الكمان السوداني: صنو النغم الحنين، وحلم توطين الصناعة 

صلاح شعيب

الكمنجة السودانية ساهمت بقدر وافر في تشذيب الغناء في بلادنا بما جعلها أكثر قدرة على ترجمة التحديث اللحني منذ مرحلة الثلاثينات تقريباً. فالمؤرخون في المجال يشيرون إلى أن الكمان ظهر في أول مرة في مشهد الإبداع مع ظهور جيش كتشنر، حيث كانت فرقته الموسيقية العسكرية تعزفها.

ولاحقاً ساهمت الجاليات الأجنبية في نشر الآلة عبر أندية الشوام، والتي نفسها ساهمت في تقديم مسرح خاص بها اصطلح عليه الدراميون ب”مسرح الجاليات”، والذي مثل اللبنة الأولى التي انطلق منها المسرحيون السودانيون في سودنة العرض التمثيلي.

وكذلك يؤكد باحثون أن فرقة دفاع السودان استفادت من وجود إنجليز مهرة يحسنون استخدام الكمان، وبالتالي وُظفت الآلة ذات الأربعة أوتار في تقديم المارشات العسكرية في مرحلة من مراحل التاريخ الموسيقي العسكري.

ولكن العازف الرائد السر عبدالله يعد من الأولين في تطوير استخدامها في الألحان السودانية. إذ اصطحب الفنانين سرور وكرومة إلى القاهرة، وسجل معهم أغنياتهم عبر أسطوانات الفونوغراف. ورغم هذا الدور الرائد فإن ما وصلنا من سيرة العازف السر، وعن مراحل تطوره ومساهماته اللاحقة قليل، ولم نجد مباحث تدلنا حول ما إذا كان قد ألف مقطوعات موسيقية كما كان هذا حال معظم الذين أتوا بعده، وأنتجوا مقطوعات موسيقية  كثيرة. بعد جهد السر تواصل اهتمام الشباب في ذلك الزمان بآلة الكمان في محاولة لتعلّمها، ومن ثم تكثيف توظيفها في الفرق الغنائية السودانية.

ولعل من الأسماء المهمة التي برزت في تحصيل المعرفة الفردية بهذه الآلة الساحرة وجدنا أدهم إبراهيم – صاحب الأدهمية – وبدر التهامي في المجال، ولاحقاً ازدانت الأوركسترا السودانية بوجود عازفين مهرة ساهموا في تطوير تقنيات العزف بأساليب جديدة. كما أن الحداثة الموسيقية التي سمت مرحلة نهاية الأربعينات وضعت الكمان في مقدمة الآلات المهمة في تنفيد العمل إن لم تكن هي الآلة الأكثر سيطرة على غالب الجوقة بجانب الإيقاع، والعود، والجيتار، والأكورديون، والآلات الخشبية والنحاسية لاحقاً. واحتل الكمان مكانته في الموسيقى السودانية الحديثة لقدرته الفيزيائية، آخذاً بألباب المستمعين الذين ألفوه بعد أن بذل الرائد حسن الخوض دوراً في منح صوت الكمان نكهة سودانية خاصة.

وربما سيطر الكمان، وما يزال، على الصولو في الأوركسترا لأسباب تتعلق بسطوته في أداء هذا الدور، والمقدرة الفائقة لعازفي الكمان الموهوبين منهم، وتعود الجمهور على حضوره الدائم في دغدغة نغمة الصولو، وكذلك إمكانية الكمان في تجسيد التعبير اللحني الفرِح، والحزين، والغاضب، عبر قدرة العازف على محاكاة الكلمة، أو التعبير الموسيقي ليُخرج رهافة الصوت الحنين، والمشبع بدم القلب، والذي يعد الكمان من أكثر الآلات مجاورة للنبض أثناء العزف.

