الاقتصاد نيوز - بغداد

منذ شهر نيسان أبريل من العام الماضي، بدأ العرق بتطبيق نظام الأتمتة الإلكتروني “الأسيكودا” العالمي في الموانئ والمنافذ البرية والجوية لضبط الحركة التجارية وإيراداتها الجمركية، وتم تطبيقه في بعض المراكز لاسيما في ميناء أم قصر، حتى أعلنت هيئة الكمارك يوم أمس مغادرتها رسميا العمل الورقي وتطبيق نظام أسيكودا العالمي في جميع المعاملات.

فهل ينهي هذا النظام سيطرة المافيات والموظفين الفاسدين وعمليات التهريب؟ وما مراحله والسنوات الطويلة التي احتاجها للوصول إلى مرحلة التطبيق؟

مغادرة العمل الورقي

يوم أمس الأربعاء (1 كانون الثاني 2025) أعلنت الهيئة العامة للجمارك، عن مغادرة العمل الورقي واعتماد نظام الاسيكودا، مشيرة الى أن هذه أحد أهم الإصلاحات الحكومية.

وذكرت الهيئة في وثائق، أنه استنادا الى موافقة رئيس مجلس الوزراء، ولغرض تنفيذ ما تقدم، اقتضى اتخاذ ما يلزم في المراكز الكمركية العاملة بنظام الاسيكودا أصولا وفقا لما يلي:

إيقاف العمل بالتصريحة الكمركية اليدوية والاعتماد على التصريحة الكمركية الإلكترونية الصادرة من نظام اسيكودا.

ما هو "الأسيكودا"؟ وما فائدته؟

يعتبر “الأسيكودا” نظاما مؤتمتا لإدارة الكمارك ويغطي معظم إجراءات التجارة الخارجية، إضافة لمعالجته بيانات الحمولة والبيانات الجمركية، بما فيها إجراءات عبور البضائع والأوضاع المتعلقة بها، إذ يعمل وفقا للمعايير الدولية المتطورة من قبل المنظمة الدولية للمقاييس، ومنظمة الجمارك العالمية، والأمم المتحدة.

وعن فائدة هذا النظام، يقول المستشار الاقتصادي لرئيس مجلس الوزراء، مظهر محمد صالح، إن “نظام الأتمتة العالمي والذي يعرف بالأسيكودا له فوائد كبيرة بتطبيقه في المنافذ وإدارة الجمارك العراقية حيث سيحد من التهرب الذي يحصل من الرسوم الجمركية والضريبية”.

ويضيف، إن “الفائدة الأخرى للنظام ستكون بالمعرفة الدقيقة للمواد المستوردة والمراد إدخالها للبلاد ومدى تطابقها مع شهادة المنشأ والفواتير المدفوعة لها”.

ويؤكد صالح، إن “تطبيق هذا النظام تدريجيا في البلاد سيؤدي لتعظيم إيرادات الضرائب غير المباشرة لخزينة الدولة، كما يحد من عمليات الفساد والتلاعب بنوعية البضائع وأسعارها”.

ويبين، إن “الأسيكودا سيوفر المعلومات التفصيلية لكل محتوى مستورد داخل النظام الرقمي الذي سيقوم بتتبع وكشف المقومات والمعايير المطلوبة وفقا للمؤشرات السيطرة النوعية والسلعية ما سيجنب البلاد دخول أي بضائع محظورة”.

ويشير إلى أن “النظام لا يقبل أي تدخل بشري في العملية الرقابية والتقييم والرسوم خاصة بما يتعلق بفرض الغرامات التي ستثبت بحسب النظام الضريبي والمواد القانونية بين جميع الأطراف التجارية”.

ويتابع، “تطبيق هذا النظام له فوائده كثيرة ولكن أبرزها هو ما ذكر، إذ سيطور الحركة التجارية في العراق وربطه بمختلف دول العالم ما سيوفر قاعدة بيانات عن العلاقات التجارية وإحصاءاتها اليومية والشهرية والسنوية”.

ويلفت صالح، إلى أن “اعتماد هذا النظام العالمي كليا في منافذ العراق سيؤدي تدريجيا إلى ضبط ملموس لأسعار البضائع وإيقاف التلاعب بها في الأسواق، والعمل يجري تدريجيا في المنافذ والجمارك حتى بلوغ العمل بالنظام على نسبة متكاملة خلال العام المقبل”.

