موقع 24:
2025-02-04@03:01:46 GMT

الفرار من إسرائيل

تاريخ النشر: 2nd, January 2025 GMT

الفرار من إسرائيل

لطالما شكلت الهجرة اليهودية إلى فلسطين قبل قيام إسرائيل إكسير الحياة والعمود الفقري لقيام هذه الدولة من منطلق ديني يستند إلى أساطير تغلب عليها فكرة العودة إلى «دولة يهودا»، وكانت الوكالة اليهودية تتولى تمويل عمليات الهجرة، حتى تجاوز عدد السكان العشرة ملايين نسمة عام 2022، وكانت الأرض الفلسطينية التي تم الاستيلاء عليها في عامي 1948 و1967 هي مكان استيطان هؤلاء في المدن الفلسطينية المحتلة والمستوطنات التي أقيمت في الضفة الغربية.

لكن وفقاً لمكتب الإحصاء الإسرائيلي فإن عدد اليهود الذين غادروا إسرائيل خلال العام الماضي (2024) بلغ 82700 إسرائيلي بسبب الحرب، في حين بلغ عدد الذين غادروا عام 2023 نحو 55300 إسرائيلي، أي بزيادة نحو 30 ألفاً. لكن المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابييه المدرس السابق في جامعة حيفا، والذي غادر إسرائيل عام 2007، ويعمل حالياً أستاذاً للتاريخ في جامعة إكستر البريطانية يشكك في رقم مكتب الإحصاء الإسرائيلي ويقول إن «نحو 700 ألف إسرائيلي غادروا إسرائيل منذ حرب أكتوبر/ تشرين الأول 2023»، ويضيف «أن الحكومة الإسرائيلية تخفي عدد اليهود المهاجرين إلى الخارج، وأنه استطاع باتصالاته الشخصية أن يتحصل على بيانات ساعدته على تقدير هذا الرقم».
يذكر أنه إضافة إلى هؤلاء المهاجرين، فإن أكثر من 20 ألف إسرائيلي سعوا للحصول على جنسيات غربية العام الماضي وفقاً لصحيفة «جيروزاليم بوست» بسب عدم شعورهم بالأمان، كما أن آلاف الإسرائيليين قرروا المغادرة وباعوا ممتلكاتهم استعداداً للرحيل، ووفقاً لموقع «واللا» الإسرائيلي فإن كندا منحت الإسرائيليين «تأشيرة إنسانية» إلى جانب تأشيرة عمل لمدة «ثلاث سنوات» يمكن خلالها تقديم طلب للحصول على الإقامة الدائمة أو المواطنة الكاملة. وكشف استطلاع للرأي أجرته «قناة كان» الإسرائيلية أن 23 في المئة من الإسرائيليين فكروا في الهجرة إلى الخارج عام 2024.
ليست الحرب على غزة وتداعياتها هي السبب الوحيد لتفاقم الهجرة العكسية، بل هناك أسباب أخرى منها تزايد التطرف داخل المجتمع الإسرائيلي، وحدة الصراع السياسي والديني الذي بات يؤرق الكثيرين، إضافة إلى انخفاض قوة العمل، وهناك عامل اقتصادي مهم وهو أن معظم المهاجرين هم من فئة الأثرياء المستثمرين، وكان هذا العامل سبباً في خروج إسرائيل العام الماضي من قائمة أكثر 20 دولة في العالم جذباً للمستثمرين الأجانب، لأن الحرب أفقدتها صورة الملاذ الآمن للاستثمار.
كان بن غوريون يردد «أن بقاء إسرائيل يتوقف على عامل واحد هو الهجرة الواسعة إلى إسرائيل»، لكن مع الهجرة العكسية فإن إسرائيل بدأت تعاني آثار الهجرة العكسية الاقتصادية والسكانية، ما ينعكس على مستقبلها في حال تواصل النزيف البشري بهذا الشكل.
ومع ذلك، فإن الحكومة الإسرائيلية تحاول تجاوز هذه المعضلة الوجودية بالإصرار على مواصلة سياسة العنف والإبادة وصولاً إلى تحقيق هدفها في التوسع والتهويد وإلغاء الوجود الفلسطيني كي تصبح دولة «كل اليهود»، واستعادة الذين هاجروا.
لكن للمؤرخ بابييه رأي آخر، إذ يقول «إن القوة غير قادرة على الحل، والبديل يتمثل في إسرائيل منزوعة الصهيونية ومحررة وديمقراطية، وبناء مجتمع لا يميز بين أفراده على أساس الثقافة أو الدين أو العرق، وهو ما يبشر بعصر جديد في الشرق الأوسط».