-٢-

بالإضافة إلى المهمة الكبيرة التي اضطلع بها الإيطالي مايسترلي في تعليم العازفين السودانيين أسس التدرب على عزف الكمان عبر الإذاعة نشأت معاهد عديدة بقيادة أحمد مرجان، وإسماعيل عبد المعين، تخصص جزء من عملها في دعم عازفي الكمان. ومع إنشاء المعهد العالي للموسيقى والمسرح تصاعد الاهتمام بتدريس عازفي الكمان بالأسس النظرية الحديثة. وقد احتوت الدفعات الأولى للمعهد على عدد معتبر من أوائل عازفي الكمان الموهوبين الذين كانوا أصلا يعملون مع فرقة الإذاعة السودانية. وشيئاً فشيئاً تحصلوا على معارف مميزة عن الآلة ووقفوا على تجارب العازفين الأجانب، وبعد تخرجهم ساهموا في تطوير أداء الكمان.

ومن ناحية أخرى ساهمت البعثات الأكاديمية لعدد هائل من خريجي المعهد المتخصصين في آلة الكمان في القفز بمعرفة تقنيات الآلة، وعادوا من الخارج يحملون درجات الماجستير والدكتوراة بتخصصهم في تنمية تقنيات هذه الكمان، واستفادوا كثيراً في تطوير مهاراتهم، ومن ثم أصبحوا أساتذة في المعهد، قادرين على دعم الطلاب في تحصيلهم العلمي. ومن ناحية أخرى ساهموا مع زملائهم الذين تخصصوا في آلات أخرى في تكوين فرق موسيقية كان عازفو الكمان يمثلون الأغلبية فيها. ونذكر في هذا الجانب دور فرقة السمندل الموسيقية التي ضمت عازفين مميزين أمثال ميرغني الزين، وأحمد باص، وعثمان مبارك، وميكائيل الضو، ومجدي العاقب، وآخرين.

ومع تعاقب الأجيال أصبح الكمان ملك الأوركسترا  السودانية، وظهرت فيها مواهب جديدة، فضلاً عن انتشار عازفي الكمان في كل ربوع البلاد حيث طوعوا الآلة لأداء الأغاني التي تنبثق من البيئة، وهكذا صار تعلم الكمان كفاحاً متاحاً للعديد من الراغبين في إتقانه. ومن ناحية أخرى تحرر الكمان السوداني من ذكوريته، وصرنا نلحظ وجود عازفات يتقن الإمساك الرفيق بالقوس، وهو يداعب الأوتار.

-٣-

ونحن نتناول تاريخ هذه الآلة لا يمكن تجاوز مبدعين كثر من الرواد الذين شنفوا بها الآذان بأناملهم الذهبية. نذكر منهم على سبيل المثال حسين جاد السيد، وعثمان الله جابو، وحمزة سعيد، وحسن بابكر، والطيب خليفة، وعلي ميرغني، وعلاء الدين حمزة، وحسن الخواض، وعبدالله عربي، والحبر سليم، ورابح حسن، وأحمد بريس، ومحمدية، ومن بين هؤلاء من ألفوا مقطوعات موسيقية، وساهموا بشكل كبير في تقديم الألحان للفنانين، وإدارة شوون الموسيقى في الأجهزة الرسمية، وتدريس الموسيقى في المعاهد والجامعات.

وبرغم أن السودان استطاع توطين صناعة العود بجودة عالية من خلال دعم بيت العود العربي إلا أن عوائق كثير اعترضت صناعة الكمان. ولم يتمكن السودانيون حتى الآن من الدخول في هذا المجال، وما نزال نستورد الآلة من أوروبا، والشرق الأوسط.

الأستاذ السابق ميرغني الزين عازف الكمان الشهير، ويعد كذلك من أوائل الذين درسوا آلة الكمان في معهد الموسيقى والمسرح بعد أن عاد حائزا على الماجستير من روسيا، قال إن صناعة الكمان تحتاج إلى خشب معين يحتاج إلى معالجات كيميائية، وفيزيائية، لا تتوافر في السودان حالياً. ومع ذلك حاول الأستاذان الله جابو والتهامي خوض التجربة، ولكن وقفت عند حدود أولية.

