سبق وكتبت كثيرا عن اليمن الذي زرته عدة مرات خلال العقد الأول من هذا القرن، والتقيت بشعرائه ومثقفيه وتجولت في صنعاء التي أخذني هواها منذ أن زرتها في المرة الأولى، ربما كان ذلك في عام ٢٠٠٣، وفي كل مرة أتجول في شوارع صنعاء القديمة يزداد حبي لهذه المدينة العتيقة، التي عشقت تراثها المعماري، بيوتها وأبواب مبانيها وأشكال نوافذها شديدة الروعة والجمال، الناس في صنعاء القديمة يذكرونك بالنبت الأول للعروبة، الناس راضون مبتهجون، يلقون عليك نكاتهم المرحة، ولعل أهم ما لفت نظري في هذا الشعب الكريم هي لغته العربية ولهجته التي أعتقد أن معظمها يعود إلى عصر ما قبل الإسلام، لقد حافظ اليمنيون على ثقافتهم، وملبسهم، وعاداتهم، وغذائهم، بساطتهم التي تؤثرك ومحبتهم لكل ما هو قادم من أي قطر عربي.
لفت نظري ما يحدث على وسائل التواصل الاجتماعي من محاولة البعض نزع ما تميز به اليمنيون باعتبارهم المؤسس الأول للعروبة، حينما راح البعض يشكك في هذه الحقيقة في محاولة لجعل المنبت الأول للعروبة في هذا القطر أو ذاك لأسباب سياسية خالصة، وهو قول يجافي الحقيقة ويخالف كل الثوابت، اليمنيون بنكاتهم وخفة ظلهم يسخرون من هذه المغالطات لكن دون تجاوز، صنعاء المدينة العربية المتفردة التي تحمل عبق التاريخ وتراث الأمة، وهو ما يميز شخصيتها، بل تكاد تكون هي المدينة التي لا تشبهها مدن أخرى، عربية كانت أو أجنبية، هي مدينة قادمة من عصور سحيقة بمساجدها العتيقة ومكتباتها وتراث مخطوطاتها المودع في كثير من المساجد القديمة، والتي هي في حاجة إلى دعم كبير لترميمها وفهرستها، والتعريف بكنوز ذخائرها، بل يوجد من بين مقتنياتها النسخة الأولى لمخطوطات القرآن الكريم، والكثير من المخطوطات في الفقه وتفاسير القرآن، وبعضها دواوين من شعر قدماء اليمنيين الذين أجادوا الشعر بالسليقة، وسجلوا الكثير من مظاهر الحياة الاجتماعية والفكرية، جميعها في حاجة إلى الدراسة والتحقيق والنشر، وهو تراث في مجمله يميز اليمن عن غيره من الأقطار العربية الأخرى.
اليمنيون منذ فترة مبكرة من التاريخ الإسلامي يحملون رسالة الإسلام إلى معظم بلاد العالم، فقد خرج اليمنيون إلى مشرق العالم تجارا ودعاة نشروا الإسلام في كل البلاد التي وصلوا إليها، وشاركهم العمانيون في هذه الميزة، فهم الذين فتحوا مصر تحت قيادة عمرو بن العاص وتجاوزوها إلى إفريقيا ثم إلى أوروبا حينما فتحوا الأندلس، بينما كانت أقطار عربية أخرى تعيش في غياهب الوثنية، لقد شارك كثير من العرب في فتح الأندلس، لكن قوام الجيش الفاتح كان من اليمنيين والعمانيين والأفارقة، جميعهم كانوا في طليعة القوى التي نشرت الإسلام وثقافته العربية والفكرية، ولعل ما خلفه العرب من تراث الأندلس وخصوصا في كتاباتهم التي كُتبت بلهجات يمنية لا يخطئ المحقق الحصيف في التعرف على جذورها ونشأتها اليمنية، لم يتنبه البعض إلى فضل اليمن على الثقافة العربية، وعلى نشر الإسلام، بل نلاحظ في التاريخ المعاصر أن البعض ولأسباب سياسيّة خالصة راح يتندر باليمنيين ويعيِّرهم بفقرهم، ولم يلتفتوا إلى أن ما أصاب اليمن عبر التاريخ الحديث والمعاصر كان بسبب حكامهم وفشل سياساتهم وانكفائهم على أنفسهم، وهو ما كان سببًا في الواقع المُعاش، لكن رغم كل ذلك فقد بقي اليمنيون في طليعة الشعوب التي تعتز بكرامتها والحفاظ على تراثها ونخوتها، فلم يستسلموا لأي معتد على بلادهم، بل هم الشعب العربي الوحيد الذي لم ينعم المحتل بالبقاء فيه، فقد هزموا العثمانيين ولم يهنأ الإنجليز بالسيطرة على شمال اليمن، بفضل شجاعتهم واعتزازهم بتاريخهم ونضالات أجدادهم، وبينما وقعت معظم البلاد العربية فريسة للاحتلال العثماني انتفض اليمنيون لمقاومة العثمانيين، الذين عجزوا عن السيطرة على اليمن، ولم تنطل عليهم فكرة الخلافة الإسلامية التي رفع العثمانيون شعارها، وتسجل الوثائق العثمانية والعربية ملاحم مشرفة لنضالات اليمنيين، وهو ما أدى إلى انسحاب العثمانيين من اليمن نهائيا.