هل سيحد من الفساد وعمليات التلاعب؟

ترى عضو لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية، دعاء كاظم، أن “هناك أهمية كبيرة لضبط دخول البضائع للعراق من خلال الإجراءات الجمركية مع تطبيق نظام الأسيكودا الذي سينظم هذه العملية بحسب المتطلبات العالمية”.

وتوضح كاظم، “هذا التطبيق سيوفر رصانة في الأرقام والكميات والنوعية ومنع دخول المواد الممنوعة، وهذه كلها نقاط ذات أهمية بالنسبة للاقتصاد العراقي المفتقر لهكذا نظام منذ سنوات طويلة”.

وتدعو الجهات المعنية إلى “الإسراع بإتمام التطبيق الكلي للأتمتة الإلكترونية على المنافذ لتكون الإجراءات موحدة بشكل كامل بين منافذ الإدخال الجمركي، فهذا العمل الإلكتروني سيحد من الفساد والتدخل البشري ماليا وإداريا في حسم الشحنات وإسعارها ونوعيتها”.

وتشدد كاظم على أن "هذه الخطوات الحكومية مهمة جدا لتعزيز الإيرادات وإيجاد قواعد بيانات رصينة للمستقبل”.

من جهته، يؤكد الأكاديمي والخبير الاقتصادي، مصطفى أكرم، أن “تطبيق نظام الأسيكودا مهم جدا للوضع الاقتصادي في العراق لما فيه من مميزات كبيرة لحصر إيرادات الدولة وتثبيت معايير الجودة”.

ويردف “النظام تابع لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الاونكتاد وهو خطوة أساسية لرفع الإيرادات غير النفطية وإيقاف غسيل الأموال”.

 

ويردف “النظام تابع لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الاونكتاد وهو خطوة أساسية لرفع الإيرادات غير النفطية وإيقاف غسيل الأموال”.

وينبه إلى أن “العمل بهذا النظام سيضع استمارة واحدة لكل حاوية بضائع في ساحة الترحيب، مع وجود جهاز حاسوب للسونار مرتبط بالنظام، إضافة إلى حاسوب آخر للجمارك مرتبط بالنظام العالمي الأسيكودا، فضلا عن حاسوب آخر لاستلام الرسوم الجمركية”.

ويشرح أكرم “هذه الإجراءات كلها ستتيح شفافية عالية في تمرير المعاملات الجمركية وفقا للوائح المنصوص عليها للنظام العالمي وتضبط إيرادات الدولة ونوعية البضائع التي تدخل وإبعاد المحظور منها”.

هل سيوقف عمليات التهريب؟

وبهذا الصدد، يقول مدير عام الهيئة العامة للجمارك حسن حمود العكيلي، إن نظام (الاسيكودا) قائم على ما يسمى بالتصريحة الجمركيَّة “البيان الجمركي” الخاص بالمنتجات أو البضائع المستوردة المعتمدة من الدولة الموردة للبضائع ويسهم بأدوارٍ مهمَّة في مكافحة الفساد عبر خفض معدل التدخل البشري، إذ يتولى تحديد أقيام التعرفة المفروضة عليها، فضلاً عن مساهمة الذكاء الاصطناعي في كشف أنواع البضائع المخبأة أو المراد تهريبها وكشفها استباقياً عبر اعتماد الترميز أو الكودات الخاصَّة بالحاويات الواصلة إلى المراكز الجمركيَّة، أو المعلومات المخزنة سابقاً عن الممنوعات أو المواد المحظورة.ويضيف، "نظام (الأسيكودا) هو نظامٌ جمركيٌّ مطبقٌ في أكثر من 100 دولة، والعراق هو الدولة 108 على مستوى العالم بتطبيق هذا النظام الجمركي وتتمُّ من خلاله تمشية المعاملة الجمركيَّة ومعالجة بياناتها وتقاطع وتبادل هذه البيانات مع المؤسسات المتداخلة بالعمل الجمركي ويتم إنجاز المعاملات الجمركيَّة منذ بداية تسلمها إلى مرحلة خروج البضاعة، فالمعاملة الجمركيَّة تبدأ من المانفيست (وهو بيان الحمولة سواء كان على الباخرة أو على الطائرة أو على المركبات) إلى خروج البضاعة (إذن الخروج) من المنفذ الحدودي، وهذا النظام مطبقٌ في أغلب دول العالم بضمنها دول الجوار ومن بينها الأردن، ولبنان، وفلسطين، وليبيا وكثير من الدول الأخرى".

