فرهاد مجيدي يبدأ «رحلة الإنقاذ» مع البطائح
تاريخ النشر: 14th, January 2025 GMT
علي معالي (أبوظبي)
شاءت الظروف أن يتولى الإيراني مجيدي مهمة الإنقاذ الحالية في البطائح، بـ«سيناريو غريب» بعد أن تمت إقالة المدرب من كلباء بعد الجولة الـ 15 من الموسم الماضي، وكان السبب وقتها هو الخسارة من البطائح 1-2، حيث وصل كلباء وقتها إلى 8 هزائم من أصل 15 مباراة، وهو نفس رصيد هزائم «الراقي» بـ (8 هزائم)، ولكن في 12 مباراة.
وتتطلب مهمة مجيدي الجديدة، الجهد المضاعف من المدرب واللاعبين، خلال الفترة المقبلة من دوري أدنوك للمحترفين للصراع من أجل البقاء بالمحترفين للموسم الثالث على التوالي، والطريف أن انتصار البطائح في الموسم الماضي كان الأول مع الكرواتي جوران توميتش، الذي تم الاستغناء عنه مؤخراً لسوء النتائج!
بدأ فرهاد مجيدي رحلته مع البطائح بقيادة التدريب الأول، وسط طموحات باستعادة نغمة الانتصارات من جديد بعد سلسلة من الخسائر هذا الموسم جعلت الفريق يترنح كثيراً.
وضم فرهاد مع طاقمه الفني، المدرب الإيطالي جابرييل باين والمساعد الإيراني صالح مصطفوي، الذي رافق مجيدي في تدريب الاستقلال الإيراني وكلباء لسنوات عديدة، ويتمتع مصطفوي بتاريخ طويل من التعاون مع مجيدي، ولعب دوراً مهماً في الخطط الفنية للفريق في الموسم الأول من وجود مجيدي في كلباء، ولكن في الموسم الثاني لم يتمكن من مرافقة مجيدي بسبب مشاكل عائلية وإقامة في كندا.
وسوف يكون أول اختبار قوي لفرهاد مجيدي وفريقه يوم 23 يناير الجاري في الجولة الـ 13 من دوري أدنوك للمحترفين أمام الوحدة، الذي يحتل المركز الثالث في الجدول، وستكون هذه المباراة تحدياً كبيراً لمجيدي والخطوة الأولى في الطريق الصعب المتمثل في إبقاء البطائح مع الكبار.
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: فرهاد مجيدي البطائح كلباء دوري أدنوك للمحترفين
إقرأ أيضاً:
تقدميون في متاهتهم
هذه مقالة من تلك التي نعيت فيها على القوى التقدمية ما سميته "خيانتها للحداثة". فقلت إنها في خصومتها الطويلة للإنقاذ الإسلامية أسقطت مصطلحها الحداثي الغربي جملة وتفصيلاً. فحتى الحزب الشيوعي، البوابة التاريخية للفكر الغربي، استدبر الماركسية وتشرب مثل الطوائف الحداثية الأخرى المصطلح الثيولوجي الذي تسيد بفضل دولة الإنقاذ. فأخذت على هذه الجماعات خلو نقاشهم عن الحرب القائمة مثلاً من مصطلح حداثي لا يكون إلا به مثل مفهوم الدولة الوطنية والعنف والجيش. وركبوا الموضوع "عري" أي بغير سرج وبردعة يتفقان مع زعمهم التقدمية. وشبهتهم مرة بمثل حامل جبل مرة بلا وقاية في مثل دارفوري حكيم. فإلى هذا الموضوع من الأرشيف (27 يناير 2019).
كنت أفكر في كلمة لعلماني قال فيها إن ثورة ديسمبر أبطلت المشروع (المعرف بالألف واللام) الإسلامي حين لمحت في مؤخرة السيارة التي أمامي في مدينتي الأمريكية ملصقاً تعريبه كالآتي: "البندقية لا تقتل، يقتل الإجهاض". ولا يخفي على كل ذي معرفة بالحروب الثقافية الأمريكية أن صاحب السيارة التي كانت أمامي إيفانجيلي في جهاد صليبي ضد الدولة العلمانية التي عمرت في بلده لقرنين وأكثر. فأراد بملصقه القول إن الإجهاض الذي يحرمه الرب أخطر من البندقية التي يريد العلمانيون فرض القيود على تملكها حتى لا يقتتل الناس. فلم تشفع القرون للعلمانية التي كيفت خلالها الحياة الأمريكية من أن يستل مثل السائق الذي أمامي سيفاً من غمد الدين مشروعاً ما لرد الدولة الفاسقة للدين في لغة حسن الترابي.
