رجال أعمال مبارك.. هل سينقذون مصر؟
تاريخ النشر: 2nd, January 2025 GMT
موقفٌ رآه كثير من الناس غريبا عجيبا، مع أنّه لا غرابة فيه ولا عَجَب، وأيّ غرابة وأيّ عَجب في استدعاء رئيس الوزراء المصري "مصطفى مدبولي" لرجال أعمال "مبارك" للتشاور في الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي تمر بها البلاد؟ وهل ظنّ الناس أنّ "أحمد عزّ" و"هشام طلعت مصطفى" وأمثالهما أعداء للنظام؟ كيف وهم والنظام واحد، وهم جزء لا يتجزأ منه؟ ليس في الأمر إلا أنّ أولاد العمّ بغى بعضهم على بعض، ثمّ اضطرتهم المصالح المشتركة والتهديدات والمخاطر المشتركة للتفكير في إعادة التموضع إلى صورة تقترب مما كان عليه الوضع في السابق، مع بقاء الخاصية الفذّة كما هي: تركيز السلطة والثروة في قبضة واحدة، فلا يطمعنّ أحد في انفراجة تأتي من هذا التقارب، ولا تذهبنّ نفسُ أحد في تحليل ظاهرة اعتيادية؛ فليس في الأمر إلا أنّ النظام الاقتصاديّ العقيم المقيم يتمطى في مرقده ويتقلب من جنب إلى جنب.
هل عندهم جديد مفيد؟
واللافت للنظر أنّهم جميعا انهالوا على ما أطلقوا عليه "دولة الرئيس" و"دولة رئيس الوزراء" تنديدا وتفنيدا، وإذا كان بعضهم (حسن هيكل) قد فاجأ رئيس الوزراء برقم مزعج للديون الخارجية (250 مليار دولار) منها 150 مليارا مدونة في الميزانية الرسمية والباقي ليس مدونا ولا معلنا؛ مما اضطر رئيس الوزراء للردّ الفوريّ: إنّها ليست سوى 152 مليار دولار، فإنّ جلّ ما تفضل به هؤلاء الفحول لم يكن مفاجئا للجمهور العاديّ الذي تعجب من استعانة الدولة بهم.
كيف يستمر رئيس الوزراء ورئيس الدولة في إعلان الالتزام الرسمي باقتصاد السوق الحر، بينما الذي يتمّ في الواقع هو استعادة مركزيّة الدولة في صنع القرار الاقتصادي والاستبداد به؟!
وبدا كبيرهم ورجل مبارك الأول، أحمد عزّ، في غاية الوضوح وهو يفصح عمَّا يقض مضجعه: مبيعات الحديد التي سجلت في عام 2010 ما يقترب من عشرة ملايين طنّ ظلت تتراجع لتصل هذا العام إلى 6.5 مليون طن فقط، وردّ سبب الخسارة التي حلّت به وحده إلى أنّ 70 في المئة من سكان مصر ممنوع عليهم البناء؛ بسبب القوانين، لِيَثِبَ بعدها وثبة كوثبة النّمر الذي لا يحبّ أن يضيع الفرصة المواتية، فيقترح أن تخصص الدولة كل عام 40 ألف فدان من الأرض الزراعية للمباني! وحتى يواري العورة الظاهرة في الاقتراح الفجّ أردفه باقتراح مفاده أن نأخذ الماء الذي يستهلك في ريّ هذه الأرض لنعمر به الصحراء! هكذا نصح؛ وهل تُلْقِي الحدأةُ "كتاكيت"؟
رأس حربة الاقتصاد هي أّصل الفساد
كيف يستمر رئيس الوزراء ورئيس الدولة في إعلان الالتزام الرسمي باقتصاد السوق الحر، بينما الذي يتمّ في الواقع هو استعادة مركزيّة الدولة في صنع القرار الاقتصادي والاستبداد به؟! وليتها كانت مركزية تضع أهل الاختصاص في موضع رأس الحربة، لكنّ الواقع هو أنّ المؤسسة العسكرية -بالتشارك مع الرئيس- تتربع فوق عرش النظام الاقتصادي، وتمارس أفحش أنواع الاحتكار. وهذا نهج يعزز قبضة الدولة والمؤسسة العسكرية بدلا من تعزيز اقتصاد السوق الحر، ومع أنّ اقتصاد السوق الحرّ شرٌّ ووبال على البشرية؛ لكون الرأسماليات الضخمة العابرة للقارات تجذب في دورانها عبر العالم النماذج الصغيرة، وتصهرها في جوفها كما تفعل النجوم العملاقة مع الأجرام السماوية الضعيفة، فإنّ اقتصاد الجيش يمثل داخل القطر المصريّ المحدود ثقبا أسود يهدد بابتلاع كلّ شاردة وواردة ممّا كبر وصغر في أرض الكنانة.
