أوراق عمل ومناقشات موسعة تستشرف آفاق التعاون الاقتصادي والثقافي بين عُمان والصين
تاريخ النشر: 19th, August 2023 GMT
◄ السعيدي: الصين نموذج متفرد في الدبلوماسية الاقتصادية.. وعُمان إحدى دول "الحزام والطريق"
◄ السعدي: عُمان والصين تتشاركان العديد من التوجهات الاستراتيجية القائمة على الثوابت الوطنية
◄ المقدم: تقدم كبير في مستوى التعاون الاقتصادي والتجاري بين عُمان والصين
ضمن أعمال المنتدى، ألقى الدكتور خالد بن سالم السعيدي رئيس جمعية الصداقة العُمانية الصينية، كلمةً، أكد فيها أهمية انعقاد المنتدى العماني الصيني، الذي يأتي ضمن جهود تعزيز التعاون بين البلدين الصديقين.
وأضاف: "إننا في سلطنة عمان، وإذ نتلمس خُطى واثقة نحو مستقبل تزاحم فيه بلادنا على مصاف الدول المتقدمة وفق أولويات ومستهدفات رؤية عُمان 2040م، والتي تتضمن من بين عديد التطلعات الطموحة أن تكون الموانئ العمانية بشكل خاص، والسلطنة بشكل عام، مركزًا لوجستيًّا ومحطة رئيسية من محطات مبادرة "الحزام والطريق"، تمامًا كما كانت قبل ذلك في العصور الماضية".
تاريخ ممتد
وتابع القول: "إنه لمن يُمن الطالع أن تتوافق هذه الرؤى مع سجلات تاريخية كتبها العُمانيون الأوائل بمداد من ذهب، ممن مَخَرُوا عُبَاب البحار وشيَّدوا علاقات تجارية وثقافية مع حضارات العالم القديم، لا تزال تشيد وتشير إليها كتب التاريخ، حتى قبل وصول السندباد العماني أبي عبيدة عبدالله بن القاسم الصحاري إلى ميناء كانتون بمقاطعة كوانزو الصينية، إضافة لسجل حافل من العلاقات الدبلوماسية والتقدير الدولي للسياسة الخارجية العُمانية، وعلاقات أخوة وصداقة مع العالم أجمع، وفي القلب منها وبخصوصية أكبر جمهورية الصين الشعبية، التي تتوافق رؤانا معهم في حق العالم أن ينعم بالسلام والوئام، دون التدخُّل في الشؤون الدخلية للغير، مع إيمان راسخ بأن الحوار ثم الحوار هو الطريق الأمثل والحل الناجع لكافة الخلافات أيًّا ما كان سببها ومنشؤها.. وهو في رأيي نتاج انتماء كلا البلدين لاثنتين من أقدم حضارات الشرق الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ".
واستطرد السعيدي قائلا: "يحق لنا نحن العمانيين أن نزهو ونفخر بما سطرته كتب التاريخ، وما جاء على لسان المؤرخين الصينيين من ذكر لمحطات مُهمة؛ على مستوى التبادل التجاري والحضاري الذي يمتد لما قبل الميلاد، فكما تشير وثائق الحوليات الصينية التي تُرْجِمت بعض نصوصها إلى اللغة العربية، فإن تلك العلاقات بدأت فعلًا في القرن الأول قبل الميلاد، وتحديدًا في عهد الإمبراطور تشانغ تشيان الذي ينتمي إلى أسرة "هان"، كما أنَّ المؤرِّخ الصيني "فواين جانغ" ذكر في كتابه "مبادئ الشرق" أنَّ اللُّبان كان ضمن السلع التي يتم استيرادها من ظفار، وذكر كذلك المؤرخ الصيني "لي يوساي" أنه "كانت تقام سوق سنوية في بادانيا بمنطقة الخليج تعرض فيها السلع الصينية". وكما هو معلوم فإنَّ بادانيا هي دبا العمانية التي كانت العاصمة السياسية والاقتصادية لأسرة آل الجلندى في الفترة التي سبقت ظهور الإسلام".