ميرغني يرى أن الكمان من أصعب الآلات التي يمكن تعلمها بالقياس مع الآلات الموسيقية الأخرى، وأشار إلى أن الطليان ما برحوا يقفون في مقدمة الدول المصنعة للآلة بجانب الفرنسيين، والإنجليز، والألمان، والتشيك، والروس، وأخيرا  اليابانيين، موضحا أن استيراد الآلة بدأ في السبعينات بعد أن بلغت قمة شيوعها في الستينات، وكانت تباع في “دنيا الموسيقى” بشارع الجمهورية. ويرى الأستاذ ميرغني الزين أن عازف الكمان الإيطالي مايسترلي لعب دوراً في تحسين أداء العازفين السودانيين عبر فصوله الموسيقية في إذاعة هنا أمدرمان، كما أن الأستاذ إسماعيل عبد المعين ساهم عبر فرقة البساتين في هذا الصدد، وأنه شخصيا درس الكمان خلال الفصول الموسيقية للفرقة التي أسسها عبد المعين في فترة السبعينات بنادي الأسرة.

ويكشف ميرغني أن من أوائل أساتذة الكمان في المعهد العالي للموسيقى والمسرح محمد الحسن الذي درس الآلة في فيينا، ثم تلاه سالم الطيب الذي درس في إنجلترا، وكان ذلك تحت إشراف الأساتذة  الكوريين الذين كان لهم قدم السبق بتعريف السودانيين الأسس الصحيحة للإبداع في عزف الآلة. ولاحقاً أصبح ميرغني ضمن طاقم التدريس، ثم انضم العازف محمد سيف يسن الذي حاز على الماجستير والدكتوراة في دراسة الكمان في ألمانيا.

وبرغم أن العود ظل تاريخياً مصدراً لإنتاج الألحان، ولكن ميرغني يرى أن آلة الكمان ساهمت لوحدها في تقديم أعمال لحنية عديدة للفرقة الموسيقية، وهناك نسبة مقدرة من عازفي الكمان استخدموها لضخ الألحان، وأنه شخصياً أنتج ألحانه جميعها بواسطة الآلة، والتي تمثل حجر الزاوية في هيكلية الفرق الغنائية السودانية، ومنحت موسيقانا جمالاً فوق جمال.

الوسومالموسيقى السودانية معهد الموسيقى والمسرح

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الموسيقى السودانية

إقرأ أيضاً:

