حلس: "فتح" ستبقى حامية للحق الفلسطيني رغم التضحيات والأثمان الباهظة
تاريخ النشر: 1st, January 2025 GMT
أكد أحمد حلس "أبو ماهر"، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، على أن حركة فتح كانت وستبقى تمثل الحق الفلسطيني والإصرار على الحياة والبقاء رغم الظروف الصعبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني. وأضاف أن الحركة دفعت دماءً غالية لحماية الشعب الفلسطيني والحفاظ على مصالحه الوطنية.
وأشار حلس في تصريحاته بمناسبة الذكرى الستين لانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، الى أن الحركة قد قدمت تضحيات عديدة ودفع شعبنا ثمنًا باهظًا من أجل حماية حقوقه وكرامته، مشيرًا إلى أن هذه التضحيات كانت بهدف ألا يدفع شعبنا هذه الأثمان دون أن يكون لها عائد وطني.
وشدد على أن حركة فتح ما زالت وفية لشعارها "ثورة حتى النصر" ووفية لعهدها، رغم الأثمان الباهظة التي دفعها الشعب الفلسطيني. وأكد أن هذا هو قدر شعبنا العظيم.
حركة فتح وتاريخها في خدمة الشعب الفلسطيني
وأكد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، أن الحركة منذ بدايتها قدمت نفسها وكل إمكانياتها لتحقيق مصالح الشعب الفلسطيني، دون أن تسعى لتحقيق مكاسب حزبية. وأوضح أن حركة فتح كانت دائمًا تشق الطريق بدماء أبنائها وقادتها، مقدمة الإنجازات لشعبها حتى لأولئك الذين كانوا خصومًا لها. وأضاف: "عندما انطلقت حركة فتح بالكفاح المسلح، تعرضت لاتهامات بأنها كانت تقود الشعب الفلسطيني في مغامرة، لكن من اتهموها فيما بعد ادعوا أنهم أصحاب الطلقة الأولى وأصحاب الكفاح المسلح الذي كان موضع اتهام سابقًا."
مسيرة التسوية السياسية والتحديات التي واجهتها
ولفت أبو ماهر، الى أنه عندما قادت الشعب الفلسطيني نحو التسوية السياسية، كانت تهدف إلى تحقيق دولة فلسطينية على جزء من أرضه. وأضاف: "لكن في نظرهم كانت تلك الدولة دولة مسخ، وكان الاتفاق هزيلًا، وكل الاتهامات وُجِّهت ضد حركة فتح وقيادتها، بالإضافة إلى هذا المشروع السياسي الكبير." وأكد أنه عندما تم اختطاف هذا المشروع، أصبح هؤلاء الذين انتقدوا في السابق يقدمون التضحيات للحفاظ عليه واحتكاره لأنفسهم، مدعين أنهم أصحاب هذا الإنجاز.
استقلالية القرار الفلسطيني وتحالفات فتح السياسية
وأوضح عضو اللجنة المركزية أن حركة فتح، منذ بداياتها، كانت دائمًا تسعى لتشق الطريق من خلال دماء أبنائها وقادتها، مقدمة الإنجازات لكل أبناء الشعب الفلسطيني ليتمكنوا من الاستفادة منها. وأكد أن هذه هي حركة فتح التي ستظل تواصل مسيرتها، لأن فقدان هذا النهج يعني فقدان جزء أصيل من هويتها وبقائها.
وأضاف أنه منذ البداية، كانت لحركة فتح تحالفات مع القوى الحية في الوطن العربي والعالم، وارتبطت بعلاقات مميزة مع قادة مثل جمال عبد الناصر وغيرهم. لكنه شدد على أن فتح لم ترهن قرارها حتى لأكثر القيادات القومية مساندة للقضية الفلسطينية، لأنها كانت تدرك أنه إذا ارتبطت بنظام معين، ستسقط مع سقوطه، وقد تتعرض لخصومات إذا دخل ذلك النظام في خصومة مع أطراف أخرى. لذلك، حافظت فتح دائمًا على استقلالية قرارها، وكانت بوصلة الحركة هي فلسطين و القدس ، وليس من يقف معها.