الدبلوماسية الاقتصادية
وأكد السعيدي أن جمهورية الصين الشعبية تُمثِّل اليوم نموذجًا متفردًا في الدبلوماسية الاقتصادية والقوة الناعمة، والتي تعدُّ مبادرة "الحزام والطريق" أحد عناوينها الرئيسية؛ تلك المبادرة الإستراتيجية الإنمائية التي تهدف لإنشاء شبكة تجارية تتألف من جزأين؛ هما: حزام طريق الحرير الاقتصادي البري، وطريق الحرير البحري، وبلا أدنى شك ستُسهم هذه المبادرة في تعزيز مشاريع البُنى الأساسية التي تمتد من آسيا الوسطى والشرق الأوسط وإفريقيا لتربط فيما بعد اقتصاديات آسيا وإفريقيا بالاقتصاديات الأوروبية والأمريكتين. كما تتضمن المبادرة تطوير الاستثمارات في أكثر من مائة واثنتين وخمسين دولة ومنظمة دولية في آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، وحتى الأن وقعت أكثر من مائة وست وعشرين دولة وتسع عشرة منظمة دولية، اتفاقات تعاون مع بكين في إطار هذا المشروع الواعد.
واختتم السعيدي كلمته بالتعبير عن اعتزاز جمعية الصداقة العمانية الصينية، بأن تكون جزءًا من هذا المنتدى الطامح لتعزيز التقارب والتعاون مع جمهورية الصين الشعبية؛ حيث إنَّ هذه الجمعية تأسست في العام 2010، بهدف تنمية وتوثيق أواصر الصداقة بين سلطنة عُمان والصين في المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والرياضية.
دبلوماسية السلام
وقدّم الدكتور عبدالله بن صالح السعدي سفير سلطنة عُمان لدى جمهورية الصين الشعبية سابقًا كلمة بعنوان "دبلوماسيّة السّلام وتوافقيّة الرّؤى"، أعرب فيها عن سعادته بالمشاركة في المنتدى العُماني الصيني "علاقات تاريخيّة وآفاق واعدة" بمناسبة مرور 45 عاما على العلاقات الدبلوماسيّة بين البلدين الصديقين.
وقال السعدي: "لقد نلتُ شرف المساهمة في خدمة العلاقات العُمانية الصينية لما يربوعلى 12 عامًا، حينما كنت سفيرًا لسلطنة عُمان من العام 2006 ولغاية العام 2020، وقد لمستُ خلالها المشاعر الخاصّة التي يُكنّها الشعب الصيني تجاه الشعب العماني ويعتزّ كثيرًا بتلك الاتصالات الوديّة بين البلدين عبر التاريخ". وأضاف: "كان طريق الحرير البري وطريق البخور البحري خلال القرن السادس الميلادي وشاجًا، ربطَ بين الشعبين الصديقين، كما إن التبادلات التجاريّة والنشاط بين الشعبين والتواصل بين الحضارتين القديمتين، قد تعمَّق عبر التبادل التجاري؛ ابتداءً من أسرة تانغ وأسرة سونغ بشكل خاص، أقبل أفراد الطبقة العليا من المجتمع الصيني على استهلاك البخور فكانت الصين تستهلك كمية كبيرة من البخور، وحسب إحصاء التجارة الخارجية الصينية في عام 1077 بلغت كمية البخور التي وصلت إلى ميناء كانتون 147 طناً، معظمها من ظفار العمانيّة التي تلقّب في الصين بشاطئ البخور".
وأوضح أنه لذلك السبب سُمي الطريق البحري بين عمان وجنوب الصين بطريق البخور، وأنه عبر هذا الطريق جاء التجّار العمانيون إلى الصين بسلعٍ مثل: الكتّان والقطن والصّوف والسّجاد، إضافة إلى اللّبان العماني. وتابع قائلًا: "كانت هذه السفن تعود بالحرير والخزف والمسك والكافور وغيرها من المنتجات الصينية ومن بين هؤلاء التجار العمانيون الشيخ عبد الله العُماني، الذي تولّى منصب رئيس هيئة الشؤون الخارجية في كانتون (القنصلية حاليًا)، وعاش في كانتون عشرات السنين، وقد قام البحّار الصيني الشهير تشنغ خه بسبع رحلات بحريّة إلى المنطقة؛ حيث زار أسطوله عمان 4 مرات، وقد واصلت التبادلات بين عمان والصين تطورها على مدى نحو 1500 سنة من أسرة هان إلى أسرة مينغ الملكيّتين".
وأضاف السعدي أن الصين ظلّت تدعم عُمان بثبات في المحافظة على استقلال سيادتها واستقرار مجتمعها، وفي استكشاف طريق التّنمية الذي يناسب ظروفها الوطنيّة بإرادة مستقلّة، كما التزمت عمان بحزم بمبدأ الصين الواحدة، وهي تتفاهم مع الصين وتدعمها في القضايا المتعلقة بمصالح الصين الجوهريّة.
