«وحدة الأضداد» في الفكر المعاصر لإدارة الابتكار
تاريخ النشر: 7th, January 2025 GMT
في عام (2008م)، نشر خبير الإدارة الحديثة المفكر «جاري هامل» كتابه الذي حمل عنوان «المستقبل الكبير للإدارة»، قدّم الكتاب طرحًا جديدًا كليًا عن الفكر السائد، وقدّم نموذجًا مبتكرًا للإدارة ويتكون من خمسة مستويات؛ وهي الابتكار التكنولوجي، والابتكار التشغيلي، والابتكار الاستراتيجي، ونموذج الأعمال، والابتكارات الإدارية، وتضمن الكتاب دعوة إلى المزيد من التركيز على التصميم الاستراتيجي للابتكار من حيث القيادة، والمهمة، والقيمة الدافعة، وعلى الرغم من أن الكتاب قد ظهر في خضم الأزمة المالية العالمية التي كانت تتطلب مختلف الأطر لتحليل وإدارة التحديات الكبرى، إلا أن الاهتمام بالمحتوى الفكري لهذا الكتاب قد جاء بعد انحسار الأزمة بسنوات.
في البدء، دعونا نقترب أكثر من واقع نماذج إدارة الابتكار على المستوى الاقتصادي العالمي، سنجد بأن معظم الاقتصادات قد اعتمدت على النموذج الغربي التقليدي الذي كان منشؤه الأصلي هو الثورات الصناعية المتلاحقة، ومع صعود الاقتصادات الناشئة - مثل الصين والهند – ظهرت أهمية توظيف مساهمة المعارف التقليدية المستمدة من الحضارات الآسيوية، وهذا قد غيّر المعادلة جذريًا، وبذلك فقد تحول النموذج الحديث لإدارة الابتكار من الصورة النمطية إلى نهج أكثر تكاملًا وانفتاحًا بشأن دمج التفكير المحدد والصارم للعلوم الطبيعية، مع التفكير المرن للعلوم الاجتماعية، والفنون وذلك ضمن منظور فلسفي موجه بالاستراتيجية، وهذا ما أطلق عليه المفكرون «التكامل بين البحث عن الحقيقة، والبحث عن الجمال»، وبذلك فإن إدارة الابتكار قد اكتسبت جوانب أخرى إضافية بجانب إدارة المعرفة والتكنولوجيا، وعبرت الحدود الفاصلة بين المجالات المعرفية التي ظلت لفترات طويلة من الزمن تعمل بانعزالية، ولقد أسهمت التطورات التكنولوجية على التقريب بين مختلف مجالات العلوم، وعلى سبيل المثال، يوفر الذكاء الاصطناعي أدوات داعمة للإدارة المتكاملة من حيث تقديم رؤية منهجية وشاملة للجمع بين الإدارة الاستراتيجية، والتصميم التنظيمي، والبناء الثقافي، واستشراف الاتجاهات الصناعية، وتوظيف التفكير المتباين للهندسة والعلوم الاجتماعية لاغتنام الفرص الاستراتيجية القادرة على إعادة تشكيل مزايا ومقومات الكفاءة الأساسية لإنتاج الابتكارات التشاركية.