فتح حركة بناء وليست هدم
وأكد حلس أن حركة فتح كانت دائمًا حركة بناء ولم تكن حركة هدم، فهي جاءت لتبني كينونة الشعب الفلسطيني وتساهم في بناء المجتمعات العربية. وأوضح أن فتح كانت حريصة على أن تقدم بسواعد أبنائها كل ما يمكن أن يساهم في بناء المجتمع الفلسطيني، مشيرًا إلى أن الحركة لم تكن معولًا في هدم مجتمعها الفلسطيني، بل كانت تسعى إلى تطويره وتعزيزه.
وأشار إلى مثال ملموس على ذلك، حيث كانت حركة فتح، قبل إنشاء السلطة الفلسطينية، قد أسست العديد من المؤسسات الطبية والاجتماعية التي خدمت الشعب الفلسطيني خلال سنوات الانتفاضة. وعندما تم تأسيس السلطة الفلسطينية، قدمت فتح كل ما لديها من مؤسسات لوزارات السلطة الوطنية الفلسطينية. وأضاف حلس: "الآخرون كانوا يتساءلون لماذا لا تمتلك حركة فتح مؤسسات طبية خاصة بها مثل الآخرين؟ والجواب هو أن فتح قدمت كل ما أنجزته وقدمتها للشعب الفلسطيني ولم تجعله حكراً لها كما فعل الآخرون".
وشدد على أن هذه هي حركة فتح، التي إذا فقدت هذه المبادئ، فإنها تفقد شخصيتها وهويتها.
مقاومة فتح على مر السنين
وأكد أن مقاومة حركة فتح كانت دائمًا مقاومة راشدة، حيث خاضت الحركة كل أشكال النضال، وكل شكل من هذه الأشكال كان نموذجًا مميزًا للثورة الفلسطينية والشعب الفلسطيني في حينه. وأوضح أن فتح خاضت عمليات مقاومة في العديد من الساحات، بدءًا من العمليات الخارجية، مرورًا بالجبهات على حدود فلسطين في الأردن وسوريا ولبنان، وصولاً إلى العمل داخل الأرض الفلسطينية المحتلة، والعمل النقابي، الشعبي، والجماهيري. وأضاف أن حركة فتح كانت أيضًا رائدة في بناء السلطة والحفاظ عليها.
وأضاف حلس أن حركة فتح كانت تخوض معركة لا من أجل أن يأتي آخرون ليواصلوا القتال فحسب، بل كانت تقاتل من أجل أن يأتي الذين بعدهم ليعيشوا حياة حرة وكريمة، لتكون هذه معركة من أجل المستقبل الذي تستحقه الأجيال القادمة.
مواقف شعبنا بعد العدوان والآفاق المستقبلية
وأشار إلى أن إقامة السلطة الفلسطينية كانت إنجازًا فلسطينيًا عظيمًا، كان من المفترض أن يُبنى عليه وتضاف إليه الإيجابيات من قبل الأجيال القادمة. وأوضح أنه عندما تم تداول السلطة بشكل سلمي، كان الهدف هو تعزيز هذا الإنجاز، لكن للأسف، اعتقد البعض أن السلطة يجب أن تُنسف ويُقضى عليها لاستبدالها بمشروع عبثي. وأضاف أن هذا المشروع كان يهدف إلى أخذ القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني رهينة، مشيرًا إلى أن الشعب الفلسطيني الآن يدفع ثمن هذه المغامرة الكبيرة.
إنجازات فتح في الساحة الدولية
وشدد على أن الإنجازات الفلسطينية منذ البداية كانت تَستند إلى التراكم والإضافات النوعية التي تحقق مع مرور الوقت. وأضاف أن القيادة الفلسطينية كانت تدرك أن النضال لا يقتصر فقط على المعارك العسكرية، بل يشمل أيضًا المعارك الدبلوماسية في الأمم المتحدة والساحات الدولية، حيث كانت تحقق إنجازات تساهم في تعزيز القضية الفلسطينية. وذكر أنه رغم التقليل من أهمية بعض الاعترافات الدولية والانضمام إلى المنظمات الدولية، فإن القيادة كانت تدرك أن هذه الخطوات، رغم تواضعها في لحظاتها الأولى، ستصبح تراكمًا يؤدي إلى إنجازات كبيرة وعظيمة في المستقبل.