المصدر: موقع 24

كلمات دلالية: سقوط الأسد حصاد 2024 الحرب في سوريا عودة ترامب خليجي 26 إيران وإسرائيل إسرائيل وحزب الله غزة وإسرائيل الإمارات الحرب الأوكرانية غزة وإسرائيل

إقرأ أيضاً:

الأفضل أداء في أوروبا.. هل أنقذت الهجرة الاقتصاد الإسباني؟

ما نراه اليوم في إسبانيا، هو نمط النمو الأكثر توازنا في تاريخنا الحديث.

وزير الاقتصاد الإسباني كارلوس كويربو في حوار مع صحيفة بوليتيكو الأميركية نهاية عام 2024.

قبل عشرة أعوام كانت إسبانيا مضرب الأمثال في الفشل الاقتصادي بحسب وصف مجلة إيكونوميست الاقتصادية البريطانية المرموقة، إثر تداعيات الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي عصفت بها بين عامي 2008 و2014، والتي عُرفت بـ"الركود الإسباني العظيم". وقعت الأزمنة نتيجة الانفجار المفاجئ لفقاعة الإسكان التي دفعت النمو الإسباني خلال السنوات السابقة؛ مما أدى إلى انكماش اقتصادي انتهى إلى ركود طويل.

على إثر ذلك، انهار النظام المصرفي في البلاد، وارتفعت معدلات البطالة وتزايدت هجرة الشباب بسبب نقص الوظائف، وأكثر من ذلك صُنّفت إسبانيا في عام 2014 ثاني أكثر دولة أوروبية من حيث معاناة أطفالها من آثار الفقر بحسب مؤسسة "كاريتاس أوروبا" التنموية، بعدما أصبحت عشرات الآلاف من الأسر الإسبانية تكافح من أجل تأمين حاجات أطفالها اليومية، وقد ظلت عواقب تلك الأزمة المالية الكبيرة تلاحق الاقتصاد الإسباني لسنوات تاركة بصماتها الثقيلة عليه.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2هل معجزة إيطاليا الاقتصادية حقيقية أم أنها أرقام خادعة؟list 2 of 2من الفاشية إلى التحولات الجنسية.. البابا فرنسيس يقود الفاتيكان بين عهدينend of list

لكن بعد عشر سنوات على تلك الأزمة اختلف المشهد كليا، وأصبحت البلاد مضرب الأمثال مجددا ولكن على نحو مختلف تماما، ففي ديسمبر/كانون الأول 2024 اختارت إيكونوميست مدريد أفضل دولة من ناحية الأداء الاقتصادي ضمن قائمة مكونة من 37 دولة غنية، استنادا إلى خمس مؤشرات اقتصادية رئيسية هي الناتج المحلي الإجمالي وأداء سوق الأسهم والتضخم الأساسي والبطالة ومستويات العجز الحكومي. ووفق تعبير إيكونوميست، أصبحت مدريد "موضع حسد العالم الغني".

إعلان

لكن هذا التحول، العميق الدالّ بلا شك، لا يتعلق بإسبانيا وحدها، فاقتصادات جنوب أوروبا مثل إسبانيا واليونان وإيطاليا التي كانت أسماؤها مرادفًا للفشل الاقتصادي في السنوات الأخيرة مقارنة ببقية الدول المتقدمة، أصبحت الآن تحقق تقدمًا ملحوظًا في وقت تعاني فيه الاقتصادات المتصدرة تقليديًّا مثل ألمانيا.