الشراكة الاستراتيجية
وذكر أنه في يوم 25 مايو 2018، وبمناسبة الذكرى الأربعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين عُمان والصين، أعلنت الدولتان قيام "الشراكة الاستراتيجية" بينهما ووقّعتا على وثيقة التعاون لـ"الحزام والطريق"؛ مما دفع بالعلاقات بينهما إلى مرحلة جديدة من التطور والنماء.
وقال إن الدبلوماسية العمانية تقوم على أسس ومرتكزات واضحة، وتقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الآخرين، في الوقت الذي لا تسمح فيه حكومة سلطنة عمان في التدخل في شأنها الداخلي وهوذلك النهج الذي تأسّس منذ فجر النهضة المباركة مطلع السبعينيات ويتعزّز اليوم في عهد حضرة صاحب الجلالة السّلطان هيثم بن طارق المعظّم- حفظه الله ورعاه.
وأكد السعدي أن سياسة سلطنة عمان تتميّز بالواقعيّة والتكيّف مع الظروف المتغيّرة دون المساس بالمرتكزات فثمّة مبادئ جليّة هي الإيمان الكبير بأن العالم بشكل عام يجب أن يسوده السّلام والإخاء وأن يقوم نسيج العلاقات بين الدول على المنافع المشتركة التي تقود إلى تعزيز فرص التعايش الأخوي والصداقات بين الشعوب والدول مما ينعكس على المناحي الاقتصادية والتجارية والثقافية والمعرفية الخ...
وقال إن هذه المبادئ الاستراتيجيّة الثابتة التي لها أفق بعيد المدى ورؤية استشرافية للأمور ومعلوم أن كلّ ما يتأسّس على المبادئ الإنسانية السمحة يكون له طابع الديمومة والاتّزان والبقاء لفترة أطول، وهو جوهر المعنى الإنساني في صلب وصميم تلك الفلسفة العمانيّة للعلاقة مع الآخر من الجار القريب إلى الصديق القريب أوالبعيد جغرافيّا.
وأشار إلى أنّ وجهات النظر المختلفة والمتنوعة تظلّ محترمة ومقدّرة بين الأطراف وأنّ الكلّ يجب أن يضع الاعتبار لرؤية الآخر ومنهجه باتجاه الموضوع أوالقضية المعينة وفي ظل هذا الإطار يجب على الجميع أن يفكروا بشكل أفضل بما يحقق المنفعة المشتركة.
ومضى قائلًا: "تنتهج الصين أيضا سياسة خارجية سلمية مستقلة وتلتزم باستراتيجية الانفتاح ذات المنفعة المتبادلة والمربحة للجانبين وداعم قوي للسلام العالمي والنظام الدولي ومساهمة في التنمية العالمية، في الوقت الذي تواجه فيه التنمية العالمية تحديات خطيرة، فإن استضافة الصين لمنتديات وقمم الحزام والطريق للتعاون الدولي من أجل تعزيز التنمية وسعيا لبناء مصير مشترك للبشرية جوهره ترابط جميع دول العالم وصولا إلى وحدة وتعاون دولي".
وشدد على أن الثّقة المتبادلة الاستراتيجيّة بين البلدين تزداد عمقًا؛ حيث تتمسّك عمان والصين بطريق التنمية السلميّة وتعارضان الهيمنة وسياسة القّوة بجميع أشكالها والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتدعوان إلى الحلّ السلمي للقضايا الإقليميّة من خلال المفاوضات والحوار. وقال إنه نتيجةً لهذه الرؤية السياسية الحكيمة والتي تتبناها كلتا الدولتين، فقد أسهما بدور كبير في رأب الصّدع وحلّ الكثير من المشاكل الإقليميّة والدوليّة التي جنّبت العالم الكثير من الويلات المحتملة، وعزّزت السّلام والأمن الدوليّين.
من جهته، استعرض الدكتور محمد المقدم ملامح العلاقات العمانية الصينية التاريخية والدبلوماسية منذ عهد أسرة هان وحتى الوقت الحاضر، لافتًا إلى أن العلاقات العمانية الصينية قديمة ومتجددة عبر العصور التاريخية ولم تتوقف.
