اجتمع السيسي منذ أسبوعين بمجموعة من حملة المباخر الذين يزيفون وعي الشعب، ويقتاتون من الكذب علينا في وسائل الإعلام، ولا همَّ لهم سوى أن يكونوا لسانا سليطا على كل معارض، أو حتى ناصح لهذا النظام الفاشل الدموي، ومع تكرار السيسي لأكاذيبه في معظم لقاءاته الإعلامية، فإنه تحدث بوقاحة عن أن يده لم تتلوث بدم أحد ولم تأخذ مال أحد، ومدح ما أسماه "تحمل المصريين" للوضع الاقتصادي، بينما الحقيقة أنهم مكبوتون في ظل حكمه الدموي لا القمعي وحسب.
في ثقافة السيسي لا شيء مجاني، فعلى المواطنين أن يجوعوا ويتحملوا لأجل بناء الدولة، بينما يلحظ المواطنون أنه لا يجوع مثلهم، بل ينعم مع أسرته من كدِّهم، ونتيجة التقتير عليهم، كما أن يده تمتد يوميّا إلى جيوب المواطنين بالقهر والغصب، بضرائب أو زيادات متكررة في أسعار الخدمات والسلع الأساسية، أو قروض أو مشروعات فاشلة، يتحمل المواطنون عبأها وحدهم، بينما ينعم هو في أملاك الدولة، ويزين جدرانها بصُوَرِه المُقْبِضَة للأرواح والكفيلة رؤيتُها بتعكير سائر اليوم.
تكاليف الحياة باتت مرهقة للطبقات المتوسطة، فضلا عن الفقيرة أو تحت خط الفقر، فقد ارتفع معدل التضخم بنحو 500 في المئة بدءا من آب/ أغسطس عام 2013 إلى الشهر نفسه عام 2023
بحسبة بسيطة، من المصادر الرسمية، نجد أن تكاليف الحياة باتت مرهقة للطبقات المتوسطة، فضلا عن الفقيرة أو تحت خط الفقر، فقد ارتفع معدل التضخم بنحو 500 في المئة بدءا من آب/ أغسطس عام 2013 إلى الشهر نفسه عام 2023، فكان في أول الفترة يبلغ 8.5 في المئة ووصل إلى 41 في المئة بعد عشر سنوات فقط من سيطرة السيسي على الحكم، كما انخفضت قيمة العملة من نحو 7 جنيهات مقابل الدولار الواحد، إلى قرابة 50.8 جنيه وقت كتابة المقال، بزيادة تجاوز 700 في المئة، وارتفع الدين الخارجي بنحو 372 في المئة، إذ ارتفع من 43.2 مليار دولار في حزيران/ يونيو 2013، إلى 160.6 مليار دولار بنهاية الربع الأول من العام الحالي، ولا ينبغي إغفال سعر صرف الدولار مقابل الجنيه عند النظر إلى هذه الأرقام.
هذه الزيادات المتتالية لم تتناسب مع الأجور المتدنية، التي كانت رحلتها منذ ثورة كانون الثاني/ يناير 2011 على النحو التالي:
في حزيران/ يونيو 2011 ارتفع الحد الأدنى للأجور من 400 جنيه إلى 700 جنيه، نحو 118 دولارا وقتها، وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2013 ارتفع إلى 1200 جنيه نحو 174 دولارا وقتها، ثم توالت الزيادات ليرتفع الحد الأدنى في آذار/ مارس 2019 إلى 2000 جنيه، نحو 114 دولارا وقتها، وفي آذار/ مارس 2021 ارتفع إلى 2400 جنيه، نحو 130 دولارا وقتها، ثم بلغ 2700 جنيه في كانون الثاني/ يناير 2022، نحو 173 دولارا وقتها، ثم زاد مرة أخرى في آذار/ مارس 2023 إلى 3500 جنيه، نحو 114 دولارا وقتها، ثم زاد إلى 4 آلاف جنيه في أيلول/ سبتمبر 2023، نحو 130 دولارا وقتها، ثم زاد في شباط/ فبراير 2024 إلى 6 آلاف جنيه، نحو 195 دولارا وقتها، وبعد أقل من شهر، خفَّضت مصر قيمة العملة لتصبح هذه الزيادة توازي اليوم 118.1 دولار فقط، ما يعني العودة تقريبا إلى نفس معدل الأجور الذي كان معمولا به إبان الثورة المصرية عام 2011.