بل إن إسبانيا بأدائها الاستثنائي هذا العام قد دفعت بعض المحللين إلى القول بأنها تقدم درسًا ينبغي أن تتعلم منه باقي اقتصادات أوروبا التي تظن أن القارة العجوز أصبحت محكوما عليها بالركود في الفترة الحالية، وأن إسبانيا تمثل "محرك النمو في أوروبا" في حين تمثل ألمانيا "رجل القارة المريض".

 

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز (يمين) ورئيسة المفوضية الأوربية أورسولا فون دير لاين (رويترز) الطفرة الإسبانية

بحسب بيانات المديرية العامة للمفوضية الأوروبية بلوكسومبورج (يورو ستات) المسؤولة عن جمع وتحليل المعلومات الإحصائية على الصعيد الأوروبي، نما الاقتصاد الإسباني بنسبة 3.4% من يوليو/تموز حتى سبتمبر/أيلول 2024، في وقت بلغ فيه متوسط النمو في منطقة اليورو لنفس الفترة 0.9% فقط.

أما معدل النمو الإجمالي لإسبانيا خلال عام 2024 كله فيتوقع أن يبلغ 2.9% ارتفاعا من 2.5% في عام 2023. هذا المعدل يتجاوز أربعة أضعاف معدلات النمو في إسبانيا خلال أعوام التعافي الاقتصادي بعد "الركود العظيم" في الفترة من 2014 إلى 2019، المقدر بـ0.7% تقريبا، كما يتخطى معظم توقعات النمو الصادرة قبل بداية العام، ومنها توقعات شركة الخدمات المالية في إسبانيا "كايكسا بنك" التي توقعت معدلات نمو تتراوح حول 1.4% فقط.

وبحسب مجلة فورتشن الأميركية المتخصصة في المال والأعمال فإن الاقتصاد الإسباني يسير على الطريق الصحيح للنمو بمعدل ثلاثة أضعاف منطقة اليورو كلها، بل ويتجاوز معدلات النمو في الولايات المتحدة الأميركية نفسها.

إعلان

لكن مؤشرات التعافي الاقتصادي الإسباني لا تقتصر على النمو فقط، فعلى صعيد معدلات البطالة، التي تعد أحد المشكلات الشديدة الوطأة في إسبانيا، حققت مدريد تقدما نسبيا بخفض البطالة إلى 11% مقارنة بـ13.8% في عام 2019 قبل جائحة كورونا، الذي عُدّ آنذاك المعدل الأكبر بين دول منطقة اليورو، وضعف متوسط معدل البطالة في الاتحاد الأوروبي بحسب صحيفة تيليغراف البريطانية.

ولا تزال إسبانيا صاحبة أعلى معدلات للبطالة في منطقة اليورو، متقدمة على اليونان والسويد وفنلندا بزيادة بنسبة 77% على متوسطات البطالة بين دول اليورو، لكن الخبر الجيد أن المعدلات تتناقص باستمرار منذ عام 2020، وأن نسبة البطالة الحالية هي الأدنى في البلاد منذ الأزمة الاقتصادية عام 2008.

ويعد نجاح مدريد على هذا الصعيد امتدادا للأداء الجيد لاقتصادات الدول المتوسطية في جنوب القارة، إذ شهدت المنطقة التي تعاني عادةً من ارتفاع مستويات البطالة تحسنًا وصفته ذا إيكونوميست بأنه ملحوظ في هذا الملف، بعدما انخفضت معدلات البطالة في اليونان وإيطاليا وإسبانيا إلى أدنى مستوياتها في السنوات العشر الأخيرة. وتبقى الصدارة في هذا المؤشر من نصيب إيطاليا التي انخفضت فيها نسبة البطالة بمعدل 1.4% في العام المنصرم لتصل إلى 5.7% فقط.