وأضاف خلال ورقة عمل أنه خلال الـ45 سنة الماضية حقق التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين تقدمًا كبيرًا، موضحًا أنه في عام 2018، صدر إعلان مشترك للارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستوى تاريخي جديد؛ حيث جرى توقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية واتفاقية انضمام عُمان إلى مباردة "الحزام والطريق".
وأكد أن جهود تعزيز العلاقات التاريخية بين البلدين تتواصل في عهد النهضة المتجددة تحت قيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- وقيادة فخامة الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي التقى مع صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء، في القمة الصينية العربية الأولى بالرياض عام 2022، إذ أشاد الرئيس الصيني بالعلاقات التاريخية والمعاصرة بين عُمان والصين.
جلسة نقاشية
واشتمل المنتدى جلسة نقاشية دعت إلى المزيد من التبادل التجاري والثقافي بين البلدين، وأدار الجلسة الدكتور خالد بن سالم السعيدي رئيس جمعية الصداقة العُمانية الصينية، بمشاركة كل من الدكتور محمد بن سعد المقدم أستاذ مساعد بقسم التاريخ في كلية الآداب والعلوم الاجتماعية سابقًا، و"شا يانج" الرئيس التنفيذي لشركة "عُمان لنس" ورئيس نادي الجالية الصينية في سلطنة عُمان، والباحث والإعلامي الدكتور أحمد علي محمد المشيخي، وتشين جيانهان الرئيس التنفيذي لشركة هواوي للاستثمارات التكنولوجية، و"وانج هوا" المدير العام لشركة دليل للنفط، والدكتورة مريم بنت سعيد البرطمانية الباحثة بجامعة السلطان قابوس، والباحث والكاتب في الشؤون السياسية مسعود أحمد بيت سعيد.
واستعرض المشاركون في الجلسة العُمق التاريخي للعلاقات العمانية الصينية من المنظور العُماني والصيني، مع تسليط الضوء على حجم الإسهام المهم للتفاعل الثقافي والتجاري بين البلدين، لتنتقل دفة الحديث من الماضي إلى الحاضر ثم استشراف المستقبل المزدهر بين البلدين، وكيفية توظيف الطفرة الهائلة في كافة القطاعات التنموية العمانية والصينية لتعزيز مستويات التعاون.
وناقشت الجلسة المجالات التي من المؤمل تعزيز التعاون فيها، لضمان استدامة العلاقات الثنائية وتطورها، ومن بين هذه المجالات: الإعلام، والثقافة والفنون، والسياحة، والتعليم والزيارات العلمية، وكذلك المعارض المشتركة.
وتطرقت الجلسة إلى التسهيلات والامتيازات التي تقدِّمها سلطنة عُمان للمستثمرين الأجانب، ودورها في الارتقاء بمستوى التبادلات التجارية، والاستثمارات في القطاع اللوجستي، وجذب الاستثمارات المشتركة. وناقش المتحدثون في الجلسة مبادرة "الحزام والطريق"، واستكشاف دور هذه المبادرة في تعزيز التعاون بين سلطنة عمان والصين.
واختتمت الجلسة بطرح عدد من التوصيات التي من شأنها أن تعزز العلاقات العمانية الصينية والذهاب بها نحو آفاق أرحب من التبادلات التجارية. ودعا المشاركون في المنتدى إلى إطلاق برنامج متكامل لتعليم العمانيين اللغة الصينية؛ كونها لغة الصناعة والاقتصاد في المستقبل، وتدشين برامج ابتعاث لتدريب الشباب العماني على الصناعة الصينية؛ ليصبح متمكنًا وقادرًا على دخول السوق الصيني. وحث المنتدى على دعم جهود جذب الاستثمارات الصينية إلى عمان في القطاعات الواعدة، لا سيما قطاعي التكنولوجيا والصناعة، ومن ثم توطين هذه الصناعات وتعزيز نسب التعمين فيها. وطالب المجتمعون بتطوير منصات الإعلام في البلدين باللغة العربية والصينية؛ لنشر تاريخ الصداقة بين عُمان والصين، مع تأكيد القواسم المشتركة بين البلدين في نهج السلام ومبدأ الحوار والعلاقات الطيبة.
يُشار إلى أن المنتدى يرتكز على مسيرة 45 عامًا من الصداقة الدبلوماسية بين البلدين، وكذلك الأصداء الطيبة التي رافقت احتفالية تدشين النُّصب التذكاري للبحار الصيني تشنغ خه، في خطوة تبحث إثراء العمقُ التاريخي المُميِّز لعلاقات الصداقة الثنائية بين البلدين.