ويكمل العكيلي، إنَّ "الجهة التي ساعدت الهيئة العامة للجمارك على تنصيب وتطبيق النظام وتدريب ملاكات الهيئة هي الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الاونكتاد) التابع للأمم المتحدة، حيث تمَّ التعاقد معها في العام 2021، وتمت مباشرة العمل بالمشروع في ذات السنة خلال شهر كانون الأول. ومؤتمر التجارة والتنمية للأمم المتحدة هي المؤسسة المختصة لتقديم المساعدة بشكلٍ مباشرٍ بتطبيق هذا النظام وتطويره وتحديثه في العراق"..

الذكاء الاصطناعي

واحدة من أبرز ميزاته أنه يعمل وفق تقنيات الذكاء الاصطناعي، إذ يتم فحص البضائع ومقاطعة بياناتها وتحديد المخاطر بالعمل الجمركي أو ما يسمى بـ(إدارة المخاطر) ويتم تحديدها عبر البيانات التي تتم تعبئة النظام بها من خلال المعاملات الجمركيَّة، و لها شرحٌ يطول وتفاصيل لن نأتي على ذكرها لضرورات (أمنيَّة ومهنيَّة)، لعلَّ ليس من المناسب الحديث عنها الآن، يتم تحديد مدى خطورة البضائع وخطورة التاجر وخطورة وكيل الإخراج وخطورة النقل وخطورة وسيلة النقل وخطورة الطريق الذي سلكته البضاعة قبل الوصول إلى البلد، حتى طرق التغليف وطرق الشحن، كل تلك المعطيات يأخذها النظام بنظر الاعتبار، وتوجد تحليلاتٌ عبر الخوارزميات الموجودة بالنظام ومن بينها آليات الذكاء الاصطناعي، لتحديد مخاطر بعض تلك البضائع لغرض التعامل معها، وفق العكيلي.

ويضيف العكيلي، "في ذات الوقت فإنَّه بموجب نظام (الاسيكودا) سيتم إجراء المعاملات المحاسبيَّة والحسابيَّة على كل البضائع في قواعد متماثلة، وبالتالي ستؤدي هذه المعلومات إلى الحد من ضياعات الأموال والفساد والتجاوز والحدِّ من ارتكاب المخالفات وعمليات التهريب، وفي الوقت ذاته سيتم من خلال النظام توحيد إجراءات كل المراكز الجمركيَّة وفق صياغة وأسلوب واحد".

 

تقليل الفساد ويؤكد العكيلي، أنه "بموجب هذا المشروع الإلكتروني سيتم إيقاف معاملات أو بضائع محددة تمت تغذيَّة النظام ببياناتها الإلكترونيَّة سلفاً، بمعنى ما كان يمكن أنْ يمرَّ عبر الفساد أو اتفاقات مع بعض ضعاف النفوس من المشتغلين بالعمل الجمركي سواء كانوا موظفين أو وكلاء إخراج جمركي أو تجاراً سيتم تحديد تلك الممنوعات سلفاً في النظام وبالتالي لا يمكن إنجاز تلك المعاملات في المستقبل، كأنْ تكون بعض تلك البضائع الممنوعة تم إدخال بياناتها إلى ذاكرة النظام".

ويتابع، "وبالتالي لن يسمح بدخول تلك البضائع وإنجاز معاملاتها، وهذه واحدة من الميزات التي تساعد الهيئة العامة للجمارك على أداء واجباتها، وكذا الحال بالنسبة إلى الالتزام بالقيود التي تحدد من قبل الجهات المختصة في الدولة العراقيَّة، مثال ذلك بعض البضائع التي ينبغي استحصال إجازة للاستيراد قبل وصولها إلى المراكز الجمركيَّة، وبموجب ما تم تزويد النظام به من بيانات يتم تحديد تلك البضائع، وبالتالي لا يمكن إنجاز أي معاملة مشمولة بإجازة الاستيراد من دون ورود تلك الإجازة، أو إذا كان هناك أكثر من ألف بضاعة مشمولة بالفحص لأغراض التقييس والسيطرة النوعيَّة، كذلك تمَّ إدخال بيانات تلك البضائع بالنظام ولا يمكن إنجاز المعاملة من دون ورود شهادات الفحص والمطابقة، وهكذا باقي الجهات المتداخلة مع العمل الجمركي مثل وزارة الصحة ووزارة الزراعة وغيرها من تلك المؤسسات".