على جانب آخر، انخفضت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في إسبانيا من 120.3% عام 2020 إلى 107.7% بحلول 2024، وهو انخفاض أسرع بكثير من المتوسطات في الاقتصادات الأوروبية الكبرى، وأصبح العجز في إسبانيا في طريقه لكي يعادل نصف مستوى نظيره في فرنسا، ونتيجة لانخفاض الدين فقد انخفضت أسعار الفائدة على السندات الإسبانية (الفوائد التي تدفعها الحكومة للاقتراض من المستثمرين) لأدنى مستوى منذ ثلاث سنوات.

ساعدت الهجرة إسبانيا بشكل أساسي على سد النقص في العمالة في قطاعات مهمة مثل الزراعة والبناء (رويترز)

وصلت إسبانيا إلى تلك النقطة، التي لم تكن متوقعة قبل سنوات قليلة، بفضل تضافر عدة عوامل من أهمها الارتفاع المطّرد في عائدات السياحة التي تمثّل نحو ثمن الناتج المحلي في البلاد، وتشير بيانات الإنفاق الأجنبي ببطاقات الخصم والائتمان إلى أن استهلاك غير المقيمين داخل إسبانيا ارتفع بمعدل 12.7% على أساس سنوي خلال عام 2024.

إعلان

علمًا بأنه في الشهر الأكثر نشاطا للسياحة الصيفية في البلاد، وهو شهر أغسطس/آب، استقبلت إسبانيا عدد سياح أكبر بنسبة 7.3% في عام 2024 مقارنة بعام 2023، وفي سبتمبر/أيلول بلغت نسبة الزيادة 9.1% مقارنة بالعام الماضي، بحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء في مدريد.

وفي حين يخشى الجميع في العالم من تداعيات التغير المناخي على الكوكب، فإن إسبانيا قد استفادت منه؛ إذ أدت درجات الحرارة المرتفعة إلى تمديد موسم الصيف السياحي في البلاد، ففي شهر أكتوبر/تشرين الأول 2024 ساهم أكثر من 8.9 ملايين سائح (بزيادة 9.5% مقارنة بأعداد العام الماضي) في ضخ قرابة 12 مليار يورو في الاقتصاد الإسباني (بزيادة 15.5% مقارنة بعائدات الشهر نفسه العام الماضي)، وهو ما يسلط الضوء على صناعة السياحة المنتعشة في إسبانيا وأثرها في تحفيز الاقتصاد.

العامل الآخر الشديد الأهمية كان المهاجرين. ففي الوقت الذي تنظر فيه العديد من الدول الأوروبية إلى المهاجرين باعتبارهم عبئًا، يعتقد العديد من المحللين الاقتصاديين أن المهاجرين في إسبانيا كانوا محفزا أساسيا للنمو، إذ نما عدد سكان البلاد بمقدار 1.1 مليون نسمة بين عامي 2022 و2024، مع توافد 700 ألف عامل مهاجر خلال السنوات الثلاث الماضية.

وبحسب رئيس قسم البحوث الأوروبية بـ"أكسفورد إيكونوميكس" أنغيل تالافيرا، فإن قدرة إسبانيا على جذب المهاجرين المهرة أكثر من إيطاليا ودمجهم في اقتصادها هو ما جعل مدريد تتفوق على روما في الصورة الكلية للنمو في عام 2024 بعدما استطاع المهاجرون المهرة في إسبانيا أن يندمجوا بشكل أفضل في الاقتصاد الرسمي، وذلك بعد سنوات كانت فيها إسبانيا دولة طاردة للمهاجرين، وعانت خلالها معدلات النمو بصورة ملحوظة.

وبحسب أدريان بريتجون، الخبير الاقتصادي في شركة كابيتال إيكونوميكس البريطانية المتخصصة في الأبحاث الاقتصادية، فإن ارتفاع معدلات الهجرة من المغرب وفنزويلا وكولومبيا كان السبب الأكبر وراء النمو الكبير في إسبانيا؛ إذ أدى ذلك إلى توسع قاعدة القوى العاملة؛ مما أدى بالضرورة إلى زيادة الاستهلاك ومن ثم نمو الاقتصاد وتعزيز الناتج المحلي الإجمالي، فضلا عن زيادة الحصيلة الضريبية للدولة.