وهدف المنتدى إلى إضافة جسر التقاء جديد على مائدة التاريخ نحو مستقبل حافل بفرص التعاون على كافة المستويات والصُّعد، وبما يُضفي على مفهوم الصداقة والتعاون بين السلطنة والصين نظرةً استشرافيةً لمستقبل أكثر ازدهارًا ورسوخًا، بفضل الإرادة السياسية السامية لقائدي البلدين، وتوجيهاتهما السديدة لتعزيز أواصر التقارب لفتح مزيد من مجالات التعاون التي تخدم البلدين وتساعد على زيادة رقعة التنمية ويحقق الأهداف المشتركة ويلبي التطلعات الثنائية.
وتضمَّنت أعمالُ الملتقى "معرضًا للصور والوثائق" يَرْوي تاريخًا حافلًا من العلاقات بين البلدين الصديقين.
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
العلاقات الأمريكية الصينية قد تتحسن في عهد ترامب
سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين مضطربة، وغالبا ما ستظل كذلك لسنوات قادمة، لدى الساسة الأمريكيين نظرة كسولة (سطحية) وجاهلة إلى حد بعيد للعالم، إذ يعتقد هؤلاء الساسة أن الولايات المتحدة في مركز نظام العالم وعلى البلدان الأخرى احترامها، ولأن أمريكا ليست كذلك هنالك اختلاف واضح بين نظرة واشنطن للعالم وبين الواقع. هذا الاختلاف يقود إلى توترات بل حتى إلى حروب.
من المستبعد حل مشكلة هذا الاختلاف خلال فترة إدارة دونالد ترامب. لذلك ستتَّسم السنوات القادمة بالتعقيد، في الوقت ذاته من المرجح أن يكون ترامب أكثر واقعية وبالتالي أكثر نزوعا نحو الدبلوماسية من بايدن.
القضية الأساسية هي أننا في عصر تقارب اقتصادي تقلِّص فيه البلدان النامية الفجوة الاقتصادية مع البلدان الأكثر ثراء. ذلك لأن البلدان النامية لديها أدوات السياسات اللازمة لتحقيق نمو سريع، وتقود الصين هذا التقارب الاقتصادي للعالم، فهي وفقًا لمختلف مقاييس العلوم والتقنية سدّت إلى حد بعيد الفجوة مع الولايات المتحدة وأوروبا في الإنتاج العلمي الكلي والتقنية المتقدمة في مجالات عديدة.
أيضا تحقق بلدان نامية أخرى مثل دول الآسيان والهند تقدما سريعا في اقتصادها وتقنيتها رغم أنه ليس بالسرعة التي شهدتها الصين خلال الفترة 1980-2020. ومن المرجح أن تحقق إفريقيا إنجازات سريعة خلال الأربعين عامًا القادمة ولو أنها ستكون انطلاقا من قاعدة متدنية في المتوسط حاليا.
منذ بداية القرن التاسع عشر وحتى اليوم تشكل لدى الولايات المتحدة إحساس بالتفوق الثقافي والاقتصادي والتقني على بقية البلدان. عكست هذه الثقة العظيمة بعض الإنجازات اللافتة. لقد كان لدى الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم في حوالي عام 1890. وحققت اختراقات لافتة في الإنتاج الصناعي وفي مجالات عديدة في العلوم والتقنية مثل اختراع الترانزيستور في عام 1947 والهبوط على سطح القمر في عام 1969 والمعالج الدقيق في عام 1971 والتطوير المبكر للإنترنت في الستينيات والسبعينيات والإنجازات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي.
