فغير ما ذكرت فقد ترقى إلى الخلود قبل فترة عالم من علمائها، مر موته سريعًا فذهلت كيف فاتني نعيه إنه العلامة أبو نظيفة، فقد سمعنا من أشياخنا أنه في يوم نقاشه لرسالة الدكتوراه في جامعة الأزهر - إن لم تخني الذاكرة- قال أشياخ الأزهر: اليوم ولد لكم عالم
gasim1969@gmail.com