السنوات الطويلة التي احتاجها الاسيكودا

في النهاية، لابد من ذكر المراحل الكبيرة، والسنوات الطويلة التي احتاجها نظام الاسيكودا للوصول إلى النضج، إذ أكدت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في وقت سابق، انه في أكتوبر 2023، أطلقت الدولة العراقية برنامج ASYCUDAWorld - وهو برنامج رائد لأتمتة الجمارك بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، لرقمنة عمليات التخليص الجمركي والحد من مخاطر الاحتيال وتسهيل التجارة عبر الحدود.

وبحسب التقرير، فإن البرنامج - الذي يتوافق مع المعايير الدولية - يهدف إلى استبدال عمليات التخليص الجمركي اليدوية الورقية في العراق، مما يتيح للتجار استكمال جميع الأعمال الورقية اللازمة عبر الإنترنت لتوفير الوقت والتكلفة.

وشهد مطار بغداد الدولي - حيث ظهر نظام ASYCUDAWorld لأول مرة في العراق - نمواً في الإيرادات الجمركية بأكثر من 215% بين يناير ومايو 2024، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفقا للتقرير الذي كشف انه بين شهري يناير ومارس، ارتفعت معاملات الاستيراد في المطار بنسبة 120% مقارنة بالربع الأول من عام 2023، لتصل إلى أعلى مستوياتها في عقد من الزمان.

ويضيف التقرير، ان مجتمع الأعمال استجاب بفعالية للامتثال للإجراءات واللوائح الجديدة. فمنذ أكتوبر 2023، قدم أكثر من 2800 مُعلن حوالي 65600 إقرار إلى الجمارك من خلال ASYCUDAWorld.

وتم تشغيل البرنامج في أكبر 9 مكاتب جمركية في العراق والتي تمثل مجتمعة 81% من حجم التجارة الدولية للعراق، وفقا للتقرير.

وتشمل هذه العمليات الجمركية الواقعة على الحدود مع الدول المجاورة مثل الكويت والأردن والمملكة العربية السعودية، وكذلك في ميناء أم قصر المؤدي إلى الخليج العربي.

وأشادت وزيرة المالية العراقية طيف سامي – بحسب التقرير - ببرنامج ASYCUDAWorld لمساعدة العراق على "تحقيق الانضباط المالي، وتقليص الأخطاء، وتعزيز كفاءة الموارد الحكومية، وتوفير المعلومات الدقيقة".

ويبين التقرير انه تم التخطيط لاتفاقية إطلاق ASYCUDAWorld في مايو/ايار 2021، كجزء من شراكة العراق مع برنامج النظام الآلي للبيانات الجمركية (ASYCUDA) - وهو أكبر مشروع للتعاون الفني تديره منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في أكثر من 100 دولة.

وتبين سيريمان: "إن عمل ASYCUDA في العراق مستمر، ولكن حتى في هذه المرحلة، فإننا نشهد بالفعل زيادة في أحجام التداول وتعزيز إيرادات الحكومة".يجمع عمل ASYCUDA في العراق 6 موظفين من منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى جانب فريق مشروع وطني يضم خبراء في تكنولوجيا المعلومات والجمارك.

بالإضافة إلى ذلك، قام موظفو ASYCUDA بتدريب الفريق الوطني على استخدام النظام وصيانته بشكل مستقل، بما في ذلك الدورات التي عقدت في بغداد وزيارة ميدانية إلى مكاتب الجمارك في الأردن للتعلم من تجاربهم.

وبعد ذلك، قام الفريق الوطني العراقي بدوره بتدريب مستخدمي ASYCUDAWorld في العراق، مما ساعد أصحاب المصلحة الرئيسيين مثل شركات النقل اللوجستي والمصرحين وموظفي الجمارك على التعرف على النظام الجديد، بحسب التقرير.

