سودانايل:
2025-04-03@13:11:46 GMT

تــغــريــبــة الــقــافــر

تاريخ النشر: 20th, August 2023 GMT

ahmadalkhamisi2012@gmail.com

من زمن نفضت يدي من قراءة الروايات العربية وعدت إلى الأدب العالمي الكلاسيكي، لكني التفتت مؤخرا إلى رواية " تغريبة القافر" الرواية الخامسة في إبداع الروائي والشاعر العماني زهران القاسمي. وأخذتني الرواية تماما بتلك تماما بالسلاسة واليسر والعمق والتأمل الفلسفي بلغة الشعر التي لا تجور على أصول السرد الأدبي.

يعرض لنا الكاتب حكاية " سالم بن عبد الله" التي بدأت بانتزاعه من رحم مريم أمه، بعد غرقها وموتها في بئر. ينمو سالم ويلازمه طوال الوقت انصات ثابت مرهف إلى صوت الماء وخريره أينما تخفى الماء وراء الصخور أو في باطن الأرض، فيصبح دليلا يفتح أمام سكان القرية مغاليق المياه، ويكتسب لقب " القافـر"، أي من يقتفي أثر قنوات المياه السرية ويكشف منابعها. ومن السطور الأولى ، بمشهد مولد الطفل من رحم الموت، يسوقنا الكاتب للتأمل في أن الموت والحياة وجهان لحقيقة واحدة، تخرج الحياة من بطن الموت كما تخرج المياه من باطن الأرض. يقف القافر بين الرجال وبالحدس، أو المعجزة، يشير بإصبعه إلى موضع المياه الخفي وراء الصخور متمتما : " ماي .. هنا". هل هي المعجزة ؟ أم الأسطورة ؟ أم على العكس من كل ذلك إشارة إلى قدرة الانسان الواقعية على تحقيق المستحيل وتغيير الواقع بإشارة من يده؟. على امتداد الرواية يفتش القافر عن مكامن المياه في الأراضي الجدباء، ويستدعونه في القرى الأخرى، لكن معنى البحث عن المياه يتسع في الرواية بحكايات أخرى فيصبح بحث الانسان عن الوطن والكرامة والنماء بل والحب أيضا. لهذا يمسي صوت خرير المياه الخفية هو صوت دقات قلب " نصرا " محبوبة القافر التي تغدو زوجته. إنه الصوت نفسه. وينظر الكاتب إلى زاوية أخرى تماما، حين يشير إلى أن القافر تصور أن كل الأصوات التي يسمعها من مخيلته وليس لها أساس في الواقع، وكأن ا لروائي يقول لنا إن بحث القافر جزء من صميم أحلام البشر الباطنية، وأن هذه الأحلام والرؤي هي التي تقود كل انسان إلى تحقيق الوجود، بل هي مغزى وجوده.
يستدعي القاسمي أساطير الجن والعوالم السفلى والحكايات الخرافية، فحينما اختفى القافر زمنا تردد في القرية أن أهل الارض السفلية اخذوه وقيدوه في بلادهم، ويستعين الكاتب حتى بأسطورة بنيلوبي المعروفة، المرأة انتظرت رجوع زوجها أوديسيوس من حرب طروادة، ومع طول غيابه والحاح النبلاء عليها للزواج، فإنها تتذرع بأنها تحوك كفنا لوالد زوجها، وما إن تنتهي منه حتى تختار زوجا، ولكي لا ينتهي النسيج، ظلت كل ليلة تفك جزءا مما حاكته في النهار لتبقى في انتظار زوجها. وهو ما فعلته " نصرا" زوجة سالم القافر حين غاب عنها وألحوا عليها في الزواج، فتعللت بنفس الحجة.
يراوح الكاتب في روايته الجميلة بين ما هو تاريخي، وما هو أسطوري، وما هو واقعي ملموس في حياة القرى، ويحيل كل ذلك إلى أحداث وصور ظاهرة، وفي هذا السياق تلوح أضواء من ألف ليلة وليلة التي تتناسل فيها الحكايات، مثل حكاية ابن خلفون الذي خاصم أخاه بسبب خاتم فضي كان ملكا لوالدهما، وحكاية النبي سليمان الذي مر على عمان فوق بساط سحري ولما رآها جدباء أمر جنوده من الجن بحفر الافلاج والقنوات لتروي الأرض. في النهاية نجح القاسمي فنيا في تحويل الأسطورة إلى واقع، وتحويل الواقع إلى أسطورة، بحيث لا ترى الحدود بينهما، وقدم كل ذلك بشعور دقيق بفن الإيجاز، وتقطير الشعر، والفكر، والتأمل العميق. مبارك للأدب العربي العمل الجميل.
د. أحمد الخميسي. قاص وكاتب صحفي مصري
////////////////////////  

المصدر: سودانايل

إقرأ أيضاً:

هكذا يستقبلون العيد في غزة!!