وضع قطاع غزة وتأثيره على الأولويات الوطنية
أكد عضو اللجنة المركزية لفتح أن ما يعيشه شعبنا الفلسطيني في جميع أماكن تواجده، وخاصة في قطاع غزة، هو "كارثة الكوارث" التي لا يمكن مقارنتها بأي مرحلة أو نكبة سابقة في تاريخ الشعب الفلسطيني. ووصف الوضع في غزة بأنه " النكبة الأكبر والأصعب" ليس فقط في تاريخ الفلسطينيين بل في تاريخ البشرية. وأشار إلى أن الدمار، القتل، والجوع الذي يعانيه أبناء الشعب الفلسطيني في القطاع يجعل الموت في نظرهم "أسهل من بين أشكال العذاب الأخرى"، مثل الجوع، البرد، التشرد، والنزوح. واعتبر أن الأولوية الآن يجب أن تكون لوقف هذه الحرب المدمرة، مهما كانت الأثمان، لأن أي ثمن لدفعها أقل من ثمن استمرارها.
الدعوة لوقف العدوان والتمسك بالإنجازات الوطنية
ولفت الى أن جميع الجهود الحزبية، الى الوطنية، السياسية، والاجتماعية، بالإضافة إلى العلاقات مع العالم، يجب أن تكرس أولًا وأخيرًا لوقف العدوان. وأكد أنه من غير المقبول "انتظار الاستثمار في هذه الحرب"، مشيرًا إلى أن "ما بعد هذه الحرب وما بعد هذا العدوان ليس كما قبله". وأضاف أن ما كان يمكن أن يقبله الشعب الفلسطيني سابقًا لا يمكن قبوله بعد الدماء التي سُفكت، وأن الشعب الفلسطيني كله سيكون له كلمة حاسمة سيمارسها بعد هذا العدوان.
التوجهات السياسية الوطنية بعد الحرب
وأوضح أن الكثيرين يتساءلون عن الموقف من قضايا متعددة، مشيرًا إلى أن الأولوية الآن هي كيفية وقف العدوان. وأضاف أن بعد ذلك ستتوافر الإجابات لجميع الأسئلة، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني لديه الإجابات التي دفع ثمنها بالدم، بالجوع، وبالقهر الذي عاشه الأطفال والرجال والنساء. وأكد أن لا خوف على شعبنا في تحديد بوصلته وأولوياته بدقة، ولكن كل ذلك سيأتي بعد وقف العدوان.
دعوة للوحدة الفلسطينية وحماية الإنجازات
وتوجه أبو ماهر برسالة إلى شعبنا الفلسطيني في الضفة الغربية، قائلاً: "أوجه حديثي إلى كل أبناء شعبنا في الضفة الغربية ولكل مؤسساته، وعلى رأسها المؤسسة الأمنية التي تمثل الحارس الأمين لهذا المشروع الوطني الفلسطيني والإنجاز الذي تحقق بدماء شعبنا ونضالاته على مدار ستين عامًا." وأكد أنه على من يدعي مقاومة الاحتلال أن يقدم خارطة واضحة لما بعد هذه المقاومة. وشدد على أن مغامرات جديدة لن تؤدي سوى إلى دفع ثمن أكثر قهرًا مما حدث في غزة، مشيرًا إلى قول الشعب الفلسطيني: "الذي يجرب المجرب عقله مخرب".
الرسالة الأخيرة للشعب الفلسطيني
وقال حلس رغم الألم والقهر الذي يعانيه شعبنا في قطاع غزة، إن العيون تتجه نحو الضفة الغربية، مع الأمل في أن تخرج من هذه المحنة. واضاف: "نقول لشعبنا في الضفة: كونوا حريصين على سلطتكم، فهي ليست إنجازًا لحركة فتح فقط، بل هي إنجاز للشعب الفلسطيني بأسره. هذه السلطة هي بيتنا، وهي ثمرة نضال وتضحيات الشعب الفلسطيني. يجب ألا نسمح بهدمها تحت أي شعارات أو مبادرات."