ووفقا للتقرير، سيتم إطلاق ASYCUDAWorld في عرعر (التي تقع على الحدود مع السعودية) وطريبيل (التي تربط العراق بالأردن) بقيادة الفريق الوطني العراقي إلى حد كبير، مع دعم خبراء ASYCUDA الدوليين عن بعد.

المصدر: وكالة الإقتصاد نيوز

كلمات دلالية: كل الأخبار كل الأخبار آخر الأخـبـار الهیئة العامة للجمارک الذکاء الاصطناعی تطبیق هذا النظام عملیات التهریب العمل الجمرکی تلک البضائع تطبیق نظام فی العراق أکثر من من خلال

إقرأ أيضاً:

نظام حماية الأجور.. مساعي تنظيم سوق العمل تصطدم بالأوضاع المُتقلبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة

◄ المستشار الإعلامي بـ"العمل": النظام أداة لضمان الشفافية وبناء سوق عمل مُتطوِّر

◄ "حماية الأجور" يُحارب "التجارة المُستترة" ويَحِد من "التلاعب"

◄ "العمل" بذلت جهودًا توعوية لجميع شرائح أصحاب العمل قبل تطبيق النظام

◄ 150 ورشة عمل توعوية بالمحافظات شارك فيها العديد من أصحاب الأعمال

◄ الحامدي: لا يُمكن وضع جميع الشركات في سلة واحدة.. و"الصغيرة" تواجه الإفلاس نتيجة الغرامات

◄ البوسعيدي: نأمل إعفاء المؤسسات ذات الدخل المحدود من الرسوم والغرامات

◄ الغيثي: نأمل أن يقتصر تطبيق الغرامة على الشكوى العمالية فقط

 

الرؤية- إيمان العويسية

 

عبَّر عددٌ من أصحاب الأعمال عن قلقهم من أن يؤدي تزايد الغرامات التي يفرضها نظام حماية الأجور، إلى تفاقم الأعباء المالية على المؤسسات التي يديرونها، مناشدين بمنحهم فرصة لتصحيح الأوضاع، ومعالجة بعض التحديات التي تقف عائقًا أمام الالتزام بالأنظمة واللوائح والقوانين.

وأصدرت وزارة العمل قرارًا وزاريًا بشأن نظام حماية الأجور، وهو نظام إلكتروني مشترك مع البنك المركزي العُماني يهدف إلى مُتابعة صرف أجور العاملين في منشآت القطاع الخاص، وضمان التزام أصحاب العمل بتحويل أجور العاملين إلى حساباتهم المصرفية أو المالية لدى مؤسسات خاضعة لإشراف البنك المركزي العُماني، وفقًا لما تُحدده عقود العمل والمدة الزمنية المُحددة قانونًا.

وقال أصحاب أعمال- في تصريحات خاصة لـ"الرؤية"- إنَّ نظام حماية الأجور، رغم أهدافه في ضمان حقوق العاملين، يفرض تحديات كبيرة، خاصةً في المراحل الأولى من تأسيس المشروع. وأشاروا إلى أن الالتزام بتحويل الرواتب بشكل منتظم عبر النظام يزيد من الأعباء التشغيلية والمالية؛ حيث يتطلب توظيف كوادر إضافية لإدارة منظومة الرواتب، وهي عملية مُكلفة لا سيما بالنسبة للمؤسسات الصغيرة والصغرى التي لا يتجاوز عدد العاملين فيها 3-5 عمال.

 

 

الرؤية التشريعية

يقول الدكتور بدر بن أحمد البلوشي المستشار الإعلامي بوزارة العمل إن نظام حماية الأجور ليس مجرد قانون تنظيمي؛ بل هو أداة لضمان العدل والشفافية، وركيزة أساسية لبناء سوق عمل متطور ومستدام يُحقق التوازن بين حقوق العامل ومصالح صاحب العمل؛ مما يُسهم في ازدهار الاقتصاد الوطني، وضمان حقوق العمال في الحصول على أجورهم في مواعيدها. ويؤكد البلوشي أن هذا النظام من شأنه أن يُعزِّز الثقة بين العمال وأصحاب العمل، ويساعد على تجنب النزاعات والمطالبات العمالية التي قد تنتج عن التأخير أو عدم الوضوح في دفع الرواتب.

