كريمة أبو العينين تكتب: صناعة الحضارة وبناء الطفل
تاريخ النشر: 19th, August 2023 GMT
لم يكن غريبًا أن تصبح الصين على ما هى عليه الآن، من تمدد اقتصادى، وتربع صناعى على قمة العالم كله، بل وقدرتها على غزو الولايات المتحدة القطب الأوحد صناعيًا فى عقر دارها، وفى كل أماكن مصالحها فى العالم بكافة أطرافه المترامية.. بتلك المقدمة القوية جاءت محاضرة أستاذ علم الحضارات الحديثة ؛ فى واحدة من جامعات الولايات المتحدة الشهيرة ، والتى نشرتها جريدة أمريكية؛ وتوالى من بعدها العديد من الجرائد، والمواقع الإخبارية نشرها وعرضها .
بدأ المعلم محاضرته بعرض فيديو؛ يستشهد به على ما ذكره، ويظهر فى الفيديو طفل صيني لم يتجاوز السنتين، الطفل معه كيس صغير يتناسب مع حجمه وعمره وقدرته على حمل الأشياء. الطفل يسير فى الشارع وكلما رأى أية مخلفات يحملها فى هذا الكيس؛ وعلى الرغم من ندرة وجود أية مخلفات، إلا أن الهدف أعمق وأرقى، وهو "زرع النظافة فى عقلية ووجدان الأطفال وبأن يكون جمال وطنهم هو هدفهم الأسمى"، الطفل يستمر فى تجوله، فيجد سيارة بابها مفتوح ، وربما فتحت له كى يطلعنا على ردّة فعله عندما رأى كمية من النقود على الكرسى المجاور لكرسى صاحب السيارة، فتصوّروا ماذا فعل الطفل ذو العامين أو أقل أو أكثر ، قام الطفل بإحضار كرتونة كان قد جمعها من مخلفات الشارع ؛ ووضعها فوق النقود حتى يخفيها عن أعين من تصور له نفسه السرقة ، وبعدها يغلق الطفل الباب ويعود من حيث جاء.
عندما انتهى المعلم من هذا الفيديو ، نظر إلى طلابه ليتعرف منهم على تعليقاتهم، والتى كان من بينها ، من قلل من شأن هذا السلوك ، ربما لأنه من الصين تلك الدولة التى تكشر عن أنيابها لواشنطن ، وتعد نفسها لريادة المجتمع الدولى مستقبلا ، وتسحب البساط من تحت قدم الولايات المتحدة ، الدولة حديثة النشأة والتى يتجاوز عمرها القرون الثلاثة.. لم يعقب الأستاذ الجامعى على تعليقات طلابه ؛ بل عرض عليهم فيديو آخر من الصين أيضا ، موضوع محاضرته ؛ وفيها يظهر طفلا يلهو بلعبه ، وفور دخول والده ، قام الطفل بجمع لعبه ووضعها بنظام مدقق فى دولاب لعبه ، وبعدها قام بغسل يديه ، وعندما فتح الصنبور ، علق المعلم بلفت انتباه طلابه الى طريقة الطفل فى فتح صنبور المياه ، وحرصه ان يكون الفتح ضعيفا لتنزل معه المياه فى اقل تقدير وتجميع . بعدها يذهب الطفل الى أبيه لأنه قد تمت تربيته على ان عودة الوالد الى البيت هى عودة للحديث والجمع الاسرى وليس للعب بأغراضه ؛ وبألا يصبح كل فرد بعيدا عن الآخر ، حمل الاب ابنه وسأله كيف قضى وقته ؛ وبادره ابنه بنفس السؤال ، دقائق وتأتى الام لتخبرهم بأن المائدة قد اعدت لتناول الطعام.. انتهى المدرس من عرض هذين المشهدين متعهدا بمزيد من هذه المشاهد لبلاد اخرى مع اختلاف النتائج والأهداف . وفتح المعلم الحوار والنقاش ويسأل " هل لدولة مثل الصين مصير غير ما وصلت إليه ، وما ستصل اليه مستقبلا؟ وهل لطفل غرست فيه منذ نعومة أظفاره ؛ مبادئ النظافة ،والجمال ، والخوف على تقبيح وجه الوطن ، هل هذا الطفل لن يواصل مسيرة امته كلها من البناء والتقدم ؟
وهل لأسرة مثل أسرة طفلنا هذا ؛ التى ربته على ان تجمع الاسرة قيمة مهمة يجب الحفاظ على استمرارها ؛ هل هذه الاسرة تتساوى مع غيرها من الاسر التى اخذتها شقوتها ، وجعلتها تنسى رسالتها فى تعليم النشء ؛ وهدمت بيديها قيما كتلك القيم التى تحرص الاسر الصينية على زرعها فى عقول وقلوب ابناءها منذ الصغر . الكل يتعجب من المارد الصينى وما صار عليه من وجود عالمى ؛ ومكانة دولية ، ولا يبحث فى الاسباب التى جعلته كذلك ،صناعة الحضارة يا طلابي الاعزاء تبدأ بخلق جيل مغروس فى داخله؟ مبادئ وطنية وسلوكيات مكتسبة صحيحة وحقيقية؛ وليست مجرد كلمات ، وشعارات واغانى ، يصدح بها فى المناسبات والاعياد .صناعة الحضارة ، تبدأ ببناء طفل مغروس فيه حب الوطن وإيثار مصلحة وطنه؛ والعمل على رفعة بلاده ببذل الجهود وتواصل العمل حتى تظل بلادهم متحضرة رافعة رأسها ، وعلمها مرفرفا فى سماء الدنيا كلها.