أليس من المرهق لأي شخص أن يحمل أعباء الماضي وهموم الحاضر، فضلا عن القلق بشأن المستقبل؟ فكأنّه بذلك لم يكفه ما يواجهه من صعوبات في واقعه المؤلم، جراء أحداث يسترجع مرارتها مع كل مناسبة عيد، ليجد نفسه غارقا في مزيج من الألم والعذاب والحنين إلى أيام وبيوت وأماكن كانت تجمع شمل العائلة والأهل والأقارب والأصحاب والجيران، وكأن لسانه يقول: لم يبقَ ما يستحق الاحتفال به، كلّ الذين أعرفهم لم أعد أراهم، وكلّ الذين أحبّهم استشهدوا، أو تحت الأنقاض، لم يبق سوى ذكريات تضيف ملحا على الجراح، لا سيما في أيام العيد التي تمرّ على قطاع غزّة، كتابوتِ حزنٍ لا تتسع بقاع الأرض لدفنه.

في هذا العام، غابت بهجة العيد عن غزة وأهلها المنهكين المحاصرين، من قِبل عدو محتل بغيض، ومن قريبون وجيران يرون الظلم ويسمعونه دون أن يحركوا ساكنا.

انطفأت الألوان الزاهية، والأضواء البراقة، وضجيج الناس، والخطوات المتسارعة التي تملأ الأرصفة والشوارع والحارات، لتحل محلها أصوات القصف والصراخ والفقد والدمار، فلا ملابس جديدة، ولا بحث عن متنزه، بل لا يوجد سوى مكان يجلس فيه الغزي ليجمع ما تناثر من ذكريات، إلا الركام، ويبكي بحرقة على فراق الأحبة، يذرف دموعا يرجو أن تطفئ نيران الحزن في قلبه.

غابت بهجة العيد عن غزة وأهلها المنهكين المحاصرين، من قِبل عدو محتل بغيض، ومن قريبون وجيران يرون الظلم ويسمعونه دون أن يحركوا ساكنا
القلوب مُثقلة بالحزن والوجع، والحياة شاحبة في أعين أصحابها. تغصُّ حناجرنا ألما، وترتجفُ الأصوات رهبة وتفيضُ العيون دمعا، يكاد المرء يتوقف عن التنفس اختناقا، وتتوقف عجلة الحياة للحظات من هولِ المُصاب الجلل الذي يعجز عن استيعابه، حتى أنّ الأرض لم تعد تتسع للحزن والخذلان والخيبات.. أحزانٌ تتوزع على مساحةِ أرضٍ تكثر فيها الآلام، ويتجرّع أهلها مُرّ الفراق وألم الفقد، وتعتصرهم العبرات الموشومة، حسرة في القلوب، وجراحا لا تَبرأ.

رغم الدمار الهائل والمجازر المتواصلة، استقبل أهالي قطاع غزة فجر الأحد عيد الفطر بالتكبيرات وأداء صلاة العيد، متحدّين الموت والركام، في مشهد يجسّد معاني الصمود والتشبث بالحياة. شاهدنا كيف يصطف المئات في الساحات العامة وعلى أنقاض المساجد المدمرة لأداء صلاة العيد، مرددين "الله أكبر" بأصوات تخترق الحطام، حاملة رسالة تحدٍ للاحتلال، ورسالة أمل إلى العالم. لم تكن مشاهد الصلاة وسط الدمار مجرد طقس ديني، بل تعبيرا صامتا وصارخا في آنٍ واحد، عن تمسك الفلسطينيين بكرامتهم وهويتهم وحقهم في الحياة، رغم كل محاولات الإبادة والاقتلاع التي تمارسها آلة الحرب الإسرائيلية منذ شهور.

هذا هو حال أهل غزّة في هذا العيد، فكل عائلة تستذكر فقيدها وجريحها، سواء كان أبا أو أما أو أخا أو أختا، ابنا أو بنتا أو حتى جارا. هذا ما يشعر به الفلسطيني في قطاع غزّة عندما يستعيد ذاكرة الأحداث التي مرّت به ولا تزال ماثلة أمامه، أحداث أشدّ وقعا من أي وصف، قيّدته وحرمته بهجة العيد وفرحته المسلوبة، مستحضرا كل مآسيه وآلامه، وكأنه يفتح خزائن أحزانه وتابوت أوجاع لا تتسع له الأرض.

مقالات مشابهة

  • بدور القاسمي أول خليجية تفوز بجائزة بولونيا راجازي المرموقة
  • بدور القاسمي تتوّج بجائزة "بولونيا راجازي" في الأدب الخيالي
  • بدور القاسمي أول خليجية تفوز بجائزة «بولونيا راجازي» عن فئة الأدب الخيالي (فيديو)
  • بنك القاسمي يفتتح فرعه الجديد في عدن مول لتعزيز الخدمات المصرفية
  • عبد الرحيم علي ينعى الكاتب الصحفي طه عبد العليم
  • حاكم أم القيوين يتقبل تعازي سالم بن عبدالرحمن القاسمي في وفاة الشيخة حصة بنت حميد الشامسي
  • ضياء رشوان يعنى الكاتب الكبير طه عبدالعليم
  • هكذا يستقبلون العيد في غزة!!
  • ماكرون يمرغ أنف الكبرانات في الرمال ويجبرها على قبول الإعتراف بمغربية الصحراء وإطلاق سراح الكاتب صنصال
  • انهيار بدرع الأرض.. قلق متصاعد من الشذوذ المغناطيسي فوق المحيط الأطلسي