مع ذلك الولايات المتحدة أبعد من أن تكون لوحدها في تحقيق هذه الإنجازات. فقد جاءت اختراقات عديدة من أجزاء العالم الأخرى. وخضعت ابتكارات أمريكية عديدة لتحسينات كبيرة بإنجازات في بلدان أخرى، مع ذلك صارت الغطرسة جزءًا ثابتًا من السياسة الخارجية للولايات المتحدة وسببًا للعديد من إخفاقات السياسة الخارجية الأمريكية وأخطائها الفادحة.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدا للقادة السياسيين الأمريكيين أن لديهم منافسًا واحدًا محتملًا على القوة العالمية وهو الاتحاد السوفييتي. قد اعتقدوا أن بلدهم سيتفوق في النهاية عليه عبر هيمنتها على العلم والتقنية والاقتصاد والمال. فزعت الولايات المتحدة لفترة وجيزة من إطلاق الاتحاد السوفييتي القمر الصناعي «سبوتنك» في عام 1957، كما أقرت بقوة الترسانة النووية السوفييتية أيضًا. لكن القادة الأمريكيين اعتقدوا أن الولايات المتحدة ستتفوق على الاتحاد السوفييتي في نهاية المطاف. وعندما تفكك إلى 15 دولة في عام 1991 طغى في واشنطن الاعتقاد بالهيمنة الأمريكية الدائمة على العالم.
.
ما لم يضع ساسة الولايات المتحدة له حسابا كان التقارب الاقتصادي. ففي ستينيات القرن الماضي حققت اليابان وبلدان جارة عديدة في شرق آسيا نموًا سريعًا ولافتًا. وبداية من أواخر السبعينيات بدأت الصين النمو الأوسع نطاقًا والأعظم في التاريخ، وبحلول التسعينيات شرعت الهند وبلدان جنوب شرق آسيا في تحقيق نمو اقتصادي سريع. وهبطت حصة الولايات المتحدة من الناتج العالمي قياسًا بالأسعار العالمية (تعادُل القوة الشرائية) من 22% في عام 1980 إلى 15% في عام 2024، وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، وخلال الفترة نفسها زادت حصة الصين من الناتج العالمي من 2% إلى 19%.
بداية من حوالي 2010 شرع القادة السياسيون للولايات المتحدة في النظر إلى الصعود الاقتصادي للصين كتهديد للهيمنة العالمية الأمريكية. ومن حوالي 2014 بدأت واشنطن في توظيف قواعد «سياسة الاحتواء» القديمة التي استخدمتها ضد الاتحاد السوفييتي لمحاولة عرقلة التقدم المتواصل للصين. واتخذت الولايات المتحدة عدة خطوات بما في ذلك نصب المزيد من الحواجز التجارية ضد تدفق التقنية إلى الصين والحدّ منها وتعزيز الوجود العسكري الأمريكي حول الحدود البحرية الصينية في الطرق التجارية ببحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي.
جو بايدن سياسي عاش إلى حد بعيد في الماضي إبان فترة رئاسته مرددًا الكليشيهات القديمة التي تعود إلى سنوات التسعينيات عن دور الولايات المتحدة الذي لا يمكن الاستغناء عنه في العالم. وكانت الحرب الروسية-الأوكرانية نتيجة لاعتقاده في التفوق الأمريكي الدائم. تمثلت فكرة الولايات المتحدة في توسع حلف الناتو شرقًا لمحاصرة روسيا في منطقة البحر الأسود وذلك تماما على نحو تعزيزها لوجودها العسكري في شرق آسيا.
رسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطًا أحمر وواضحًا ضد تمدد الناتو في أوكرانيا وجورجيا. ورفض بايدن مراعاة خطوط بوتين الحمراء مما قاد ألي الحرب. جوهر تصرفات بايدن اعتقاده الخاطئ بأنه سرعان ما سيتغلب على روسيا بالجمع بين العقوبات الاقتصادية والقوة المالية وأسلحة الناتو. بالطبع اتضح خطأ هذا التفكير الساذج.
مارست الولايات المتحدة أيضًا لعبة شبيهة تجاه تايوان بالاستمرار في زيادة مبيعات الأسلحة للجزيرة على الرغم من اعتراضات بكين القوية. مرة أخرى تتبدى غطرسة واشنطن المتمثلة في الاعتقاد بأن الولايات المتحدة لا يلزمها مراعاة الخطوط الحمراء للآخرين بما في ذلك بكين. لكن لحسن الحظ كانت واشنطن أكثر حذرًا في التعامل مع بكين مقارنة بتعاملها مع موسكو على الرغم من أن السياسات الأمريكية تجاه تايوان كانت مستفزة وخطرة.
