عربي21:
2025-01-07@22:28:07 GMT

متطلبات بناء الجمهورية السورية الثانية

تاريخ النشر: 6th, January 2025 GMT

دخلت القضية السورية دائرة الاهتمام الداخلي والإقليمي والدولي منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، حيث فكت عقدة ألسنة السوريين، الذين أُخرست أصواتهم منذ أكثر من نصف قرن (1971) على عهد حكم حزب البعث، وتحولت دمشق قبلة لاستقبال الوفود من كل حدب وصوب، وفتحت عواصم غربية وعربية أذرعها لمعانقة رموز المرحلة الجديدة في بلاد الشام.

وبالموازاة، لاذ بالفرار صناع الظلم والاستبداد بعدما هرب رئيسهم بشار في جنح الظلام، واكتشف الشعب السوري، في زمن قياسي، حجم المظالم التي ألمّت بأبنائه، أفرادا وجماعات، وستُثبت القادم من الشهور، كم كان حجم الظلم غائرا وعميقا، وكم تكبد السوريون، بصبر وجَلَد ومكابرة، من انتهاكات جسيمة في وجودهم واستمرارهم.

تنتظر السوريين أعمال ضخمة، وتعترضهم صعوبات كثيرة، وتواجههم تحديات ليست بالهينة، ولعل السؤال الأبرز للمرحلة الجديدة في سوريا هو كيف يمكن بناء الجمهورية الثانية، بما يسمح بالقطيعة نهائيا مع إرث الحقبة الاستبدادية لعائلة آل الأسد، والمظالم التي اقترفها من كانوا أذرعه الضاربة على امتداد أكثر من نصف قرن؟ والحقيقة يتناسل عن هذا السؤال سيل من الأسئلة الفرعية المعززة والمكملة له، ومنها المتطلبات التي يعتبر توفرها شرطا واقفا لنجاح سيرورة بناء الجمهورية الثانية، والمواصفات التي يجب توفرها في صناع المرحلة الجديدة، وطبيعة التوازنات الوطنية والإقليمية والدولية التي ستقود إلى ميلاد الجمهورية السورية الثانية.. فالوضع السوري مركب وبالغ التعقيد، وإٍرث الطغيان ثقيل وكثيف، وانتظارات السوريين كبيرة ومتشعبة، والإمكانيات المادية محدودة في بلد نخره الفساد لعقود. والقائمة طويلة بشأن ما تشترطه المرحلة الانتقالية في سوريا.

الوضع السوري مركب وبالغ التعقيد، وإٍرث الطغيان ثقيل وكثيف، وانتظارات السوريين كبيرة ومتشعبة، والإمكانيات المادية محدودة في بلد نخره الفساد لعقود
ليست ثمة وصفة جاهزة ترسم للسوريين، أو يرسمونها لأنفسهم، لبناء نظامهم الدستوري والسياسي الجديد، الذي قد يأخذ عنوان الجمهورية الثانية.. فالواقع أعقد وأكثر تشابكا مما يتصوره المحللون المواكبون للمسألة السورية، ثم إن الديناميات العامة التي أطلقها سقوط النظام، وأنماط التفاعل معه، ستتحكم بشكل رئيسي في متطلبات بناء سوريا الجديدة.

يبدو أن القيادة الجديدة في سوريا مطالبة بإدارة الوضح الانتقالي على الأقل في اتجاهين اثنين مترابطين ومتكاملين، هما: ضمان استقرار وتهدئة في الداخل، حتى لا تنفلت الأمور، وتنعطف سوريا نحو الانقسام والتشظي، ومن أجل تحقيق هذا الهدف بالغ الأهمية عليها أن تعيد بناء الثقة بين كل مكونات النسيج الاجتماعي السوري، وتوفر ضمانات حقيقية بعدم عودة الاستبداد وكل مظاهر التمييز الطائفي والمذهبي إلى حياة السوريين، وهي مطالبة أيضا بإقناع الوفود الدولية التي تحج بانتظام إلى ربوعها بأنها جدية في رؤيتها لإعادة بناء سوريا، وأن سوريا حاضنة للجميع على قدر واضح من التكافؤ في الفرص والحظوظ والحقوق.. وأن زمن الطغيان ولى، وقد تركه السوريون وراء ظهورهم بشكل لا رجعة فيه.