المصدر: صدى البلد
إقرأ أيضاً:
يوم المعلم العُماني.. استثمار مُستدام
غنية الحكمانية
"سنعلّم أبناءنا ولو تحت ظل الشّجرة" كلمات بليغة خالدة من لدن المعلّم الأول السّلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- سُطّرت حروف مدادها من ذهب، جال صِيتها الأرجاء وتردد صداها عنان السّماء، وعكست إيمان القائد الراحل بأهمية العلم والتعلم، وتحطيم أصفاد الجهل والظلام، وحرصه على مواصلة المسيرة التعليمية دون الالتفات إلى العراقيل المثبّطة، من ماضٍ تليدٍ وبإمكانات بسيطة لا تُذكر قبل النهضة إلى نقلة نوعية وكمية سبّاقة متسارعة تجاوزت الزمن في اللحاق إلى مصافّ الدول الصاعدة.
لقد أدرك السلطان قابوس -طيب الله ثراه- أنّ التعليمَ هو مشروع الاستثمار الأكبر في بناء الأمم والمجتمعات وتقدم الشعوب والحضارات، والمعلم بذلك هو أساس شعلة هذه النهضة التعليمية الرائدة، وأداة تحريك تنميتها المستدامة، ووسيلة تقدم المجتمع ورفعته، حيث إن "الاستثمار في المستقبل، الاستثمار في المعلمين".
إنه يوم رسول العلم.. الذي خطّ أولى حروف النّور في صفحات بياض النّشء، وأنار له بالكلمات معالمَ عقله ومستقبله، ورسم جملا وعباراتٍ تقوّي من عزيمته وإرادته، وأضاء بقنديل نوره دياجير الظلام وطوى صفحته، ظلّ وسيظلّ نهلَه يمخر عباب الأجيال، فهو الركيزة الأساسية التي تقيم المدرسة دعائمها عليه، والقوة الدافعة لنهضة التعليم والداعمة لاستشراف مستقبلها. أخلص صدقا للمهنة وأقسم شرفا ببرّها، وسخّر لأجلها طاقته وجهده، قيادة زمام النجاح والإجادة بيده، وتكوين شخصية الطالب وغرس القيم والاتجاهات والمبادئ من نُبل غايته؛ فهو مرآة طلبته، ويُمثِّل ما ينعكس في واجهتها، فيصقل مرآته بما يحب أن يتّصف به ويكون شاهدا على نقاوة سيرته وسريرته.
فكما لليونسكو احتفال بيوم المعلم العالمي في الخامس من أكتوبر، تفرّدت السّلطنة بيومٍ خاص للاحتفاء السّنوي بالمعلم العُماني الجدير وتخصيص يوم إجازة وطنية للكادر التدريسي والإداري وللطلبة في المدارس الخاصة والحكومية. يوم الـ24 من فبراير يستشعر فيه الطلبة والمجتمع بأطيافه مكانة المعلم العظيمة، وتقوى فيه أواصر التبجيل والتقدير، فتتوطد بذلك صلة الترابط بين المعلم والطالب وبين المعلم والمجتمع المحلي، وتسمو بين جنبات رقعته روح التكاتف والتعاون والازدهار مصلحةً للطالب ورُقيّا للمجتمع.