المصدر : وكالة سواالمصدر: وكالة سوا الإخبارية
كلمات دلالية: عضو اللجنة المرکزیة الشعب الفلسطینی مشیر ا إلى أن الفلسطینی فی هذا المشروع وشدد على أن کانت دائم ا هذه الحرب لحرکة فتح أن الحرکة شعبنا فی وأوضح أن وأضاف أن وأکد أن أن فتح من أجل أن هذه ما بعد
إقرأ أيضاً:
كيف استطاعت السلطة الفلسطينية تحويل مسيرة حركة فتح النضالية؟
يمكن القول إن حركة فتح كانت أول جسم تنظيمي متماسك وفاعل يمارس النضال السياسي والعسكري في تاريخ القضية الفلسطينية، رغم أنه سبق حركة فتح كثير من المحاولات المسلحة في تاريخ النضال الفلسطيني، من ثورة البراق إلى حركة المناضل السوري الشهيد عز الدين القسام، لكن ميزة حركة فتح أنها استطاعت إقامة تنظيم بجناح سياسي أخذ شرعية التمثيل الفلسطيني من خلال منظمة التحرير الفلسطيني، وجناح عسكري لمقاومة الاحتلال الصهيوني قدم محاولات تحرر كثيرة، ورسم مشروع تحرر عسكري وسياسي. لكن كيف استطاعت السلطة الفلسطينية أن تحدث تحولا كبيرا في مسيرة حركة فتح، وتنقل كثيرا من منتسبيها ممن التحق بالسلطة من حركة تحرير وطني إلى حارس لأمن الاحتلال وصمام أمان لوجوده واستمراره؟
(1) فتح: حركة تحرر ونضال وطني
لا يمكن لأي متابع لنضال الشعب الفلسطيني أن يتجاوز حركة فتح في مسيرة النضال الفلسطيني، إذ قامت حركة فتح في الأول من كانون الثاني/ يناير 1965 كأول عمل تنظيمي يسعى إلى التحرر من الاحتلال الصهيوني، نتحدث عن حركة فتح كتنظيم فلسطيني تم تأسيسه بخليط من الشخصيات الفلسطينية ذات المرجعيات الفكرية المختلفة، وإن كان يغلب على أعضاء التأسيس الفكر القومي الذي كان يشهد حالة مد كبير في ستينيات القرن الماضي. كما كان من أوائل من شارك في تأسيسها خليل الوزير ذو الخلفية الإخوانية، بعد تأخر جماعة الإخوان المسلمين الفلسطينية عن الدخول في حركة النضال المسلح ضد الاحتلال.
بدأت تحولات حركة فتح في النضال الفلسطيني عندما قاد الراحل ياسر عرفات حركة فتح إلى اتفاقية أوسلو في عام 1993، وتحولت حركة فتح من العمل العسكري إلى العمل السياسي
لم يقتصر نشاط فتح على العمل السياسي، بل إن العمل العسكري كان لديها يسبق العمل السياسي، فأسست حركة فتح مجموعة من التنظيمات العسكرية المسلحة، كان أول تلك التنظيمات التي قادت الكفاح المسلح "قوات العاصفة" التي قادها ياسر عرفات وأسست بعد ذلك بعض التنظيمات بأسماء أخرى إلى أن وصلنا إلى كتائب شهداء الأقصى في بداية الانتفاضة الثانية.
تطلق حركة فتح على نفسها شعار "أصحاب الرصاصة الأولى"، وإن كان النضال العسكري ضد الاحتلال الإسرائيلي سبق تأسيس حركة فتح بكثير كما أسلفنا، لكن نضال حركة فتح في تاريخ القضية الفلسطينية لا يمكن تجاوزه حتى وقت قريب، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح قدمت حوالي 22 في المئة من الشهداء من مجمل شهداء الانتفاضة الثانية، إذ قدمت فتح 1437 شهيدا من أصل 6598 شهيدا، كما كان لها عدد كبير من الأسرى وبعضهم كان مقربا من الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، قضوا في الأسر حوالي 20 عاما، يمكن أن يفرج عنهم في صفقات التبادل الجارية حاليا بين إسرائيل وحماس.
(2) تحولات حركة فتح
بدأت تحولات حركة فتح في النضال الفلسطيني عندما قاد الراحل ياسر عرفات حركة فتح إلى اتفاقية أوسلو في عام 1993، وتحولت حركة فتح من العمل العسكري إلى العمل السياسي، قبل أن تجدد نضالها العسكري في الانتفاضة الثانية، إذ تحولت حركة فتح إلى حزب سلطة في الحكم الذاتي بعد اتفاقية أوسلو الذي سيطرت فيه السلطة الفلسطينية على المناطق "أ" و"ب" والتي تشكل 39 في المئة من مساحة الضفة الغربية.