إنّ الجيش الذي يمتلك من 90 إلى 95 في المئة من أراضي جمهورية مصر العربية، يدعي أنّه وفّر خمسة ملايين فرصة عمل للشباب، وهذا تدليس وتلبيس؛ فالواقع أنّ فرص العمل هذه هي التي وفرها القطاع الخاص الذي لا يستطيع النفاذ إلى الاستثمار في هذه الأراضي إلا من خلال الجيش، وإنّ السيسي قد منح وزارة الدفاع حصرا حق الانتفاع الاقتصادي على 21 طريقا سريعا، ومع كل طريق شريط بعرض كبير، يمكّنها أولا من جباية رسوم المرور، ويمكنها ثانيا من تشغيل الأنشطة التجارية، أو منح الامتيازات التجارية لمن تشاء من المستثمرين، بما في ذلك الخدمات اللازمة على جانبي الطريق، أخطر ما يهدد الاستثمار الآن في مصر في ظل هيمنة المؤسسة العسكرية هو غموض الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحكم وينظم الاستثمار في المشاريع التي تنشأ بالاشتراك مع هيئات القوات المسلحة، وفي المناطق الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة المؤسسة العسكريةوبما في ذلك الإعلانات الدعائية، وكذلك وضع شبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية ومراقبتها، بما يلزم لها من كابلات الألياف البصرية وغير ذلك، وفوق ذلك كله تقع المخالفات أو الحوادث أو النزاعات التجارية التي تجري على هذه الطرق أو تتعلق بها، تقع كلها تحت اختصاص المحاكم العسكرية.
بيئة طاردة للاستثمار جاذبة للفساد
إنّ أخطر ما يهدد الاستثمار الآن في مصر في ظل هيمنة المؤسسة العسكرية هو غموض الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحكم وينظم الاستثمار في المشاريع التي تنشأ بالاشتراك مع هيئات القوات المسلحة، وفي المناطق الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة المؤسسة العسكرية. إنّ هذا الغموض يثني الشركات المحلية عن ممارسة الاستثمار بهذه الطريقة، وإنّ إعفاء المؤسسة العسكرية من الخضوع للمحاكم المدنية يعني بالضرورة أن جميع النزاعات التي تكون المؤسسة العسكرية طرفا فيها لا يمكن أن تذهب إلى التحكيم، إضافة إلى أنّ عدم ضمان إنفاذ العقود وما يصاحب ذلك من مخاوف بشأن المزايا الضريبية للجيش تثني الشركات الأجنبية عن الاستثمار في أيّ مشروع من هذه المشاريع.