وددت لو تأنى رفاقي العلمانيون في الحدس بمآل الدين في دولة ما بعد ثورة ديسمبر 2018. ولا أدري إن كانوا توقفوا عند المصطلح الذي يعبر به الناس عن ثورتهم أو عن ضيق آخرين بها. فقد خلا الشوق للثورة، أو لكسر شوكتها، من المصطلح الأوربي الذي عبر جيلي وما بعد جيلي به عن ضرورة الثورة. فقد نشأنا على المصطلح الماركسي صريحاً أو مستعاراً في مثل الناصرية والبعثية. أما في وقتنا فقد غلب المصطلح الإسلامي غلباً كبيراً في خطاب الثورة وفقه الدولة المنتظرة. فدولة الإنقاذ الإسلامية وخصومها يغرفان من بحر الثقافة الإسلامية بغير وسيط غربي لتدبيج حججهم. فلم تعد الدولة الإسلامية تدفع عن نفسها كما في الماضي بضرورتها كالطريق الثالثة في عالم صبأ عن الحق وتوزع بين شرق ملحد وغرب مادي. وتبنت معارضتها الرسمية، من الجهة الأخرى، مبارزتها ورميها بالخروج على الدين خروجاً صارت به الاسم الفسوق على بينة من شواهد النص الديني.
وتجسدت حرب المصطلح الديني القائمة حول السؤال: هل يجيز الإسلام الخروج على الحاكم؟ ولم تكن الثورة على الحاكم في جيلنا مما احتجنا فيه لدقائق الدين وفقهه. كنا نأخذ بعموم الدين وافتراض أنه يأبى الظلم ويدعو للحرية والسلام والعدالة. ولكن الأمر خلاف ذلك الآن. فمسألة الخروج على الحاكم مما انفتحت لها أبواب الفقه مشرعة.
ورأيت خلال تصفحي الإنترنت أن هذه الحرب دائرة بين الشيخين محمد مصطفى عبد القادر وعبد الحي يوسف. فسلق الأول الثاني بألسنة حداد لتجويزه الخروج على الحاكم، ونفاه عن أهل السنة والجماعة، ودمغه بأنه من الخوارج والمعتزلة. وكنت كتبت عن الشيخ عبد الحي بحثاً قبل عقد ونيف نظرت في كتابه "الاستبداد السياسي في ضوء القرآن والسنة" (2006) ووجدته لا يذعن للحُكم الباطل ولا يحميه من غضبة الناس بقوله: "من حكم الناس عن طريق الغلبة والقهر بقوة عسكرية أو غيرها مهملاً الشورى، معرضاً عن رغبات الناس، مستعملاً القمع والخداع، فهو مستبد أولاً وآخراً، ولو سمى نظامه إسلامياً فما غير في الأمر شئياً، إذ العبرة بالأصول والمعاني، لا الألفاظ والمباني" (311:2006).
واستل محمد مصطفى حديثاً منسوباً للنبي صلوات الله عليه قال فيه إنه سيستعمل على المسلمين أمراء لهم قلوب شياطين في جثمان أنس لا يهتدون بهديه ولا يستنون سنته. ومتى حكموا وجبت طاعتهم وإن ضرب الواحد منهم ظهرك وأخذ مالك. وهو حديث مطعون في حقيقته عند ابن حزم وفي نصه وفي سنده طعوناً لم يتوقف الشيخ الهزلي عندها وزادها كآبة بتهتكه وظرفه الماسخ.
وقع الخلاف في أوربا القرن السابع عشر حول شرعية الخروج على الحاكم بين الفيلسوفين الإنجليزيين توماس هوبز (1588-1679) وجون لوك (1632-1704). فأجاز الثاني هذه الشرعية وحرمها الثاني. وكان هوبز ولوك عاشا في عصر مضطرب في انجلترا ضرجته الحرب الأهلية التي انشقت بها البلد إلى طوائف حادة الاستقطاب والعسكرة. ولسيادة النزاع والاقتتال والدم في تلك الفترة سماها هوبز حالة من حالات الطبيعة التي تقوم على الصراع والفظاظة.