المنعطف الآخر كان عندما وافق ياسر عرفات على التنسيق الأمني ما بين السلطة الفلسطينية وقوات الاحتلال لمدة 4 سنوات منذ عام 1994، على أن تقام دولة فلسطينية على 90 في المئة من مساحة الضفة الغربية بالإضافة إلى غزة خلال 3 سنوات.
التحول الأكبر في مسيرة حركة فتح في النضال الفلسطيني كان بعد رحيل ياسر عرفات وقدوم القيادة الفلسطينية الجديدة، وتعيين "كيث دايتون" خبير الأمن الأمريكي ليقوم بالتنسيق الأمني ما بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية، ليحقق أمن إسرائيل وأمن السلطة من أجل تهيئة البيئة السياسية لاستمرار إسرائيل في عملية التفاوض وإتمام عملية السلام وحل القضية الفلسطينية. من أجل هذه المهمة، تم تشكيل مجموعة من القوات الفلسطينية التي أشرف على تدريبها لتجريد المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة من سلاحها، وملاحقة المقاومين، وتدمير البنية التحتية للإرهاب كما تعرفه أمريكا وإسرائيل، مقابل تقديم الدعم المالي والدعم بالسلاح لهذه القوة لكي تتمكن من إتمام مهامها الموكلة إليها.
تضخمت قوات دايتون واستمر عملها، وخاصة بعد انتخابات 2006 التي فازت بها حماس، وبعد الحسم العسكري في غزة 2007، بينما عملية التفاوض وإتمام عملية السلام وحل القضية الفلسطينية التي جاءت قوات دايتون من أجل توفير البيئة المناسبة لها قد انتهت ولم تعد موجودة. فاستمر التنسيق الأمني، وانتهى حلم إقامة الدولة الفلسطينية بقدوم اليمين الإسرائيلي المتشدد الذي يريد التهام الضفة الغربية بكاملها وضمها إلى إسرائيل، وإنهاء حلم إقامة دولة فلسطينية.
تضخمت قوات دايتون لتحول جميع أجهزة السلطة الفلسطينية العاملة في المناطق "أ" و"ب" من الضفة الغربية إلى قوات تحمل فكرة وعقيدة قوات دايتون في حفظ الأمن الإسرائيلي، فأصبح التنسيق الأمني وعلى لسان قادة السلطة الفلسطينية عملا مقدسا.
حركة فتح مرت بمراحل متعددة حتى وصلت إلى صيغتها الحالية كحزب سلطة، تحولت من العمل العسكري إلى العمل السياسي واتفاقية السلام، ثم تحولت من العمل السياسي إلى التنسيق الأمني ليصل بها الحال إلى ما هي عليه حاليا من غرق في التنسيق الأمني، والتحول إلى حراس لأمن إسرائيل في مواجهة المقاومة الفلسطينية
حركة فتح مرت بمراحل متعددة حتى وصلت إلى صيغتها الحالية كحزب سلطة، تحولت من العمل العسكري إلى العمل السياسي واتفاقية السلام، ثم تحولت من العمل السياسي إلى التنسيق الأمني ليصل بها الحال إلى ما هي عليه حاليا من غرق في التنسيق الأمني، والتحول إلى حراس لأمن إسرائيل في مواجهة المقاومة الفلسطينية.
(3) فتح تسير بعكس فكرة التأسيس
ذات المشهد في تلك التحولات التي حدثت مع حركة فتح حصل مع معظم الدول التي تعرضت للاحتلال، لكن هذه التحولات كانت دائما تقود أصحابها في النهاية إلى حيث لا يرغبون، حتى وصل بهم الأمر إلى أنهم كانوا يرفضون أن يخرج المحتل عندما تتعاظم خسارته من المقاومة الوطنية المسلحة.