إعلان

وقد ساعدت الهجرة إسبانيا بشكل أساسي على سد النقص في العمالة في قطاعات مهمة مثل الزراعة والبناء، فقد شغل المهاجرون 40 في المئة من الوظائف التي تم إيجادها مؤخرًا بحسب مؤسسة فونكاس للادخار. وعلى الرغم مما ذكرناه حول جودة نوعية العمال ومهاراتهم في إسبانيا مقارنة بإيطاليا فإن الكثير من العمال الوافدين سدوا ثغرة مهمة متعلقة بالوظائف التي يتردد المواطنون الإسبان عادةً في شغلها، ونعني هنا الوظائف الكثيفة العمالة ذات الإنتاجية المنخفضة.

وبحسب الخبير الاقتصادي أدريان بريتجون، فإن زيادة أعداد المهاجرين إلى إسبانيا قد حلت أزمة نقص العمالة ولم تجعلها قيدًا على الإنتاج كما حدث في أجزاء أخرى من الاتحاد الأوروبي، كما سمحت أعداد الوافدين من العمال المهاجرين للشركات بإدارة نمو الأجور على نحو فعال مع تحفيز الإنفاق الاستهلاكي في نفس الوقت.

الصورة الكبرى

لكن على المستوى الرسمي ترفض إسبانيا ربط نهضتها الاقتصادية بالسياحة والهجرة فقط، وهي تعتبر السياحة عنصرًا واحدًا من عناصر النهضة لا يمكن أن نحكي القصة كلها من خلاله، وبحسب كارلوس كويربو، وزير الاقتصاد الإسباني فإنه ينبغي النظر إلى الخدمات غير السياحية من أجل إدراك طبيعة قصة النمو الإسبانية، فصادرات الخدمات غير السياحية وفق ما أشار كارلوس مثل الاستشارات والتمويل وتكنولوجيا المعلومات ولّدت عائدات أكبر من السياحة، إذ حققت 100 مليار يورو، في حين حقق ما يسمى بالصادرات السياحية 90 مليار يورو فقط؛ مما يعني قصة نمو متوازنة في جميع أنحاء الاقتصاد.

في الواقع تعيش إسبانيا بالفعل مشهدًا مزدهرًا فيما يتعلق بالمجال التكنولوجي على الرغم من أن استثمار البلاد في البحث والتطوير أقل من متوسط الاتحاد الأوروبي، إذ تنفق إسبانيا 1.44% فقط من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث والتطوير في حين أن المتوسط الأوروبي يبلغ 2.27%.

إعلان

لكن المواهب التكنولوجية تتوافد على إسبانيا من جميع أنحاء أوروبا على نحو غير مسبوق كما أصبحت الجامعات الإسبانية قبلة مشهودة في الأبحاث المتقدمة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات والأمن السيبراني والطاقة المتجددة، وعلى وجه التحديد يحظى مركز برشلونة للحوسبة الفائقة في جامعة بوليتكنيك بإقليم كتالونيا يحظى بريادة وشهرة عالمية في مجال الحوسبة بحسب مجلة فورتشن الأميركية.

ووفقًا لأرقام الحكومة الكتالونية، يضم الإقليم في الوقت الحالي أكثر من 2000 شركة ناشئة، وقد احتفظت برشلونة بمكانتها للعام السادس على التوالي باعتبارها ثاني أكثر وجهة مفضلة في الاتحاد الأوروبي بالنسبة لمؤسسي الشركات الناشئة، ولا يتفوق عليها في ذلك إلا برلين، كما تقدمت المدينة في عام 2024 إلى المركز الخامس في مؤشر أفضل البيئات للشركات الناشئة على مستوى الاتحاد الأوروبي الذي تصدره "ستارت آب بلينك"، وهي شركة استشارات دولية رائدة في تحليل بيئة الشركات الناشئة.