وهذا يقودنا إلى العناصر الخمسة التي وردت في كتاب «المستقبل الكبير للإدارة»، وتبدأ بالابتكار التكنولوجي الذي يُعد من أهم موجهات النمو الاقتصادي، وهو يتطلب إدارة المعرفة التكنولوجية، ومسارات اكتساب القيمة، وأما الابتكار التشغيلي فهو البعد الغائب في معظم الجهات والمؤسسات المعنية بإنتاج المعرفة، وتطوير التقانة، وهو يشمل جميع مكونات ومدخلات انتاج المعرفة، وهو لا يعكس كفاءة التشغيل وحسب، ولكنه يمتد ليتضمن ثقافة الابتكار، والسمات الفردية والجماعية، وكذلك القيمة الكامنة للفلسفات والقناعات التي تتحكم في سلوكيات الجهود التطويرية والابتكارية، وأما البعد الثالث فهو الابتكار الاستراتيجي الذي يرتبط بالقدرة الكلية لقيادة الابتكار، ووضع الرؤية المشتركة، وتوجيه كل المدخلات نحو الإنتاجية، ويرتبط هذا البعد مع نموذج الأعمال الذي ذكره الكتاب منفصلًا عن الابتكار الاستراتيجي، وكذلك الابتكار التنظيمي، وذلك لأن نموذج الأعمال ليس نتاجًا مضمونًا لاستراتيجية العمل، أو للعملية الإدارية، ولا يحدث بشكل عفوي وتلقائي، ولكنه العنصر الفاعل الذي لا يلتفت إليه المنظور الكلاسيكي للعملية الابتكارية والابداعية، إذ يتم التعامل مع نماذج الأعمال بأنها الإطار الذي يلبي القيمة المضافة لمخرجات العملية البحثية أو الابتكارية، ولكنها في الواقع هي محور توجيه الابتكارات لتصبح أقرب للتطبيق الفعلي، وتتواءم مع متطلبات المستفيدين منها، ولكي تصبح قابلة للصمود لأطول فترة ممكنة أمام الابتكارات المنافسة، وأخيرًا تطرق الكتاب إلى الابتكارات الإدارية لكونها أساس قيادة الابتكار من حيث إبراز الدور الرئيس لعناصر المعرفة في خلق القيمة الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز الجوانب الناعمة من مخرجات الابتكار مثل الرفاهية، والارتقاء بالحس الجمالي، وهذا يضع المسؤولية الجسيمة على إدارة الابتكار في رقع القدرة الإنتاجية للابتكار مع عدم الإخلال بالتوازن الأمثل بين وظائف التكنولوجيا، وأدوار المعارف الإنسانية الأخرى في حل التحديات، وذلك عبر تقاسم الموارد والمخاطر المرتبطة بمخرجات الابتكارات التي تطرح الحلول المربحة لجميع الشركاء والفاعلين في العملية الابتكارية.
وأهم الدروس المستفادة من كتاب «المستقبل الكبير للإدارة»، هو أن المستقبل قد يحمل الكثير من المفاجآت التي تتجاوز قدرة العقل البشري على استشرافها، ولذلك فإن متطلبات الإدارة العصرية يجب ألا تقتصر على تحقيق المواءمة الأفقية للموارد والمدخلات، والتوافق الرأسي في المخرجات، ولكن على قادة العمل فهم الحاجة إلى التوازن بين الانفتاح على التطوير والمواكبة، وبين حتمية تعزيز الكفاءة الداخلية لاستيعاب متطلبات التغيير، وبأن القيمة الدافعة للابتكار يجب توجيهها بالتكامل والشمول.
إن صناعة المستقبل المستدام في عالم تقوده الابتكارات التكنولوجية المتسارعة بحاجة إلى فتح حوار أوسع بين البحث العلمي، والابتكار التكنولوجي، والتنمية الاجتماعية، والرقي الجمالي والحضاري، مما يستوجب استكشاف نماذج عصرية للإدارة التكاملية والشاملة للعلوم، وذلك من أجل إيلاء المزيد من الاهتمام بالقيمة الكلية للابتكار بما يتجاوز السمات والعوائد الاقتصادية التقليدية، إذ لم تعد الغاية الكبرى للابتكار هي تحقيق متطلبات النمو الاقتصادي عبر الاختراعات العلمية والتكنولوجية والاستفادة منها تجاريًا، ولكن قد فرضت التحولات الاقتصادية مفهومًا جديدًا للابتكار الشامل الذي يهدف إلى تسريع التكامل التكنولوجي بين القطاعات والصناعات الاقتصادية الحيوية من جهة، وجميع جوانب سلسلة القيمة في الابتكار والفاعلين فيها من جهةٍ أخرى، وهو نهجٌ مدفوع باستراتيجية ترسخ التكامل الرأسي، والتفاعل الأفقي، والتطوير الديناميكي في بيئة الابتكار الاستراتيجي، لتتجاوز بذلك كل أوجه القصور القائمة حاليًا في الإدارة الجزئية المحدودة؛ لأن التقدم المستدام في الابتكار يتطلب التغيير الجذري في الفكر الإداري، وفي الفلسفة والممارسات، وذلك من منظور شامل واستراتيجي في آنٍ واحد، وبما يتماشى مع القيم الأساسية المشتركة بين مختلف الدوائر المعرفية، ويدعم الوصول للتطور المشترك بين فروع الهندسة والتكنولوجيا، والعلوم الأساسية والتطبيقية، والعلوم الإنسانية والاجتماعية، والفنون، والمعارف التقليدية، ويعتمد هذا التوجه بشكل كبير على خلق ثقافة الابتكار الشامل، ودعم التكامل بين المجالات المختلفة للعلوم، والتي من شأنها بناء وتعزيز المنظور الطويل الأجل للابتكار الديناميكي المدفوع بالقدرات التنافسية المستقرة، والمرنة، والمستدامة.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الابتکار الاستراتیجی إدارة الابتکار
إقرأ أيضاً:
المغرب ضيف شرف معرض الكتاب بباريس ورشيدة داتي تخصص استقبالاً فخماً للوفد المغربي (صور)
زنقة 20 | الرباط
خصصت وزيرة الثقافة الفرنسية رشيدة داتي، استقبالا حافلا في مقر الوزارة بباريس، للوفد المغربي الرسمي المشارك في مهرجان الكتاب السنوي بباريس أيام 11-12-13 من أبريل الجاري.