ثمّ إنّ أدوات الاستثمار المبتدعة لأجل السرقة، مثل صندوق "ثراء" وصندوق "تحيا مصر"، لا تساهم في إحداث وثبات حقيقية في الصناعة أو الزراعة أو النهوض التكنولوجي أو حتى في ترقية الخدمات ورفع عداد الصادرات، وبدلا من ذلك فإن نموذج رأسمالية الدولة في مصر يقوم بعملية نقل لرأس المال من القطاع الخاص إلى الدولة، ثم من كلا القطاعين إلى مؤسسات ينشئُها النظام لخدمة أغراض رموزه. ويُعدّ صندوق "تحيا مصر" مَعْبَرا ذلولا لهذا التمرير الخطير، إنّه -إذن- الفساد الذي لا يسري من الأطراف إلى القلب وحسب، وإنّما يتم غرسه في التربة ليضرب بأطنابه في الشجرة بأسرها.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه المصري الاقتصادية الفساد الاستثمار مصر اقتصاد استثمار فساد مقالات مقالات مقالات سياسة مقالات صحافة سياسة سياسة من هنا وهناك اقتصاد سياسة صحافة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة المؤسسة العسکریة رئیس الوزراء الاستثمار فی السوق الحر الدولة فی
إقرأ أيضاً:
الكشف عن الدولة العربية التي قدمت دعما لحملة القصف على اليمن
مقاتلات إسرائيلية (سي إن إن)
في تطور جديد يثير العديد من التساؤلات، كشف مسؤول أمريكي نهاية الأسبوع الماضي عن دعم لوجستي واستشاري قدمته الإمارات العربية المتحدة للجيش الأمريكي في حملة القصف التي شنتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب ضد اليمن في منتصف شهر مارس 2025.
التقرير، الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" يوم الخميس، أوضح أن الإمارات كانت تقدم دعماً حيوياً عبر الاستشارات العسكرية والمساعدات اللوجستية ضمن العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة.
اقرأ أيضاً ترامب يعترف بفشل عسكري مدوٍ في اليمن.. والشامي يكشف تفاصيل الفضيحة 5 أبريل، 2025 صنعاء ترفض عرضا سعوديا جديدا بوساطة إيرانية.. تفاصيل العرض 5 أبريل، 2025وأضاف التقرير أن البنتاغون قد قام بنقل منظومتي الدفاع الجوي "باتريوت" و"ثاد" إلى بعض الدول العربية التي تشعر بالقلق إزاء التصعيد العسكري للحوثيين في المنطقة.
وبحسب المسؤول الأمريكي، هذا التعاون الإماراتي مع الولايات المتحدة يأتي في سياق تعزيز القدرات الدفاعية للدول العربية ضد التهديدات الإيرانية، وفي إطار الاستجابة للمخاوف الإقليمية من الحوثيين المدعومين من إيران.
من جهته، وجه قائد حركة "أنصار الله"، عبد الملك الحوثي، تحذيرات قوية للدول العربية والدول المجاورة في إفريقيا من التورط في دعم العمليات الأمريكية في اليمن، مؤكداً أن الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة في هذه الحملة قد يؤدي إلى دعم إسرائيل.
وقال الحوثي في تصريحات له، إن أي دعم لوجستي أو مالي يُقدّم للجيش الأمريكي أو السماح له باستخدام القواعد العسكرية في تلك الدول سيُعتبر تورطًا غير مبرر في الحرب ضد اليمن، ويهدد الأمن القومي لهذه الدول.
وأوضح الحوثي أن التورط مع أمريكا في هذا السياق قد يؤدي إلى فتح جبهة جديدة في الصراع، ويزيد من تعقيد الأوضاع الإقليمية، داعياً الدول العربية إلى اتخاذ موقف موحد يعزز من استقرار المنطقة ويمنع تدخلات القوى الأجنبية التي لا تصب في صالح الشعوب العربية.
هل يتسارع التورط العربي في حرب اليمن؟:
في ظل هذا السياق، يُثير التعاون الإماراتي مع الولايات المتحدة في الحرب ضد اليمن مخاوف كبيرة من تصعيدات إقليمية ودولية. فالتعاون العسكري اللوجستي مع أمريكا في هذه الحرب قد يُعتبر خطوة نحو تورط أعمق في صراعات منطقة الشرق الأوسط، ويُخشى أن يفتح الباب أمام تداعيات سلبية على العلاقات العربية وعلى الاستقرار الأمني في المنطقة.
تستمر التطورات في اليمن في إثارة الجدل بين القوى الإقليمية والدولية، ويبدو أن الحملة العسكرية الأمريكية المدعومة من بعض الدول العربية قد لا تكون بدايةً النهاية لهذه الحرب، بل قد تكون نقطة انطلاق لتحديات جديدة قد تزيد من تعقيد الوضع الإقليمي بشكل أكبر.