ويضيف البلوشي أن النظام سيعمل على تقليل النزاعات العمالية؛ حيث تُصبح جميع عمليات الدفع مُوثَّقة ومُنظَّمة؛ مما يخلق بيئة عمل أكثر استقرارًا وعدالة للجميع. ويمضي البلوشي موضحًا أن النظام يُسهم في رفع إنتاجية العامل وتحسين بيئة العمل، وتعزيز الشفافية والحد من التجارة المستترة، وتوثيق جميع عمليات دفع الأجور عبر النظام المصرفي؛ مما يَحِد من التلاعب، ويضمن أن جميع العاملين يحصلون على حقوقهم وفق اللوائح المُنظِمة.

ويوضح المستشار الإعلامي بوزارة العمل أن تطبيق نظام حماية الأجور يُعزِّز من ثقة المُستثمرين في بيئة العمل العُمانية؛ مما يجعلها أكثر جاذبية للاستثمارات المحلية والأجنبية. ويتابع أن النظام يُساعد كذلك على الحد من الظواهر السلبية في سوق العمل مثل التسوُّل أو العمل غير القانوني، ويضمن أن كل عامل مُسجَّل لديه مصدر دخل واضح ومُستَقر.

ويؤكد البلوشي أن النظام يدعم أيضًا تحقيق مُستهدفات رؤية "عُمان 2040"، وبناء اقتصاد مُستدام ومُتطوِّر، والذي يستلزم بيئة عمل عادلة ومُنظَّمة، مشيرًا إلى أن هذا النظام يُعد جزءًا أساسيًا من هذه الرؤية؛ حيث يُسهم في تطوير سوق العمل وضمان استقراره على المدى الطويل.

خطوات تنظيمية

ويوضح البلوشي أنه قبل فرض أي جزاءات إدارية، اتخذت وزارة العمل خطوات متدرجة لضمان توعية جميع شرائح أصحاب العمل بالنظام عبر إطلاق حملات إعلامية وتوعوية منذ عام 2017، مع تنظيم أكثر من 150 ورشة عمل في مختلف المحافظات، شارك فيها العديد من أصحاب المؤسسات، إضافة إلى العمل باستمرار لتوفير المعلومات والإرشادات من خلال مركز الاتصال، والمختصين في خدمة المراجعين في جميع دوائر العمل والموقع الإلكتروني للوزارة.

ويؤكد البلوشي أنه وفقًا للتعميم رقم (7/2023) الصادر بتاريخ 9 يوليو 2023، فقد مُنِحَت المنشآت الكبيرة والمتوسطة فترة لتصحيح أوضاعها والالتزام بنظام حماية الأجور مدتها 6 أشهر، أما الشركات الصغيرة والصغرى فقد مُنِحَت مدة 8 أشهر لتصحيح أوضاعها، لافتًا إلى أنه مع انتهاء المهلة، ذهبت الوزارة لخيارات ومُدد إضافية للتنبيه من خلال الأنظمة الإلكترونية والرسائل النصية.

الأعباء التشغيلية والمالية

في المقابل، يقول المهندس علي بن محمد الحامدي (صاحب أعمال) إن نظام حماية الأجور أثَّر على عدة جوانب من بينها الوضع المؤسسي للسجل التجاري، موضحًا أن هناك فرقًا بين سجل تجاري قائم على نشاط واحد، وسجل تجاري آخر مُكوَّن من عدة أنشطه في كيان مؤسسي قائم على وظائف متعددة، ومنها وظيفة مخصصة لمسؤول الموارد البشرية. ويُشير الحامدي إلى أن الدخل الشهري لمؤسسته يتأثر بالظروف الاقتصادية، ما يتسبب في عدم توافر السيولة النقدية ومن ثم صعوبة الالتزام بدفع الأجور في مواعيدها. ويضيف أن السجل التجاري القائم على نشاط واحد مثل محل حلاقة أو الخياط أو نشاط كي وغسيل الملابس أو ورشة حدادة أو نجارة أو إصلاح سيارات أو عامل مسجد، هي أنشطة لا تتوافر فيها السيولة النقدية بشكل مُنتظم؛ نظرًا لمحدودية عملها ونشاطها، ولاعتمادها على القوة الشرائية بالسوق المحلي، والذي قد يشهد تحسنًا في أوقات وركودًا في أوقات أخرى.