اتفق لكل من هوبز ولوك فساد النظر للسياسة من زاوية العقيدة الدينية. فالسياسة في رأيهما معارف دنيوية منفصلة عن فقه الدين. وكان السؤال الذي جبههما هو: كيف للناس أن يتعايشوا في زمن لم تعد للاعتبارات الدينية والتقليدية الفاعلية أو الجاذبية؟ ولكنهما اختلفا حول طبيعة الحكم الذي يكفل لهم هذا التعايش بسلام. ودار خلافهما حول الموقف من حكم الملوك المطلق الذي خضعت له أوربا طويلاً. فاعتقد فيه هوبز بينما نقضه لوك. وفي الحالين كان العقل دليلهما في عقيدتيهما لا أية حقوق سلطانية أو تقليدية أو دينية مسبقة. فالعقل هو المعيار عندهما في الأحكام بما فيها خطة المُلك.
فرأى هوبز أن الحُكم تعاقد بين الملك والشعب. ومتى صار الملك في سدة الحكم لم يجز نزعه منه وجعل له بذلك سلطة مطلقة لا معقب عليها. أما لوك فركز الحكم في الشعب وجعله رهيناً بالإحسان للمحكومين يسقط متى لم يعد يمثل الشعب. ولذا كان لوك، لا هوبز، هو الأكثر تأثيراً في مفهوم السياسة الحديثة.
وخلاف هوبز ولوك قائم في نظر كل منهما للطبيعة البشرية. فهوبز سيء الظن فيها. وهو القائل بإن الإنسان "ذئب أخيه الإنسان" لطلبه الحثيث للشوكة لا يريم. أما لوك فحسن الظن بالطبيعة البشرية. وأنبنت نظم الغرب على حسن ظنه ذاك. فاقتدى الغرب به في قدسية الدستور وحقوق الإنسان لأنه رهن الحكم بالإحسان وإلا ذهب. ومصدر حسن ظن لوك بالطبيعة البشرية هو اعتقاده بأنها محكومة بقوانين طبيعية من وضع الرب. ورب لوك مطلق غير منتم لدين بعينه. وعليه قال لوك، ناظراً إلى صقل القوانين لهذه الطبيعية، إن الإنسان يُعنى بنفسه كثيراً، ولكن لا يغيب عنه اعتبار مصلحة جماعته فينجو بذلك من التوحش الذي رماه هوبز به. فسيصعب على هوبز، القائل بانشغال الإنسان بنفسه واستغراقه فيها، مثلاً تفسير لماذا يهب إنسان لنجدة آخر بتكلفة قد تؤدى إلى موته.
لم تكن منزلة الإسلام من الدولة بعد فشل مشروع (بغير ألف ولام) دولة الإنقاذ الإسلامي موضوع نظر علمي منهجي بين دعاة فصل الدين عن الدولة تجاوز الاحتجاج السياسي على الإنقاذ ومشروعها. وأعفاهم من ذلك النظر خلوصهم إلى قناعة أن الإنقاذ دولة غير إسلامية لا تقارب الدين إلا ذراً للرماد في العيون. وهنا مربط فرس مأزق العلمانيين. فتجدهم لا يستوقفهم تناقض بَين في مقولتهم: فحين خلصوا إلى أن المشروع الإسلامي (بإطلاق) كما جسدته دولة الإنقاذ قد انتهى إلى غير رجعة تجدهم في نفس الوقت ينفون دولة الإنقاذ عن الإسلام. فكيف ينتهي مشروع ما ببينة دولة لم تطبقه؟
ينتظر العلمانيون شغل كثير للتوطن في ثقافة غلب عليها المصطلح الإسلامي في فقه الدولة. وينتظرهم أيضاً وبشدة تجديد النظر في مصطلح فكرهم الحداثي الذي هجروه زمناً لاستغراقهم في المقاومة العملية للإنقاذ. وأردت بهذا المقال حول شرعية الخروج على الحاكم في فقهنا الإسلامي والعلماني التشديد على أهمية الشغل العلماني المنتظر في الجبهتين.
ibrahima@missouri.edu