والواقع أن برشلونة ليست صاحبة قصة النجاح الإسبانية الوحيدة في هذا الصدد، فمدن أخرى مثل مدريد وفالنسيا وبلباو وملقة وإشبيلية تشهد هي الأخرى تدفقا اقتصاديًّا كبيرًا وتتمتع بجاذبية متزايدة في مجالات متعددة، وهو ما يميز إسبانيا عن سائر الدول الأوروبية الأكثر مركزية التي يتركز فيها النشاط الاقتصادي في العاصمة وحدها، مع مدينة أو مدينتين أخريين بأقصى تقدير.

نتيجة لذلك، وبحسب مجلة فورتشن الأميركية، تجاوزت القيمة الإجمالية للشركات الناشئة بإسبانيا 100 مليار يورو عام 2023 بزيادة قدرها 14% على عام 2022.

في غضون ذلك، بدأ الكثير من المحللين الاقتصاديين يشيرون إلى إمكانية بناء شركات عالية النمو في إسبانيا في المستقبل القريب تمكنها المنافسة عالميًّا، إذ أصبحت شركات مثل "جوب آند تالينت" و"أيدياليستا" و"ترافيل بيرك" و"جلوفو" وغيرها نماذج يشار إليها بالبنان عند الحديث عن التطور والنجاحات الإسبانية.

ويؤكد هذا المشهد المكانة التي تكتسبها البلاد عامًا بعد عام فيما يتعلق بقوة جذب الابتكار التكنولوجي، وقد أدّى قانون الشركات الناشئة الذي أصدرته إسبانيا عام 2022 دورًا كبيرًا في هذه القوة الجاذبة، وأسس أطارًا قانونيًّا وماليًّا فعّالا لإنشاء وتوسيع الشركات الناشئة، وأوجد بيئة أسهل وأقل بيروقراطية لرجال الأعمال المحليين والمستثمرين الأجانب.

على جانب آخر، ساهمت تكاليف المعيشة المنخفضة في إسبانيا، التي تقدر بنصف تكلفة المعيشة في عواصم أوروبية أخرى مثل باريس ولندن، في جذب الطلاب الدوليين للجامعات الإسبانية، وهو أمر جلب انتعاشًا لجانب مهم من جوانب اقتصاد الخدمات، إذ ارتفع عدد الطلاب الدوليين في البلاد بنسبة 60% من عام 2015 إلى عام 2022.

إعلان الشيطان يكمن في التفاصيل

أثناء التحضير لهذه المادة تواصلنا مع بعض الشبّان الإسبان الذين لا يتابعون بدأب الأخبار السياسية أو الاقتصادية فكانت المفاجأة أنهم لا يشعرون بأن بلادهم تحقق هذا الوضع الاقتصادي المرموق بالفعل، ويتفق مقال منشور على موقع مدرسة إيساد للأعمال ببرشلونة مع هذه الملاحظة، ذاكرا أن الإسبان قد فوجِئوا بحديث العالم عن اقتصاد بلادهم، في وقت لا يشعرون هم فيه بأن مستوى معيشتهم يتلاءم مع تلك الطفرة التي يتحدث عنها العالم، وكأن هناك انفصالًا بين الظروف الاقتصادية التي يعيشها المواطن والمؤشرات والأرقام التي تعرضها نشرات الأخبار العالمية.

هذا أمر مفهوم بالطبع ليس في إسبانيا وحدها، بل على مستوى العالم؛ إذ يصعب على المواطن العادي أن يشعر بالتحسن الاقتصادي بسهولة، أولًا لأن هذا التحسن حين يترجم في واقع حياته يكون طفيفًا وغير واضح في كثير من الأحيان، وثانيًا لأنه حتى لو حدث التحسن لصعُب أن يربطه المواطن بتحسن الأداء الاقتصادي لبلاده، فالحصول على وظيفة براتب مجزٍ قد يفسره البعض بأنه نتيجة مباشرة طبيعية للجهد الفردي وأن حالة الاقتصاد المحسنة بشكل عام لم تؤدّ دورًا رئيسيًّا في ذلك.