التاريخ الحديث يقول لنا إن ما وصل إليه أتباع حركة فتح ممن التحق بالسلطة وقع فيه كثير من حركات التحرر ومقاومة الاحتلال في التاريخ الحديث، وانتهى بها المطاف إلى جزء من قوات الاحتلال وخادم له. قد يكون قريب مما حصل مع حركة فتح ما حصل في الجزائر مع ما يطلق عليه قوات الحركي الجزائري، وهو مصطلح يطلق على الجزائريين الذين قاتلوا مع القوات الفرنسية ضد أبناء جلدتهم في حرب التحرير بين عام 1954 إلى 1962. وتشير التقديرات إلى أن عددهم وصل إلى أكثر من 90 ألف مقاتل، عاشوا في ظروف غير لائقة بعد فرارهم من الجزائر خشية الانتقام منهم نتيجة لتعاونهم الأمني ضد حركة التحرر في الجزائر، وقد أعلن الرئيس الفرنسي الحالي عن قانون من أجل تعويضهم عما تعرضوا له من سوء معاملة في فرنسا بعد خروجهم من الجزائر.
كما تكرر المشهد مع جيش لحد في الجنوب اللبناني، والذي نشأ في البداية في مواجهة الفصائل الفلسطينية في الحرب الأهلية اللبنانية، ثم تحول إلى منفذ للعمليات العسكرية نيابة عن القوات الإسرائيلية، ليصبح ذراع إسرائيل في لبنان. وقد بلغ عديده حوالي 6 آلاف مقاتل، معظمهم من الطائفة المسيحية وبعضهم مسلمون، كانت لديهم إشكالية مع فصائل المقاومة الفلسطينية. وعندما انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، هربوا إلى إسرائيل، وبعضهم غادر إلى أوروبا، وبعضهم تم القبض عليه وتقديمه للقضاء اللبناني، وتم الاستيلاء على أسلحتهم من قبل حزب الله.
كانت فكرة إقامة سلطة فلسطينية قبل الاعتراف بالدولة الفلسطينية فكرة صهيونية عبقرية، فهي الفكرة الوحيدة التي استطاعت أن تجر حركة فتح لتحولها من حركة نضال إلى حزب سلطة يغرق بالمكتسبات، ويتحول المنخرطون منهم في عمل السلطة بعد ذلك إلى حراس لأمن إسرائيل
بعد أن قامت حماس بالحسم العسكري في غزة كانت تراهن إسرائيل على أنه سيكون لحماس مكتسبات سياسية وعمرانية وسلطة أمر واقع، فيمكن لهذه المكتسبات أن تنقل حماس إلى ذات المربع الذي انتقلت إليه حركة فتح بوقف النضال العسكري أو التخفيف منه، فالمكتسبات وحدها هي التي تجعل العسكري يتراجع عن إقدامه من أجل المحافظة على مكتسباته. لكن الأمر كان مختلفا في حماس لعدة أسباب، أهمها أن حماس حركة أيديولوجية محكومة بتصورات دينية عن النضال والشهادة والاستشهاد. كما أن حركة حماس حركة مؤسسية يتخذ القرار فيها بموجب عمل مؤسسي، على عكس حركة فتح التي كان القرار فيها قرار الفرد الواحد، والجميع يلتف حوله لينال من مكتسبات القائد بمقدار ما يعلن ولاءه وعدم معارضته لتلك القرارات.
الكثير يتحدث عن إصلاح حركة فتح ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وإعادتها إلى حضن النضال الفلسطيني، لكن الواقع يقول إن كل تلك المراهنات سوف تذروها الرياح، ويؤكد بأن المكتسبات التي قدمتها السلطة حولت حركة فتح من حركة نضال إلى حزب سلطة له مكتسباته التي يصعب التخلي عنها.
كانت فكرة إقامة سلطة فلسطينية قبل الاعتراف بالدولة الفلسطينية فكرة صهيونية عبقرية، فهي الفكرة الوحيدة التي استطاعت أن تجر حركة فتح لتحولها من حركة نضال إلى حزب سلطة يغرق بالمكتسبات، ويتحول المنخرطون منهم في عمل السلطة بعد ذلك إلى حراس لأمن إسرائيل وضامنين لاستمرار وجوده، وخنجر في ظهر المقاومة بكافة أشكالها المقاومة السلمية والمسلحة وشبه المسلحة، وبذلك أصبحت فتح معادية لفكرة تأسيسها والغاية التي قامت من أجلها، فلا نجحت في إقامة دولة فلسطينية ولا حافظت على شرف النضال ضد المحتل.