يمانيون:
2025-03-22@13:54:48 GMT

متى يُفصِحُ العربُ عن فصاحتِهم؟!

تاريخ النشر: 14th, January 2025 GMT

متى يُفصِحُ العربُ عن فصاحتِهم؟!

الشيخ علي حمادي العاملي

تدهشُنا العديدُ من اللُّغات حول العالم. هناك لُغاتٌ فيها موسيقى تظنُّ أن الشعوبَ الناطقةَ بها تغنّي، وهناك لغاتٌ سهلةٌ حفظنا بعضَ كلماتها من الأفلام والمسلسلات، وهناك لغاتٌ ثقيلةٌ وصعبة، وبعضُها كثيرة الحروف حتى أن أول ما يخطر على ذهنك مثلًا كيف أنّ طفلًا صينيًّا سيحفظُ أكثرَ من 500 حرف أَو بتعبير أدق أكثر من 500 شكل، كُـلّ منها يرمز إلى مقطع صوتي، أَو تتحيّر كيف سيجدون حاسوبًا تتّسع لوحة مفاتيحه لكل تلك الحروف!!

كلامي ليس عن اللغة الصينية ولو أنها جذّابة للتعرف عليها خُصُوصًا مع ريادة الصين اليوم وبروزها في النظام العالمي الجديد، ولكن حديثي عن اللغة التي لا تنفكّ تدهشنا بل تسحرنا، لا في الحرف والتركيب والموسيقى، أَو الغزارة في الجذور والمفردات فحسب… إن الغوص في بحر الضاد يجعلك تتساءل عن العقل العبقري الذي أبدع وعاءً يحمل وحيًّا عجزت عن حمله الجبال ومنبعًا للفكر والإبداع في كُـلّ زمان وفي شتّى العلوم! أي عبقريّ؟!

يقول د.

جورج سارتون: “وهب الله اللغة العربية مرونةً جعلتها قادرةً على أن تدوّن الوحي أحسن تدوين بجميع دقائق معانيه ولغاته، وأن تعبّر عنه بعباراتٍ عليها طلاوة وفيها متانة”.

جذبَتْ هذه اللغة الحسناء الأعاجمَ قديمًا وحديثًا، ولم يقتصر الخوض في أبواب سحرها على الناطقين بها، فقد ورد الكثيرون إلى نهرها ليَبلُّوا الصّدى من “قطر الندى”، وعرجَ الذوّاقون على زهورها ليرشفوا من رحقيها، فهذا “سيبويه” الفارسي يترك “رائحة التفاح” وينجذب إلى شذا اللغة فينحو نحوها بطريق الإبداع. وجاء كشّافُ الزمخشري يكشف عن “أَسَاس بلاغتها” وبعض روعتها. والعشاق والعرفاء يدخلون حانتها ليسكروا من خمرها كما فعل “لسان الغيب” الشيرازي.

صحيح أن اللغة العربية هي من بين أكثر ست لغات انتشارا عالميًّا، ولها قداستها عند المسلمين؛ باعتبَار أنها لغة الوحي، وقد تركت أثرًا كَبيرًا في لغات عديدة كالفارسية والتركية وغيرهما، ونقلت معارف وفلسفة وعلومًا من اليونان إلى أُورُوبا في عصر النهضة، وسادت لقرون من الزمن، إلا أنها بدأت تتراجع؛ بسَببِ عوامل عديدة، حتى اتهمها بعضهم زورًا أَو جهلًا بأنها لا تواكب روح العصر.

الاستعمار كان العامل الأبرز رغم أن طبيعة العربية لغة “مقاوِمة”، صمدت في وجه الفرنكفونية كما يعترف المستعمِر نفسُه، فهذا المستشرق الفرنسي لوي ماسنيون يقول: “العربية لغة التأمل الداخلي، مجعولة كي يتذوق أصحابها مقصدًا إلهيًّا، ولها قدرة خَاصَّة على التجريد والنزوع إلى الكلية والشمول، لغة الغيب والإيحاء تعبر بجمل قصيرة مركزة عما لا تستطيع اللغات الأُخرى التعبير عنه إلا في جمل طويلة فضفاضة”. لا شكّ أن لغتنا الغنية حافظت على تراثها، ولكن ربما ضعفت بعض الشيء خُصُوصًا مع تغرّب الكثير من النخب العربية، واستخدامهم للغات الأجنبية. ومن العوامل أَيْـضًا مسألة العامّية واللهجات المحلّية على حساب الفصحى. ولكن العامل الأَسَاس في رأيي هو ضعف الإنسان العربي وتراجع حضوره في الساحة العالمية فتبع ذلك بطبيعة الحال تراجع اللغة حضورًا. هناك من العرب من يخجلون بلغتهم التي حيّرت المستشرقين ممن استعمروا أرضنا حتى رآها بعضهم أنها لغة خالدة، وأنها لغة المستقبل.