رغم كل الظروف التي يعيشها اليمنيون إلا أنهم لم يقبلوا الضيم،بل قاوموا أعداءهم بكل بسالة، وقد أنزلوا الهزائم بكل الطامعين في أراضيهم، سواء من قوى إقليمية أو خارجية، وبينما كل أقطارنا العربية قد استسلمت لإرادة عدوهم (إسرائيل) ونزع العرب كل أسلحتهم، إلا أن اليمنيين فاجأوا العالم بمقدرتهم على إنزال ضربات موجعة بإسرائيل، رغم بعد المسافة وتواضع الإمكانات وتعرض اليمن لهجمات صاروخية بالطائرات الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية، لكن رغم كل ذلك بقي اليمن معادلة صعبة في الصراع العربي الإسرائيلي، وقد خلت الساحة من أي مواجهات عربية، بعدما تعرض له الفلسطينيون من عمليات تدمير وقتل واستشهاد عشرات الألوف سواء في غزة أو جنوب لبنان، وذهاب سوريا إلى طريق مكّن إسرائيل من احتلال أراضٍ سورية وسط صمت عربي مؤسف، لكن لم يستسلم اليمن بعد أن حمل على عاتقه مسؤولية المقاومة.
أعتقد أن الجغرافيا اليمنية تظل العامل الأهم الذي شكل تاريخها، فقد نزل الإسلام على الرسول عليه الصلاة والسلام في مكة وأقيمت الدولة الإسلامية في المدينة، لكن حمل اليمنيون رسالة الإسلام إلى العالم شرقا وغربا، وجُيشت الجيوش التي جابت كل العالم لنشر الإسلام عقيدة وثقافة، وانسابت القبائل العربية التي تجاوزت الجزيرة العربية، لكي يصبح للعرب شخصيتهم المستقلة وتراثهم الفكري والديني، لذا سنظل مدينين لليمن الذي حمل إلينا العروبة لغة وثقافة وحضارة، مهما حاول البعض التقليل من فضل اليمن، وستبقى أقطارنا العربية تتحمل مسؤولية ما حل باليمن من أزمات كان في استطاعتها أن تأخذ بيد هذا البلد العربي العريق، وستبقى الشخصية اليمنية متفردة بوعيها وثقافتها واعتزازها بجذورها.
لعل إخواننا في اليمن في حاجة إلى مراجعة ثقافتهم التي سيطرت عليها التوجهات المذهبية التي أضرت اليمن، بل أضرت الكثير من البلدان العربية، فنحن في حاجة إلى إسلام حقيقي بلا مذاهب ولا أيديولوجيات، بل إلى الإسلام بمعناه الإنساني، استنادا إلى القاعدة الشرعية الثابتة التي تقول بإعلاء المصلحة، مصلحة الناس ومصلحة الأوطان، لعلنا لو تخلصنا من مذهبياتنا الضيقة خدمة لعقيدتنا وشعوبنا وأوطاننا لكان ذلك في مصلحة العرب.
الملاحظ أن كثيرا من أقطارنا العربية وساستنا فرحون لما يتعرض له اليمن من ضربات تطال المنازل والشعب اليمني، بل ويسعى البعض إلى استعداء العالم على هذا البلد العربي الأصيل، لأسباب مذهبية مقيتة، فالعدو الحقيقي هو إسرائيل التي تحتل أرضنا وتهدد وجودنا، لذا فمن العار أن نغضّ الطرف عن العدو الحقيقي وأن نذهب بعيدا لكي نلقي باللائمة على أية قوى أخرى، في محاولة لإيجاد مبررات لهزائمنا وضعفنا وتراجع دورنا عن نصرة فلسطين، لعل كل هذا يقضي بضرورة أن يسرع اليمنيون بالحوار مع بعضهم، لكي يعود اليمن إلى وحدته الطبيعية، وهي مهمة أراها ضرورية قبل أن يفكر اليمنيون في فتح جبهات مع إسرائيل.