ليست هذه المرحلة أقل أهمية واستراتيجية مما ينتظره السوريون والعالم من حولهم، فالحكمة تتطلب من القادة الجدد في سوريا أن يستحضروا بوعي وذكاء ما حصل في بلدان الجوار العربي، في العراق تحديدا، وليبيا، وما هو حاصل في اليمن، وأن يمسكوا بالدروس المستفادة منها، كي لا يكرروا مأساة هذه البلدان، ويعيدوا إنتاج ما تعيش مجتمعاتها من مآسي إنسانية ومادية. ثم إن النجاح في تدبير خلافات السوريين والأخذ بهم نحو الأفضل سيضمن النجاح في المهام الاستراتيجية الكبرى المنتظرة في بلاد الشام. فالوضع الجديد بعد سقوط النظام شديد الصعوبة والتعقيد، ويحتاج إلى وحدة وطنية، ودعم إقليمي صادق، ومواكبة دولية تنتصر لمصلحة سوريا دون سواها.

تحتاج هذه المرحلة إلى قدر يسير من الوقت لتكريس الثقة في البنيان العام السوري، وإعادة إحياء مصادر القوة في الإنسان السوري، الذي يختزن في تاريخه ووجدانه طاقات عالية من القدرة على العطاء والإنتاج الخلّاق.. وبنجاح هذه الحلقة في سيرورة سوريا نحو البناء الجديد للدولة والسلطة، وميلاد الجمهورية الثانية، التي ستجبّ حقبة الاطمئنان، وتؤسس نظاما ديمقراطيا، سينجح السوريون في إعادة كتابة تاريخهم الجديد
لذلك، تحتاج هذه المرحلة إلى قدر يسير من الوقت لتكريس الثقة في البنيان العام السوري، وإعادة إحياء مصادر القوة في الإنسان السوري، الذي يختزن في تاريخه ووجدانه طاقات عالية من القدرة على العطاء والإنتاج الخلّاق.. وبنجاح هذه الحلقة في سيرورة سوريا نحو البناء الجديد للدولة والسلطة، وميلاد الجمهورية الثانية، التي ستجبّ حقبة الاطمئنان، وتؤسس نظاما ديمقراطيا، سينجح السوريون في إعادة كتابة تاريخهم الجديد على قاعدة المواطنة والمشاركة والحرية والتسامح والعدالة الاجتماعية.

يمكن تأسيس المرحلة القادمة لسوريا الجديدة على ثلاثة أعمدة رئيسة، هي تحديدا: صياغة دستور ديمقراطي، يشارك فيه الجميع، ويكرس قيم الحرية والكرامة والتسامح والمشاركة المتكافئة والعدالة الاجتماعية، ويضمن الحقوق والحريات بكافة أجيالها. وكي يتحقق الجوهر الديمقراطي للدستور الجديد يتطلب أن تكون عملية وضعه وصياغته شفافة، وواسعة من حيث المشاركة، وأن تحتل المواطنة والتوزيع المتوازن للسلطة بين مؤسساته، والحقوق والحريات الأساسية المتعارف عليها دوليا، أولوية الصدارة. وهو أمر رهين بانتقاء من يتولى كتابته على أساس الكفاءة، والخبرة، والوطنية الصادقة، والموضوعية.

ويتعلق العمود الثاني في البناء بإجراء انتخابات معبرة عن ضمير السوريين كل السوريين، وأن تكون حرة ونزيهة، وأن تناط بمؤسسة التشريعية بقدر من الاستقلالية والقدرة على إنتاج النصوص القانونية الفضلى لوضع سياسات عمومية ذات قيمة وأثر على حياة الناس، وأن تكون قادرة أيضا على مراقبة العمل الحكومي.

أما العمود الثالث في البناء الجديد، فيخص الحياة السياسية الفعالة والنشطة للسوريين، الذين أُرغموا، على مدار أكثر من نصف قرن، على رؤية الحاكم الواحد والبرلمان الواحد والحزب الواحد والانتخابات النمطية التي تحولت إلى مبايعة، لا سيما بالنسبة لما كان يسمى الانتخابات الرئاسية.