في لبنان، حَيثُ ينفي أبناء الوطن الواحد أيَّ تشابه بينهم، وسادت في السنوات الماضية شعاراتُ “ما بتشبهونا” بين مدرسة فينيقية فرنكفونية مسيحية، وأُخرى إسلامية من شبه الجزيرة العربية، هنا تعيش الضاد أزمة كبيرة سواء في المجتمع بشكل عام، حَيثُ أغلب الناس يكتبون العربية على هواتفهم بحروف أجنبية، ويتحدثون بالأجنبية أَو لغة الخليط وهي جمل عربية مطعّمة بكلمات أجنبية أَو العكس وكأنه تنقصنا المفردات، أم في المدارس بشكل خاص، حَيثُ يعدّها الكثير من التلاميذ لغة ثانوية لا يلتفتون لأهميتها، ولا يعرفون عن سحرها وجمالها سوى ما يطفو على سطح الكتب القديمة والمناهج العقيمة، والمسابقات غالبًا تتجه نحو العناوين العملية والرياضة والمختبر وقلّما نجد مسابقة أَو نشاطًا يتمحور حول اللغة كما كان يحصل في الماضي سواء في الشعر حفظًا وارتجالًا وإلقاءً أم في مسابقات أدبية تعمّق العلاقة مع أبجد هوّز..

وإذا أردنا شاهدًا “ميتًا” على معاناة الأبجدية يكفي أن نشاهدَ جلسةً واحدة لمجلس النواب أَو تصريحًا لبعض السياسيين.. عددٌ من هؤلاء لم يدمّـر اقتصادَ الوطن فقط، بل يسعى لتدمير العربية بحيثُ إنه كما يقالُ في مجتمعنا: لو سمعه “سيبويه” لانتحر.

يأتي يوم اللغة العربية في كانون الأول من كُـلّ عام ربما فرصةً لإعادة رسم الهوية الوطنية المشتركة أولًا، ولإعادة التفكير والتخطيط لآليات تساعد في نشر عظمة اللغة وتعريف العالم على فرادتها وثرائها وغناها بالمعاني والبديع والنحو والبلاغة ووو. وإحياء استخدامها في المدارس والمحافل والمجتمع ونشرات الأخبار وفي بلاد الاغتراب وُصُـولًا إلى إعادتها إلى مكانها الطبيعي في مصافِّ العالمية.. إنها لسانُ آدم وحواء، حينَ عُلّمَ الأسماء.. إنها لغة السماء.

المصدر: يمانيون

إقرأ أيضاً:

نجم «الشَرطان»

لطالما كان للنجوم حضور قوي في الثقافة العربية، ولا تزال الكثير منها تحمل أسماء عربية حتى اليوم، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى في سورة الأنعام: «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ»، وارتبط العرب بالنجوم بشكل وثيق، فأطلقوا عليها أسماء ووصفوها بدقة، ولم يقتصر تأثيرها على علم الفلك وحسب، بل امتد أيضًا إلى الشعر والأدب، حيث تغنّى بها الشعراء وحيكت حولها الأساطير، مستخدمينها لرسم صور خيالية تربط بين النجوم وتوضح مواقعها في السماء ضمن حكايات وقصص مشوقة.

والنجم الذي نتحدث عنه اليوم هو نجم (الشرطان)، وهو نجم ثنائي يلوح في السماء بلونه الأبيض الساطع، ويقع في الكوكبة النجمية التي تسمى الحمل، ولأنه يقع في مقدمة هذه الكوكبة، فقد أطلق عليه العرب هذا الاسم الذي يعني القرون الصغيرة، أو بداية الشيء، وأثبته الفلكيون العرب ضمن منازل القمر الـ28، وقد اعتمدوا عليه في حساب الوقت والفصول، خاصة في الزراعة والرعي، فإذا ظهر «الشرطان» في الأفق فجرًا، فهو يشير إلى بداية الاعتدال الربيعي، مما يعني بدء موسم الزراعة الربيعية، وإذا غرب كان يشير إلى نهاية فصل الشتاء وبدء الدفء، وهو توقيت مناسب لزراعة القمح والشعير.

أما إذا أتينا إلى خصائصه الفلكية التي برزت في العلم الحديث، فهذا النجم يبعد عن الأرض حوالي 59 سنة ضوئية، أما من حيث الحجم فقطره يبلغ 1.8 مرة قطر الشمس تقريبًا، وكتلته تساوي 2.3 مرة كتلة الشمس، وتبلغ درجة حرارته 8,200 كلفن، مما يجعله أكثر حرارة من شمسنا التي تبلغ حرارتها حوالي 5,778 كلفن.

