مهن بديلة.. مسار جديد تفرضه الاشتباكات على السودانيين
تاريخ النشر: 20th, August 2023 GMT
الخرطوم- من بين أروقة "بلاط صاحبة الجلالة" إلى العمل التجاري، هكذا أعادت المعارك رسم مسار حياة السكرتير الصحفي بصحيفة "اليوم التالي" السودانية خضر مسعود الذي اضطرته تداعيات الاشتباكات إلى العمل في محل صغير لبيع الملابس الرياضية بمدينة كوستي ولاية النيل الأبيض.
وفي حديثه للجزيرة نت، قال خضر إن ضيق ذات اليد وعدم توفر السيولة المالية أجبراه على مغادرة منزله في أم درمان (غربي العاصمة الخرطوم) رغم أنها كانت آمنة، متوجها إلى ولاية النيل الأبيض.
وباءت محاولات خضر مسعود في البحث عن عمل في مجال الصحافة بالفشل، ويقول "أعمل حاليا في محل صغير لبيع الملابس الرياضية، وهي مهنة لا تُلبي طموحاتي، لا أقول إنها تكفي لسد الرمق، ولكن تكفيني شر السؤال والحاجة".
ويحاول خضر التأقلم مع مهنته الجديدة واكتساب مهارات العمل التجاري، لكنه يرى أنه مشروع غير مستقبلي بالنسبة له، إذ تحتاج التجارة إلى أشخاص بمهارات مختلفة.
وتابع: "هو عمل مؤقت إلى حين انجلاء الأزمة، وفرصة أخرى للاندماج مع المجتمع وطريقة حياته والظروف المحيطة، قابلت في السوق المهندس، والمحاسب، والطبيب والأستاذ الجامعي وكثيرين آخرين غيروا مهنهم إلى مهن هامشية".
دكتور "كفتة"لم يكن خضر مسعود استثناء، فالمعارك التي تدخل شهرها الخامس ألقت بظلالها على الأوضاع الاقتصادية مع تعثر صرف الرواتب منذ اندلاع الأحداث.
وأدى الحصار والاشتباكات التي وقعت بمدينة الأبيض ولاية شمال كردفان إلى مغادرة طبيب الأسنان حاتم جلال إلى ولاية النيل الأبيض وافتتاح مشروع لبيع ساندويتشات الكفتة.
وقال جلال للجزيرة نت: "توقفت العيادة عن العمل جراء الاشتباكات التي وقعت في المدينة، واضطرت للمغادرة إلى كوستي وافتتاح مشروع لبيع ساندويتشات الكفتة".
وأضاف: "كانت الحرب فرصة للعمل في شيء أحب القيام به، إذ أقوم بنفسي بإعداد الكفتة، حولتها لعمل تجاري ويعمل معي عدد من الشباب الذين اضطرتهم الحرب للخروج".
ولم يجد حاتم جلال صعوبة في التأقلم مع مهنته الجديدة التي صارت مصدر دخل له.
وتابع: "يسألني البعض: لماذا لم تذهب لعيادة أو إلى المستشفى الحكومي؟ ولكن هناك عددا من الأطباء الذين وفدوا للولاية، وأرى أن الفرص قليلة، ومستقبلا ربما أجمع بين المهنتين".
رحلة الخروج
طريق آخر سلكته الطبيبة مهجة عبد العزيز بعد أن فقدت وظيفتها، لتخرج في رحلة طويلة من الخرطوم إلى مدينة جوبا جنوبي السودان، ثم كامبالا عاصمة أوغندا.
وفي حديثها للجزيرة نت، تصف مهجة رحلة خروجها بالمرعبة، حيث ظلت عالقة في مكان وابنها في مكانٍ آخر.
وقالت: "خرجت لإحضار ابني من منطقة شرق النيل، ما رأيته في الطريق كان كفيلا لأدرك أن هذه الحرب ستستمر لوقت طويل، لذا خرجت منذ الأيام الأولى للحرب، ولم تكن هناك فرصة لشيء سوى المغادرة، عملت من قبل مع اللاجئين، لم أتخيل في يوم من الأيام أن أكون لاجئة وأترك كل شيء ورائي".
مقهى خارج السودانوعملت مهجة في عيادة أطفال بجوبا ولكن لم يكن العائد يكفي لتغطية تكاليف الإيجار، وغادرت إلى كمبالا عن طريق الحافلة في رحلة استغرقت 17 ساعة، حسب حديثها للجزيرة نت.
وأضافت: "أعمل حاليا في إدارة مشروع كافيه باسم (شاي البيت) بمشاركة أصدقاء، ساعات العمل طويلة لكنها فرصة للتعلم، ما زلت في بداياتي، ولكن لم يكن الأمر سهلا".
ويرى مختصون أن الآثار المجتمعية للمعارك الدائرة وتداعياتها ستظهر جليا عقب انتهائها.