عودة ترامب إلى البيت الأبيض ستغيّر هذه الدينامية، لكنها لن تنهي التوترات بين الولايات المتحدة والصين. ترامب واقعي إلى حد بعيد مقارنة بجو بايدن وسيحترم قوة الصين بأكثر مما فعل بايدن. نحن نشاهد سلفًا واقعية ترامب في تعامله مع روسيا. فهو سيحاول المساعدة في إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية بإنهاء المسعى الأمريكي الذي طال به الأمد لاستيعاب أوكرانيا وجورجيا في الناتو. إنه يحترم قوة روسيا وهو مصيب في ذلك. وهو يدرك أن بايدن بالغ كثيرا في تقدير قوة الولايات المتحدة ولا يرى أي فائدة في الاستمرار في المقامرة بأوراق ضعيفة، بالطريقة ذاتها ربما سيحاول تجنب تصعيد التوترات مع بكين حول تايوان.
مع ذلك يبدو أن ترامب يبالغ هو وفريقه في نظرتهما لقوة وقدرة الولايات المتحدة على تشكيل الأحداث بما يخدم أهدافها الضيقة. فمثلًا تعتقد واشنطن كما يبدو أن بإمكانها استدامة تفوقها في التقدم التقني على الصين بالحد من تدفق التقنيات الأمريكية إلى ذلك البلد، لكن وكما أوضح نموذج «ديب سيك» من المستبعد أن يكون ذلك كذلك. فقطاع العلم والتقنية في الصين يزدهر ولا يمكن حقًا وقفه بواسطة الولايات المتحدة. وبالطبع ليس هنالك سبب وجيه للولايات المتحدة كي تفعل ذلك.
ترامب على نحو مماثل بالغ في تقدير أهمية سوق الولايات المتحدة للمصدرين الصينيين وبالتالي يخمِّن أن تهديد الرسوم الجمركية الأمريكية والحواجز التجارية الأخرى منافسي بلده.
السوق الأمريكية مهمة جدًا للجارتين كندا والمكسيك وبلدان قليلة أخرى، لكنها أقل أهمية إلى حد بعيد لمعظم العالم بما في ذلك الصين. فالسوق الأمريكية تستقبل 71% من الصادرات السلعية الكندية للعالم وما يقرب من 76% من صادرات المكسيك لكن 13% من إجمالي صادرات الصين و1% فقط من صادرات روسيا.
ظل المصدرون الصينيون يواجهون رياحًا عكسية في السوق الأمريكية لسنوات عديدة ولم تعد هذه السوق مصدرًا لنمو الصادرات بالنسبة للصين. لقد تراجعت قيمة الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بحوالي 20% من ذروتها في عام 2018. ولا شك أن الحواجز التجارية الأمريكية أبطأت النمو الاقتصادي الإجمالي للصين لكن ليس بقدر مهم جدا، استراتيجية الصين الواضحة هي تطوير أسواق تصدير قوية في الاقتصادات النامية. وهذا ما يحدث سلفًا.
الولايات المتحدة أيضًا لا تملك رافعة نفوذ تذكر عبر السياسة المالية والعقوبات. فدور الدولار في التجارة والتمويل العالمي ينحسر. وإذا استمرت الولايات المتحدة في استخدام الدولار كسلاح سيتسارع تهاوي هذا الدور.
طرحَ ترامب مؤخرًا فكرة مفاوضات ضبط التسلح الثلاثية مع الصين وروسيا، هذه فكرة مدهشة ومن الممكن أن تقلل بقدر مهم من التوترات الدولية وتخفِّض مخاطر الحرب النووية وتقلّص التكاليف العسكرية للبلدان الثلاثة كلها. وقد تكون إشارة مفتاحية بأن ترامب أكثر واقعية بشأن الحاجة إلى التعاون مع الصين من الآخرين في واشنطن. مثل هذه الواقعية ستكون مفيدة حقًا وقد تسهم بقدر كبير في استقرار العلاقات الدولية.
خلاصة القول واشنطن لا تزال تعتبر بكين مهددة وتبالغ في تقدير قوة ونفوذ الولايات المتحدة اقتصاديًا وتقنيًا، لكن العلاقات بين القوى الكبرى يمكن أن تتحسن في السنوات القادمة على الرغم من تحول الولايات المتحدة إلى المزيد من الحمائية في التجارة والتمويل والتقنية، ففي الأجل الطويل ستؤذي مثل هذه الحمائية الاقتصادية الولايات المتحدة أكثر بكثير من الصين وروسيا والبلدان الأخرى، لكنها على الأقل ربما لن تتحول إلى صراع عسكري مفتوح.
جيفري ساكس مدير مركز التنمية المستدامة بجامعة كولومبيا
الترجمة عن «الصين ديلي»