وقد ورد ذكر هذا النجم في كتب العرب وأشعارهم، ففي كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي نقلا عن كتاب ابن قتيبة الدينوري قال: «وأول ما يعد العرب من «المنازل» «الشَرطان»، وهما كوكبان يقال هما قرنا الحمل، ويسميّان النطح والناطح، وبينهما في رأي العين قاب قوس، وأحدهما في جهة الشمال والآخر في جهة الجنوب وإلى جانب الشمال كوكب صغير يكون معهما أحيانًا فيقال: الأشراط، وقد يعرف بـ«الأشرط»، و«الشرطان» نجمان من الحمل، وهما قرناه، وإلى جانب الشمالي منها كوكب صغير ومن العرب من يسمي هذه النجوم الثلاثة بالأشراط، وقيل: هما أول نجم الربيع، ومن ذلك صار أوائل كل أمر يقع أشراطه، والربيع أول الأزمنة للعرب، فيه الخير والبركة لهم، وإذا نزلت الشمس بهذا المنزل فقد حلت برأس الحمل، وهو أول نجوم فصل الربيع، وعند ذلك يعتدل الزمان، ويستوي الليل والنهار فإذا استوى الزمان، يليه نهاية الربيع، وعودة العرب إلى الأوطان، «يقول ساجع العرب: إذا طلع «الشرطان» استوى الزمان وحضرت الأوطان، وتهادت الجيران، أي: رجع الناس إلى أوطانهم من البوادي بعد ما كانوا متفرقين في النجع».

وقد أورده الملاح والفلكي العماني أحمد بن ماجد في منظوماته فقال:

الشرَطَانِ فَهوَ رَاسُ الحَمَلِ

ابدَأ بِذَا في وَقتِهِ المُعتَدِلِ

ثلاثُ نَجمَاتٍ كَمَا خَطُّ الألِف

لكنَّهُ عَنِ القِوَامِ مُنحَرِف

ومن الشعراء العباسيين الذين ذكروا هذا النجم في قصائدهم منهم الشاعر ابن أبي حصينة الذي يقول:

وَبَنى لِقَيسٍ بِالقَنا شرَفًا

لَم يَبنِهِ جُشمٌ وَلا بَكرُ

شرَفًا يَحِفُّ النَيِّرانِ بِهِ

وَيَحُوطُهُ الشرطانِ وَالنَسرُ

ونجد أيضا الشاعر العباسي أبو تمام الطائي يذكر هذا النجم في إحدى قصائده فيقول:

سنَت عَبَراتُهُ الأَطلالَ حَتّى

نَزَحنَ غُروبَها نَزحَ الرَكِيِّ

سقى الشرَطانِ جَزعَكِ وَالثُرَيّا

ثَراكِ بِمُسبِلٍ خَضلٍ رَوِيِّ

كما نقرأ لأبي العلاء المعري قصيدة من البحر الخفيف يذكر فيها نجم «الشرطان» فيقول:

لو تأتّى لنَطْحِها حَمَلُ الشهْ

بِ تَرَدّى عن رأسه الشرَطانِ

أو أراد السماكُ طَعْنًا لها عا

د كسيرَ القَناةِ قبْلَ الطّعانِ

ويقول في قصيدة أخرى من البحر الكامل:

سبحانَ مَن بَرَأَ النُجومَ كَأَنَّها

دُرٌّ طَفا مِن فَوقِ بَحرٍ مائِجِ

لَو شاءَ رَبُّكَ صَيَّرَ الشَرطَينِ مِن

هَذي الكَواكِبِ عِندَ أَدنى ثائِجِ

ولو ذهبنا إلى العصر العثماني لوجدنا أن الشاعر ابن معتوق الموسوي يذكر هذا النجم ويسميه بالشرطين في إحدى قصائده فيقول:

من مَعشرٍ لهمُ على كلِّ الوَرى

شرَفُ النجومِ على حصى الأرضينِ

سامٍ لمُنصلِه وشِسعَيْ نَعلِه

فخرُ الهِلال ورِفعةُ الشرطينِ

وفي العصر العثماني أيضا نجد الشاعر الورغي يذكر هذا النجم فيقول:

مَنَازِلُ لِلإسعَادِ لاَ غَيرُ كُونَتْ

كَفَتْنَا عَنِ الشرْطَيْنِ وَالدَّبَرَانِ

بَلَغْنَا بِهَا لاَ بِالسماكَينِ مَطمَحًا

بِهِ الوَحْيُ وَالإرْسالُ يَلتَقِيانِ

مقالات مشابهة

  • مواصفات امتحان اللغة العربية لـ سادسة ابتدائي الترم الثاني 2025
  • غزة.. والدماء المستباحة!
  • نجم «الشَرطان»
  • اللغة وتقبّل المجتمع أبرز التحديات التي تواجهها المرأة العربية بألمانيا
  • هل مات العرب؟!
  • نيشان: قدوتي في الإعلام رياض شرارة وإتقان اللغة العربية انتصار
  • مصطفى كامل للموسيقى العربية تختتم ليالي رمضان الثقافية والفنية ببرج العرب
  • امتحانات الثانوية العامة| اليوم آخر موعد لتسليم الاستمارات الإلكترونية للجان النظام والمراقبة
  • تفاصيل مسابقة تعيين 25 ألف معلم مساعد 2025 | الشروط والأوراق المطلوبة
  • وزارة الاتصالات تعلن عن بدء التقديم في (مسار واعد) للابتعاث المبتدئ بالتوظيف