ويُبيَّن الحامدي أن القوة الشرائية المحلية تعتمد بشكل أساسي على الدخول الفردية القائمة على الرواتب الشهرية للعاملين في القطاعين العام والخاص أو المتقاعدين؛ ويرى أنها محدودة النمو. وأوضح أن هناك قدرًا من التفاهم بين صاحب السجل التجاري والعامل في طريقة الوفاء بدفع الراتب الشهري. واعتبر أن معاملة جميع السجلات التجارية على أنها قادرة جميعها على دفع التزاماتها من الأجور بشكل شهري وبانتظام، يضعها أمام تحدٍ كبيرٍ، وأن وزارة العمل تفرض في المقابل مخالفات شهرية بسبب عدم القدرة على الوفاء، مما سيتسبب في نهاية المطاف في إفلاسها أو إغلاقها بشكل كامل.

ويضيف أن تطبيق نظام حماية الأجور ينبغي التعامل في تطبيقه كهدف استراتيجي وليس تنفيذيًا يُطبَّق بضغطة زر واحدة، مقترحًا تطبيقه بشكل إلزامي على المؤسسات الكبيرة ثم الشركات المتوسطة، ولاحقًا على الشركات الصغيرة والصغرى، مع الوضع في الحسبان مسألة توفر السيولة النقدية، لضمان ديمومة تسليم الرواتب في مواعيدها المقررة.

ويرى الحامدي إلى أن الشركات ذات السجل التجاري القائم على نشاط واحد معتمد على القوة الشرائية المحلية، هي التي ستواجه صعوبة بالغة في تطبيق النظام نظرًا لتتذبذب السيولة النقدية، وعدم قدرتها هذه الشركات على الحصول على تسهيلات مالية من البنوك نتيجة عدم استطاعتها توفير الضمان الذي يشترطه البنك مقابل التسهيل المالي. ويدعو الحامدي إلى ضرورة أن يتعامل نظام حماية الأجور بصورة مرنة مع الشركات، بحيث يُتيح لها سداد ما عليها من التزامات على شكل دفعات، حسبما يتوفر لديها من سيولة نقدية.

ويقول علي البوسعيدي (صاحب أعمال) إن نظام حماية الأجور أثر بالسلب على سير الأعمال التشغيلية والمالية لمؤسسته، لافتًا إلى أنه دفع 50 ريالا عُمانيا غرامة على الرغم من التسجيل المسبق في نظام حماية الأجور عبر البنك، وتحويل رواتب العمال بشكل منتظم شهريًا. ويضيف البوسعيدي: "لم نحصل على أي دعم أو إرشاد مباشر من الجهات الحكومية، باستثناء تنبيهات عبر الرسائل النصية تفيد بضرورة تسجيل العاملين في الشركة في نظام حماية الأجور، بعد ذلك قمنا بتسجيل حسابات بنكية لجميع العاملين في الشركة والتزمنا بتطبيق النظام بعد تلقي تنبيه من وزارة العمل بضرورة التسجيل".

ويقترح البوسعيدي تطوير نظام حماية الأجور ليكون أكثر ملائمة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال إنشاء منصة أو تطبيق يربط البنك ووزارة العمل بالمؤسسات لتسهيل عمليات التسجيل وتحويل الرواتب إلكترونيًا بطريقة سريعة. ويأمل البوسعيدي إعفاء المؤسسات ذات الدخل المحدود من الرسوم والغرامات، وتقديم حزمة من المبادرات الحكومية لدعم الشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة لضمان استدامة الاقتصاد المحلي والمساهمة في تشجيع الاستثمار ودعم المؤسسات العُمانية.

أعباء مالية

ويقول راشد بن علي الغيثي المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة الغيثي الدولية إن الغرامة المفروضة شكلت عبئًا كبير على الأعمال القائمة، وتعرضت الشركات غير الملتزمة بالنظام إلى إيقاف الخدمات عنها في وزارة العمل. ويُشير إلى أن السيولة النقدية لا تتوافر دائمًا؛ خاصة لدى المؤسسات الصغيرة. ويقترح الغيثي تحويل الرواتب عن طريق المنظومة الإلكترونية، دون تحديد فترة زمنية محددة، مع عدم فرض غرامات على الشركات إلّا في حالة وجود شكوى فعلية تتعلق بتأخير الرواتب.