وألقت داتي خطابا نوهت فيه بمتانة العلاقات الفرنسية المغربية ورحبت بنخبة الأدباء المشاركين في هذه التظاهرةً.
الحفل حضره وزير الثقافة و التواصل محمد مهدي بنسعيد الذي ألقى بدوره خطابًا عزز روح التعاون بين الرباط وباريس وتوسيع آفاقه الثقافية.
أجرى وزير الشباب والثقافة والتواصل، مساء أمس الأربعاء بباريس، مباحثات ثنائية مع نظيرته الفرنسية رشيدة داتي، همت بحث تعزيز التعاون الثنائي في المجال الثقافي بعد توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية بين البلدين.
و أجرى بنسعيد و داتي مباحثات بمقر وزارة الثقافة الفرنسية، بحضور سفيرة المغرب بباريس سميرة سيطايل، تناولت حصيلة المشاريع المشتركة وضرورة تسريعها في ظل الديناميكية الإيجابية التي تعرفها العلاقات المغربية الفرنسية بفضل الشراكة الاستراتيجية المتجددة التي أرساها صاحب الجلالة الملك محمد السادس ، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وأمام نخبة من الشخصيات الفكرية والثقافية والإعلامية والسياسية الفرنسية والمغربية، أعرب بنسعيد عن ارتياحه لمبادرة مهرجان باريس للكتاب بتكريم المغرب، وهو حدث يحتفي بالكتاب والصداقة الفرنسية المغربية على حد سواء، ويجسد الرابطة الوثيقة القائمة على وحدة اللغة، ولكن أيضًا على تقاسم الاختلافات وحوار الذاكرات.
وفي هذا الصدد، أكد الوزير أنه في عالم مضطرب، فإن الصداقة الفرنسية المغربية هي أكثر من مجرد نموذج، بل هي تجسيد لمستقبل آخر ممكن: « بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، لنقول إن الذاكرة والماضي لا يجب أن يفرقا بل أن يجمعا؛ وبين أوروبا وأفريقيا، لنظهر أن التحديات الديموغرافية والهجرة يمكن تحويلها إلى فرص للاستثمار في أغلى ما نملك، الثقافة والشباب؛ وأيضًا لبقية العالم، لنبين كيف يمكن للاختلافات، في اللغة والمعتقدات والروايات التاريخية، أن تصبح فرصة للإبداع، بدلاً من الصراع ».
كما اغتنم بنسعيد هذه الفرصة لإبراز جهود المغرب الذي، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، واختار الثقافة « أساسًا للنهضة ».
وقال: « منذ خمسة وعشرين عامًا، انخرط بلدنا في مسار صعب، وهو مسار النمو المستدام، والتنمية الاقتصادية في ظل الإدماج الاجتماعي، والديمقراطية في إطار تعزيز المؤسسات وتوسيع المشاركة، على جميع المستويات، المحلية والإقليمية والوطنية »، مؤكدًا أن الثقافة هي مفتاح هذا النموذج المغربي للنهضة: « عامل للإدماج الاجتماعي وتعزيز الروابط الجماعية، ومحرك للنمو الاقتصادي من خلال الصناعات الثقافية والإبداعية، ومركز حي للحوار العام والمشاركة المواطنة ».
وأشار إلى أن فرنسا تشارك هذه الرؤية من خلال رغبتها في كتابة « كتاب مشترك » مع المغرب، واختتم الوزير قائلاً إن هذه الصداقة الفرنسية المغربية « هي بالتالي رؤية مقترحة لقارتينا، إمكانية لرواية أخرى، وتكوين خيالي آخر، يكون شغوفًا ولكنه هادئ، متجذرًا في الماضي ولكن بدون ضغينة، وملتزمًا بشدة بمستقبل من الصداقة والثقافة ».