فمن جهته، قال الباحث الاجتماعي خضر الخواض للجزيرة نت "لا يمكن قياس التأثيرات الاجتماعية حاليا، ولكن من لجأ مضطرا لوظيفة أخرى لن يشعر بالرضا الوظيفي، وبالتالي لن تكون هناك جودة في العمل".
في السياق ذاته، ترى الباحثة الاجتماعية ثريا إبراهيم أن لفقدان المهن الأساسية آثارا مجتمعية ونفسية تمتد للأطفال.
وقالت -للجزيرة نت- إن "ظروف الحرب أجبرت البعض على ممارسة مهن لا تتوافق مع مهنتهم السابقة، وهو أمر يتطلب قدرا من القوة والتوافق مع النفس، وتختلف تأثيرات ذلك من شخص لآخر، وفقا لقدرته على التحمل".
فوضى اقتصاديةوأدت الاشتباكات بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى توقف الحركة التجارية وفقدان رؤوس الأموال وتوقف الاستثمارات.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي معتصم الأقرع للجزيرة نت إن "هناك فوضى اقتصادية غير مسبوقة، ومع نزوح المتأثرين بالحرب إلى الولايات، وعجز الدولة والشركات عن دفع المرتبات وارتفاع تكاليف المعيشة، اضطر عدد كبير للعمل في أي مهنة لتوفير مصدر دخل والاستمرار على قيد الحياة".
وتابع، "لكن هذه المهن هي أنشطة بسيطة تعتمد على مدخلات متوفرة محليا ورخيصة ورأس مال صغير، إلا أن بعض مصادر التكيف مع الأزمة غير مستدام".
وتوقع الأقرع مع تدهور الأوضاع حدوث أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: للجزیرة نت
إقرأ أيضاً:
لليوم الرابع.. الاشتباكات تتواصل بين الدعم السريع ومواطني قرى الجموعية
تواصلت الاشتباكات لليوم الرابع على التوالي بين قوات الدعم السريع ومواطني قرى جنوبي غرب مدينة أم درمان، وهي المناطق المعروفة محليا باسم قرى الجموعية، وقالت مصادر محلية للحرة، إن عشرات المدنيين قتلوا وأصيب آخرون جراء هجمات شنتها قوات الدعم السريع، على عدد من قري بينها إيد الحد الواقعة جنوبي أم درمان.
ومنذ أواخر مارس المنصرم، انسحب عدد كبير من عناصر الدعم السريع من منطقة جبل أولياء بإتجاه قرى الريف الجنوبي لأمدرمان، بعد أن تمكن الجيش السوداني من استعادة كامل محليات الخرطوم وجبل أولياء.
ونقل موقع سودان تربيون عن المتحدث باسم الجموعية، سيف الدين أحمد، قوله إنه "خلال الأيام الثلاثة الماضية، قُتل أكثر من 50 مواطنًا جراء هجمات عنيفة تشنها الدعم السريع على قرى الجموعية".
والأسبوع الماضي، أكد الجيش السوداني بعد أيام من تحرير القصر الرئاسي والمطار، أن مدينة الخرطوم أصبحت خالية من قوات الدعم السريع، وأن مقاتليها فروا خارج العاصمة.
ويسيطر الجيش على أغلب مساحة السودان، وخاصة في المناطق الشمالية والشرقية والجنوبية الشرقية، فيما يتركز تواجد قوات الدعم السريع في المناطق الجنوبية الغربية والغربية المحاذية لدولة تشاد.
ويعود هذا التركز في تلك المناطق إلى عدة أسباب، أولها أصول وجذور هذه القوات التي تنبع من دارفور ومحيطها.
وتعاون الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 2021 للإطاحة بقيادة مدنية تشكلت في مرحلة لاحقة لسقوط نظام عمر البشير في 2019.
وفي عهد البشير قاتل الجانبان على جبهة واحدة في دارفور غرب السودان.
وشكل البشير قوات الدعم السريع، التي تعود جذورها إلى ميليشيا الجنجويد في دارفور، بقيادة، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، لتصبح قوة موازية للجيش بقيادة الفريق أول، عبد الفتاح البرهان.
وبعد الاستيلاء على السلطة في 2021 نشب خلاف بين الجيش وقوات الدعم السريع حول خطة مدعومة دوليا تهدف إلى تطبيق مرحلة انتقالية جديدة تقودها أحزاب مدنية ويتنازل خلالها الجانبان عن سلطاتهما.
وشملت نقاط الخلاف الرئيسية جدولا زمنيا لاندماج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة وتسلسل القيادة بين قادتها وقادة الجيش ومسألة الرقابة المدنية.
وكان لدى الجيش السوداني موارد أفضل عند اندلاع الحرب، منها القوة الجوية. ومع ذلك كانت قوات الدعم السريع أكثر تمركزا في أحياء الخرطوم وتمكنت من السيطرة على جزء كبير من العاصمة في بداية الصراع.
الحرة - الخرطوم