لكن أيضًا هناك تفاصيل مهمة ينبغي ذكرها، فالسياحة التي أدّت دورًا رئيسيًّا في النمو الإسباني، تواجه سخطًا متزايدًا من المواطنين الإسبان ويخرجون في مظاهرات ضدها بسبب دور السياح في رفع أسعار الإيجارات والسلع والضغوط على الموارد المحلية والبنية التحتية، فضلا عن نوعية الوظائف غير المستدامة التي يوجِدها القطاع في كثير من الأحيان. وفيما يتعلق بالهجرة والدور الذي أدّته في النمو الإسباني، يرى البعض أن المهاجرين ساعدوا بالفعل في دفع النمو لكن الكثيرين منهم يعملون في وظائف منخفضة المهارة والأجر؛ مما يوحي بنموذج نمو غير مستدام.

الأهم من ذلك أنه في حين أن الناتج المحلي الإجمالي الإسباني نما في السنوات الأخيرة بنسبة 4.7% فإن عدد السكان ارتفع بنسبة تقارب 3%؛ مما يجعل نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي هو 1.7% فقط.

إعلان

وبحسب مسح القوى العاملة فإن الناتج المحلي الإجمالي للموظف الإسباني لا يزال أقل بنسبة 1.2% من مستواه قبل جائحة كوفيد 19، وبعد خصم الزيادة في الأسعار فإنه يصبح أقل بنسبة 2.3% من مستواه قبل الجائحة بحسب مؤسسة "بي بي في إيه" للأبحاث الاقتصادية، والأهم أنه لا يزال دون المتوسط العام لدول الاتحاد الأوروبي، وهذا ما يجعل مجلة فورتشن الأميركية تقول إن دولة إسبانيا أصبحت أغنى، لكن مواطنيها أصبحوا أكثر فقرا.

هنا تكمن المفارقة، فبينما يتحمس العديد من الاقتصاديين للنموذج الإسباني يرى آخرون أن هذا النموذج قائم على النمو الكمي لا النوعي، وأنه فشل في وضع نجاحه في صورة ملموسة مثل زيادة دخل الفرد أو تقليل ساعات العمل.

وبينما يرى المتفائلون ومن ضمنهم العديد من الخبراء الاقتصاديين المخضرمين أن النمو الإسباني نموذج مستدام قائم على إصلاحات بنيوية ستؤثر في النهاية بشكل إيجابي في حياة المواطنين، يرى آخرون الكثير مما يدعو إلى القلق في نموذج نمو قائم على الإنفاق العام في بلد نسبة الديون إلى الناتج الإجمالي فيه مرتفعة للغاية، فضلا عن كونه لم يفد بشكل مباشر الأسر الإسبانية التي لا تزال في مواجهة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

مقالات مشابهة

  • الأفضل أداء في أوروبا.. هل أنقذت الهجرة الاقتصاد الإسباني؟
  • أمريكا: الآلاف يتظاهرون ضدّ سياسات ترامب في ملف الهجرة
  • بريطانيا لن تستمر دون المهاجرين
  • بعد رواج الفيديو..شرطة العاصمة توقف المشتبه فيه في قضية الإعتداء على مواطن
  • فرع الهجرة في حماة يستأنف تقديم خدماته ‏بعد اكتمال التحديثات التقنية
  • احتجاجات في برلين ضد تشديد قوانين الهجرة في ألمانيا
  • ضابط إسرائيلي سابق: استعراض حماس لقوتها يدحض ادعاءات قادة إسرائيل بسحقها
  • عميد إسرائيلي سابق: استعراض حماس لقوتها يدحض ادعاءات قادة إسرائيل
  • مشهد أحرج إسرائيل .. هيثم حواجري يُسلم الصليب الأحمر أسيرًا إسرائيليًا رغم إعلان جيش الاحتلال اغتياله قبل عام
  • محلل عسكري إسرائيلي: حماس تُسيطر على غزة بشكلٍ كامل و إسرائيل لا تملك أي نفوذ على الحركة