أمام السوريين جبل من الصعوبات والتحديات، لكن كعب السوريين فائق العلو، وهم قادرون على تجاوز هذا الجبل، إن حضرت سوريا وسوريا وحدها في عقولهم ووجدانهم، وإن تلقوا الدعم الصادق والإيجابي من محيطهم الإقليمي، أي أبناء جلدتهم، وكذلك إن تجنبت قوى العالم ما حصل في العراق وليبيا واليمن.

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه سوريا الاستبدادية الدستوري ديمقراطي سوريا استبداد دستور ديمقراطي مقالات مقالات مقالات رياضة سياسة سياسة اقتصاد اقتصاد اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الجمهوریة الثانیة فی سوریا

إقرأ أيضاً:

المرحلة الثانية من برنامج أمير الشعراء تنطلق بعد غد

تنطلق بعد غد المرحلة الثانية في الموسم الحادي عشر لبرنامج أمير الشعراء الذي تنتجه هيئة أبوظبي للتراث في إطار إستراتيجيتها الهادفة إلى رعاية وتعزيز وتوثيق الشعر بأنواعه، والاهتمام به، والحفاظ عليه، والترويج له عبر مختلف الوسائل المتاحة.

وتبث في التاسعة مساء من مسرح شاطئ الراحة بأبوظبي، الحلقة السادسة المباشرة من البرنامج، والأولى في المرحلة الثانية، بمشاركة الشعراء جبريل آدم جبريل من تشاد، وحسين علي آل عمار من السعودية، ويزن عيسى من سوريا، والمختار عبدالله صلاحي من موريتانيا، وعلا خضارو من لبنان، الذين سيلقون قصائدهم امام لجنة التحكيم المكونة من الدكتور علي بن تميم، والدكتور وهب رومية، والدكتور محمد حجو.

كما ستشهد الحلقة السادسة إكمال عقد المتأهلين إلى المرحلة الثانية بإعلان نتيجة تصويت الجمهور من الحلقة الماضية لتحديد المتأهل من الشاعرين سرى علوش من مصر، وفارس صالح من فلسطين.

وكانت المرحلة الأولى من البرنامج التي اختتمت الخميس الماضي أسفرت عن تأهل 14 متسابقاً حتى الآن من 12 دولة، منهم 11 شاعراً و3 شاعرات، في انتظار نتيجة التصويت لمعرفة آخر المتأهلين.

والشعراء المتأهلون إلى المرحلة الثانية هم جبريل آدم جبريل من تشاد، وحسين علي آل عمار من السعودية، ويزن عيسى من سوريا، والمختار عبدالله صلاحي من موريتانيا، وعلا خضارو من لبنان، وعبدالرحمن الحميري من الإمارات، ونجوى عبيدات من الجزائر، ومحمد زياد شودب من سوريا، وعبدالواحد عمران من اليمن، ومحمد إدريس من العراق، وعثمان الهيشو قرابشي من المغرب، وعبدالسلام سعيد أبوحجر من ليبيا، وعماد أحمد أبو أحمد من ألمانيا، وأسماء الحمادي من الإمارات.وام


مقالات مشابهة

  • المرحلة الثانية من برنامج أمير الشعراء تنطلق غداً
  • نحو بناء الجيش السوري الجديد
  • المرحلة الثانية من برنامج أمير الشعراء تنطلق بعد غد
  • سوريا: السلطات الجديدة تغير صحيفة تشرين السورية إلى "الحرية"
  • «الداخلية» تنظم بطولة الجمهورية لالتقاط الأوتاد الحلقة الثانية
  • "الداخلية" تنظم بطولة الجمهورية لالتقاط الأوتاد الحلقة الثانية
  • رئيس الجمهورية: رسالتنا هي بناء جيش لحماية الشعب وحريته لا لتهديد دول الجوار
  • بلدية دبي ترسي المرحلة الثانية من مشروع تطوير شواطئ الممزر
  • تفاصيل إطلاق التحالف الوطني المرحلة الثانية من مبادرة «إيد واحدة»