لعل الدرس الذي يستوجب العناية من كل الساسة اليمنيين هو الدعوة إلى الوحدة، فلن يتمكن هذا البلد الكبير من استعادة مكانته إلا بعودة وحدته، والطريق نحو الوحدة شاق وصعب ولكن ليس مستحيلا إذا تخلص القادة اليمنيون من مذهبيتهم وقبليتهم وهي مهمة صعبة، لكن الأصعب منها هي التحديات التي تهدد اليمن في وجوده بل ربما تهدد العرب جميعا.
د. محمد صابر عرب أكاديمي وكاتب مصري
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی حاجة إلى
إقرأ أيضاً:
بات اليمنيون شوكة في خاصرة الكيان الصهيوني
يمانيون../
تقول وكالة “فرانس برس”: “بات اليمنيون شوكة في خاصرة كيان الاحتلال، وهجماتهم تزعج ملايين المستوطنين، وتعطل الحياة اليومية في فلسطين المحتلة.
تضيف: “تنطلق صفارات الإنذار بشكل متكرر في القدس المحتلة ويافا (تل أبيب)، وهما المنطقتان الأكثر كثافة سكانية، ما يجبر ملايين المستوطنين على الهروب منتصف الليل إلى الملاجئ”.
برأي الوكالة الفرنسية، أصبح اليمنيون مصدر إزعاج لأمن واستقرار كيان الاحتلال بشكل يومي، ومن مسافة ألفي كم، وسبباً في الحصار البحري، وإغلاق طرق الملاحة البحرية الحيوية للكيان.
نشك بقدرة كيان الاحتلال
يقول محلل معهد دراسات الأمن القومي في جامعة يافا المحتلة، يوئيل جوزانسكي: “أشك في قدرة ” إسرائيل” على إخضاع ووقف هجمات اليمنيين المساندة لغزة، فلا يزالون يشكلون شوكة عنيدة في خاصرتها”.
يضيف لـ”فرانس برس”: “لا يزال اليمنيون الوحيدين يهاجمون إسرائيل بشكل يومي، وهذه مشكلة حلها ليس سهلاً، لا يوجد حل سحري، وقد عانت دول الخليج من هجماتهم، وتخشى التصعيد، ما يجبرنا على دراسة الرد بعناية”.
بيان باليستي جديد
واستهدفت القوات المسلحة اليمنية، يوم الجمعة، محطة كهرباء شرقي منطقة يافا (تل أبيب) في كيان الاحتلال بصاروخ باليستي فرط صوتي نوع “فلسطين2″، وهدفاً عسكرياً آخر في يافا المحتلة بطائرة مسيّرة نوع “يافا”.
وأكدت – في بيان تلاه متحدثها الرسمي، العميد يحيى سريع، عصر الجمعة – الجهوزية العالية لمواجهة أي حماقة من قِبل قوى العدوان الأمريكي والصهيوني، وأي جهات تتورط معها.
وأصيب 12 مستوطناً، فجر اليوم الجمعة، أثناء هروب ملايين الصهاينة إلى الملاجئ بعد سماع صافرات الإنذار بإطلاق صاروخ من اليمن، وفقاً لوسائل إعلام عبرية.
القتال أمر صعب
يعتبر رئيس الاستخبارات بمؤسسة “لو بيك” للاستشارات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مايكل هورويتز، قتال اليمنيين أمراً صعباً بالنسبة لكيان الاحتلال؛ لبُعد المسافة ونقص المعلومات الاستخباراتية، كما أن استهداف قادتهم لا يضمن استعادة قوة الردع.
مقايضة تكتيكية
برأي خبير صهيوني يدعى ألكسندر بورتنوي، أن التطور التكنولوجي لصواريخ اليمن وضعت دفاعات كيان الاحتلال على المحك، وجعلت عمليات اعتراضها مهمة صعبة.
وأشار بورتنوي إلى أن تطوير تقنيات الصواريخ اليمنية مكّنها من القدرة على المراوغة، وتغيير مسارها، بشكل يصعب على نظام القبة الحديدية والأنظمة الأخرى إيقافها.
مخاوف حرب الاستنزاف
يقول الخبير العسكري لصحيفة “معاريف”، أفرايم غانور: “فشلنا بمواجهة اليمنيين، خوفاً من الوقوع في حرب استنزاف مع عدو على بعد ألفي كيلومتر، نجح في تعطيل الحياة في كيان الاحتلال، دون استعداد جيشنا ودفاعاتنا وجهاز الموساد”.
وتستمر القوات اليمنية ضرب عُمق كيان الاحتلال بالصواريخ والمسيّرات منذ أكثر من عام، بحصيلة تجاوزت 1150 صاروخاً باليستياً و”فرط صوتي” ومسيّرة، إسناداً لغزة حتى وقف العدوان الصهيو-غربي.
السياســـية صادق سريع