ولا يقتصر دور المعلم على خدمة توليد المعلومة وتلقينها واستحضارها جاهزة للطلبة، بل بتعزيز مهارات التعلم النشط كالتفكير النقدي والتحليلي والإبداعي والابتكاري ومهارات التعلم الذاتي من خلال منصات التعلم المتعددة عبر الإنترنت وتقنيات التعليم الحديثة والاستراتيجيات التدريسية المتنوعة، وتلبية الاحتياجات التعليمية للطلبة؛ زيادة في التفاعلية والاستمرارية، وتحقيقا لجودة التعليم وخدمة لأهدافها التعليمية المرسومة.
وفي ظل الطفرة التكنولوجية والتطبيقات التقنية الحديثة أصبحت الإحاطة بكل مستجداتها ضرورة حتمية وتوظيفها بشكل فعال ومؤثر في الساحة التعليمية. فمصير استمرارية الأمم وقفزتها التنموية الشاملة مرهون بمدى توطين تلك التقانة، تشدّ من أزرها المستقبلي وتزيد من فعالية وتحسين نوعية التعليم، فهي متجذرة في تفاصيل وجوانب مناحي الحياة. ما تمنحه تطبيقات تلك المساعِدات الذكية من توفيرٍ في الوقت والجهد والتكلفة، وفرصةٍ للتعليم التفاعلي والابتكاري، واحترافيةٍ في إنشاء وتنفيذ الأوامر وسرعة توفير حلول واستجابات تفصيلية فائقة ومرنة بشتّى طرق تحصيل الإجابة.
وممّا لا شك فيه أنّ التعليمَ ذا الجودة العالية يكون بمقابل التنمية المهنية والفنية المتواصلة، بإشراك المعلم في الدورات التدريبية وورش العمل التطويرية والندوات التربوية؛ لإحاطته بالمستجدات على الساحة الإقليمية والدولية، وتأهيل قدراته وتحسين مهاراته، إلى جانب منحه استحقاقاته من الحوافز والمكافآت والترقيات، لأجل مزيد من الدافعية والإنجاز والعطاء. والتخفيف من عبء تكدّس المهام والمتطلبات الجمّة التي تزيد من حجم ضغط العمل وتُقلّص من الأداء المثمر. وتوظيف الخريجين الجدد الذين ينتظرون فرصة التوظيف من سنوات قد خلَت بأوجّ توقد طاقتهم قبل الخفوت والتأكسد، مقابل فتح باب التقاعد المبكّر للمعلمين القدامى، بمنحهم فرصة الإحلال للخريجين الذين طال انتظارهم.
وإنّ فكرة إنشاء نقابة أو جمعية للمعلمين ضرورية تجمع تحت كنَفها كل معلمي السّلطنة، يتم فيها استقراء أفكارهم وتطلعاتهم، وتبادل الخبرات في المجالات التعليمية المختلفة، وتقديم الاستشارات والتوجيهات، وتسليط الضوء على آخر مستجدات وتحديثات الشؤون التعليمية في ظل التطورات والتغيرات المتسارعة، ومناقشة المهام والمتطلبات الوظيفية، وتذليل الصعوبات والتحديات التي يواجهونها، وحماية حقوق المعلمين والنظر في استحقاقاتهم، والمشاركة في تطوير المناهج التي تؤثر على جودة التعليم وارتقاء العملية التربوية.
ختاما.. أسمى رسالة شكر وامتنان وتحية إجلال وعرفان نقدمها لمقام المعلم في يومه العظيم الذي يُصنع ذكرى حفاوته كل عام، مجددا بصْمته وعهده وانطلاقته الفولاذية، مستلهما من الفكر الحصيف لجلالته السّلطان قابوس -طيّب الله ثراه- كل معاني العزّة والرفعة والمجد والإرادة القوية، فقد وضع جلالته جُلّ أمله في التعليم الذي انتشل عُمان من الظلام الدامس إلى إشراقة سطعت بنورها الأصقاع، فأولى التعليم والمعلم نُصب رؤيته وعمق اهتمامه. مجدّدون بذلك المعلمون العهد والولاء والسّمع والطاعة، وملبّون نداء عُمان العصر الزاهر ومعلموها الوعد الباهر.