ويضرب الغيثي مثالًا بالشركات العاملة في قطاع المقاولات، ويقول إنها قد تتأخر في دفع الرواتب، بسبب تأخُّر الدفع من وزارة المالية لعدة أشهر، بينما تعمل هذه الشركات وفق "اتفاق مع العاملين"، ولذلك يرى أنه "لا يجب فرض غرامات عند تأخير الرواتب، طالما أن هناك تفاهمات متبادلة بين الشركة والعمال"، والقائم على أساس توافر السيولة.

ويأمل الغيثي توفير حوافز للشركات الصغيرة والمتوسطة لمساعدتها على الاستمرارية، خاصة في ظل الوضع الحالي للسوق، معتبرًا أن التحفيز سيكون له دور إيجابي في دعم هذه الشركات؛ مما يُساهم في خلق وظائف جديدة. ويؤكد الغيثي في هذا السياق أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني.

من جهته، يقول حسين بن علي المرزوقي (صاحب أعمال) إن نظام حماية الأجور فرض أعباءً مالية إضافية على الشركات، نتيجة إلزامها بتحويل الرواتب في مدة محددة، وذلك رغم التحديات المالية المرتبطة بالقوة الشرائية في السوق. ويضيف أن هذه التحديات تدفع الشركات إلى اللجوء للتمويل من البنوك التجارية لضمان توفر السيولة النقدية اللازمة ومن ثم دفع الرواتب. ويأمل المرزوقي تقليل الغرامة المالية، وإلغاء الضرائب على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتوجيه الدعم للمشاريع الناجحة تعزيز استقرار القطاع الخاص.

حماية الأجور

ويقول عمَّار بن سالم الغفيلي مساعد الرئيس للتشريعات العمالية بالاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان إن الاتحاد ينظر إلى نظام حماية الأجور باعتباره أداة أساسية لتعزيز حقوق العمال وضمان التزام صاحب العمل بصرف الأجور بانتظام شهريًا؛ مما يُساهم في تحقيق الشفافية بشكل أكبر في العلاقات بين العامل وصاحب العامل، وتوفير بيئة عمل مستقرة وعادلة. ويؤكد الغفيلي- في تصريحات أدلى بها لإذاعة "الوصال"- أن الاتحاد العام للعمال يتعامل مع العديد من القضايا العمالية المتعلقة بتأخر صرف الأجور أو عدم سدادها، مشيرًا إلى أن مبادرات حماية الأجور للعاملين في القطاع الخاص ستُسهم في الحد من هذه المشكلات.

ويوضح أنَّ النظام يضمن الشفافية في تحويل الأجور الشهرية، وتسوية النزاعات العمالية، حيث يمكن للباحث القانوني الرجوع إلى نظام حماية الأجور عند النظر في قضايا تأخير الأجور للتحقق من التزام صاحب العمل بالسداد.

مقالات مشابهة

  • في مقابلة مع تلفزيون سوريا.. الشرع يكشف تفاصيل معركة إسقاط نظام الأسد
  • لرصد عمليات صنعاء.. واشنطن تنشر “نظام إنذار مبكر” في البحر الأحمر  
  • عبدالله: نمشي في الطريق الصحيح باتجاه إقامة نظام صحي حضاري
  • بدء برنامج تدريبي على استخدام نظام النافذة اليمنية الواحدة للتخليص الجمركي
  • أمريكا.. عطل فني يهدد عشرات الرحلات الجوية
  • تدشين نظام التحصيل الإلكتروني للإيرادات بصندوق النظافة في الحديدة
  • عطل فني يهدد عشرات الرحلات الجوية في الولايات المتحدة
  • كندا ترد على ترمب بفرض ضرائب على البضائع الامريكية
  • نظام حماية الأجور.. مساعي تنظيم سوق العمل تصطدم بالأوضاع المُتقلبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة
  • أميركا تفرض رسوما جمركية على البضائع الكندية