رحم الله صديق أحمد وكل الذين وهبونا أجمل ساعاتنا

#ياـصديق
نحن من جيل تقوت أواصره على قوة مركزية النسيج الإنساني المخلق لروابط في مرات كثيرة لا تفسر ! وأحيانا لا تدرك لمن في روحه جرثومة وضاعة أو بغض من باكتريا معامل الظنون . نحن من جيل طاف صغير في حلقات لدوائر الذاكرين تحت أكمام (الجلاليب) المستقبلة لاتردادات الصفقة في حضرة محمد كرم الله أو النعام او صديق أحمد . الاخير شهدته وهو في حالة سلطنة الغناء وهو تربال يزور أهله بجوارنا . ذات الصوت العذب والحضور الساكن والسمرة البهية والضحك الصافي منزوع المحاذير . هو في تلك الحالة (زول ونسة) يستقبله ديواننا أو ديوان أهله .مثلما كان يفعل ود اليمني الذي أظنه مع موهبة الغناء فقد أضلت الدراما (حكواتي) وممثل حريف وفكاهي بوزن ثقيل . ربما من حسن حظي أني رأيت عبد العظيم حركة وعلي عبده . ووقفت لساعات التقط نفخ فرقة جاز الديوم . وشهدت زيدان وشاركنا في مناسبات الحلفاويين وحضرنا (الجالوة) عند آل ناس رمضان . فترك كل من اولئك في فراغات أنفسنا لحنا وقصة ومشهدا . ومنهم صديق أحمد . الذي كنت تابع ثرثرات زملاء بقروب عن غناء أهل الشمال فاتت سيرة أغنية منحنى النيل فهممت بالقول لقد إستقام النيل هناك بعذب اللحون وربما إنحنى طربا من الكلمات .
2
لست بصدد نعي الفنان الكبير صديق أحمد أو تأبينه . فقطعا هناك من هم اقرب مني وأولى . معرفة ومعاصرة .غير أنني أشعر بالامتنان نحو إنسان جميل . أسهم مع آخرين . مطربون .شعراء . أهل كرة ورياضة بل وعامة من السابلة في سوقنا إلى عافية الذات وتحصين النفس . فكانوا آحادا كل بسهمه لكنهم جميعا طيبوا دواخلنا فحصنوها ضد الكراهية والجهالة . وجعلوا إيماننا بالإنسان غاية ادركانها بغير كتب وهتافيات . وغرسوا السودان في دواخلننا علامات للارشاد . وقد كنت وكتبت هذا غير مرة أستعجب من حب عتيق عند والدي للراحلين محمد كرم الله والنعام أدم . أو تمسكه بالولاء لمدينة كسلا التي عاش فيها لسنوات لدرجة إفتخاره بأن اوراق الثبوتية عليها أختام الإقليم الشرقي . ومثلما حرت في حبه الشديد للمريخ والجيلي عبد الخير وفي ذات الوقت قاقرين وعبد الله السماني وحديثه المفتخر بموسى جودة وخليفة عمر وصداقته العميقة مع رجل من آل الهاشماب ممن استطونوا بري . جمع الشيخ الوالد خيوط والعرض على جغرافية إنسان وسطي ربما بسبب ذلك عصمنا عن فتنة أدارت بعض ممن ظننت أنهم من أهل العقول . وسطية تشربنا منها منه حب صديق أحمد لدرجة أنه إن أطل في سهرة تلفازية كان مع كل رمية يرتد صبيا .حتى تشرق أنوار وجه أمي ببعض التعابير الساخرة .
3
لاحقا صرت أقتفي أخبار (صديق) أصدق في مواقيت ظهوره . تألمت قبل سنوات حينما الم به طارئ صحي . فكتبت عنه أشتم إهمال الدولة للمبدعين .والصحافة ببلادنا لا توفر لك في كثير سوى سبيل السباب .فالمناشدات المطلقة السراح من غير ذلك تموت . لا النداء عندنا رافعته الإبتزاز . وقد فشلت في بلوغ الشمالية رغم وعدي لذاتي بتتبع مباحث عن أكسوم إلى تمساح ود الماحي . ووعد غير منجوز بالوصول إلى (شقوري) وعبوره قدما كرفيق موسى إلى كجي الرباطاب حيث لي موعد مع آل شبيكة .
4
رحم الله صديق أحمد وكل الذين وهبونا أجمل ساعاتنا . كل الذين كانوا في أنفسنا يقينا وعافية وروح فوق تجاذبات الشيطان . اللهم أحينا على ما تركونا عليه من جوامع بذلوها بغير تصنع وأمتنا عليها . وهي لهم أجر وحسنات . عرف الناس قيمتها ودلالاتها .والصابرات روابح
محمد حامد جمعة نوار

إنضم لقناة النيلين على واتساب

مقالات مشابهة

  • غرفة القاهرة تبحث مع رئيس شعبة الأدوات الصحية توطين الصناعة وزيادة الصادرات
  • غرفة القاهرة تبحث توطين صناعة الأدوات الصحية وزيادة صادراتها
  • أيمن العشري يبحث مع رئيس شعبة الأدوات الصحية توطين الصناعة وزيادة الصادرات
  • السيسي يتابع جهود توطين صناعات السكك الحديدية في مصر
  • «الكراسي الموسيقية» تشتعل سباق اللقب في الدوري السعودي
  • رحم الله صديق أحمد وكل الذين وهبونا أجمل ساعاتنا
  • منتدى السياسات السودانية
  • مناوى: الشكر لكل ابناء الشعب السوداني الذين يقدمون الغالي والنفيس في الفاشر
  • تنفيذي حلفا يلتقي رجل الاعمال وجدي ميرغني ويبحث أوجه وفرص الاستثمار
  • “لسنا من الفرق التي تهدر الوقت”.. مدرب الهلال السوداني: احترمنا الأهلي ولدينا فرصة للتعويض