لم تترافق هذه التفاوتات مع عدالة في توزيع الأجور والمخصصات المالية لقطاعات الجهاز الإداري للدولة، أو على الأقل للقطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة، فبالنظر إلى موازنات الدولة المصرية، نجد أنها تخصص الباب الخامس، تحت عنوان "المصروفات الأخرى"، لمصروفات تُسمى "السطر الواحد"، وهي مجموعة من المخصصات المالية التي تُدرج رقما واحدا ولا يناقشها مجلس النواب في جلساته العامة، وتحظى موازنة الجيش بالرقم الأكبر في هذا الباب، وقد ارتفعت مخصصات هذا الباب من نحو 38.3 ميار جنيه في العام المالي 2013-2014، إلى 162.23 مليار جنيه في العام المالي 2024-2025.
بلغ المبلغ المخصص لقطاع الدفاع والأمن القومي في موازنة العام الحالي نحو 231.338 مليار جنيه، أما قطاع الأمن، فقد خصصت الموازنة لثلاثة فقط من بنوده الأساسية، وهي الأمن والشرطة، وديوان عام وزارة الداخلية، ومصلحة الأمن والشرطة، نحو 162.440 مليار جنيه، في حين خُصص لقطاعات القضاء والنيابة، ومعهما ديوان عام وزارة العدل التي تضم هيئات غير قضائية، نحو 34.485 مليار جنيه. ويُلاحظ أنه يوجد في مصر 22 ألف عضو هيئة قضائية حتى عام 2020، وفقا لوزير العدل حينها. أما المبلغ المخصص لقطاع التعليم فقد بلغ نحو 294.643 مليار جنيه، في حين بلغ المبلغ المخصص لقطاع الصحة نحو 200.146 مليار جنيه.
السيسي لم يكتف بالولوغ في دماء المصريين بمذابحه، بل سبح كذلك في أموالهم مع أسرته، ومع ذلك لا يكتفي بالادعاء والكذب في كل مناسبة يظهر فيها، كما لا يتورع عن إلقاء فشله على المصريين في كل مناسبة أيضا
بغض النظر عن أسباب تفاوت الأرقام، فإن الأوضاع العامة لضباط الجيش والشرطة وهيئة القضاء تبدو متفاوتة تماما مع غيرهم من القطاعات الأخرى، فمثلا تمكن ببساطة ملاحظة امتلاك أفراد هذه القطاعات لوسائل الأمان الاجتماعي كالمسكن والسيارات، في حين لا تتوفر نفس الإمكانيات لجميع المعلمين أو الأطباء، فضلا عن رفاهية التجمعات السكنية التي تكون مخصصة لهم، وبتسهيلات قد تصل إلى 20 عاما لشراء الوحدات السكنية، وهذه الأمور إن كانت غير منظورة في الميزانية، فملاحظتها ممكنة بأقل مجهود.
ورغم أن المختصين بالاقتصاد لا يستنكرون وجود مميزات تتعلق بالوظيفة، وأن التفاوت في الأجور طبيعي بحسب المخاطر، فإنهم في الوقت ذاته يستنكرون الفجوة الواسعة التي تجعل التمييز الحكومي مركِّزا على الفئات التي يمكن وصفها بفئات حماية النظام وأدواته، وهي الفئات التي يقلق أي نظام من إغضابها، مع إغفال غضب القطاعات التي لا تملك مجرد التلويح بغضب يقلق النظام السياسي.
إن السيسي لم يكتف بالولوغ في دماء المصريين بمذابحه، بل سبح كذلك في أموالهم مع أسرته، ومع ذلك لا يكتفي بالادعاء والكذب في كل مناسبة يظهر فيها، كما لا يتورع عن إلقاء فشله على المصريين في كل مناسبة أيضا، وهم مكروهون على بقائه بقوة السلاح، لا بإرادة الصبر والتحمّل، ولا أحد يعلم متى سينفجر غطاء الإكراه المحكَم في وجه واضعه.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه السيسي المصريين الاقتصادي تكاليف الفقر مصر اقتصاد السيسي فقر تكاليف مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة اقتصاد سياسة صحافة من هنا وهناك اقتصاد سياسة صحافة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی کل مناسبة ملیار جنیه فی المئة جنیه فی
إقرأ أيضاً:
قنبلة ترامب
وأخيراً فعلها ترامب، وألقى قنبلة الرسوم الجمركية على العالم، وأحدثت زلزالاً قوياً ستكون له ارتدادات كارثية جداً على الاقتصاد العالمي ولن تكون الولايات المتحدة بمنأى عنها.
القرار الذي شمل 180 دولة، بخلاف دول الاتحاد الأوروبي ال 27، لم يميز بين دولة وأخرى. وضع ترامب كل العالم في قارب واحد، تنفيذاً لرؤيته الاقتصادية التي بشّر بها في حملته الانتخابية من خلال شعار«لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، وقد بدأها على بعض الدول، بدءاً بكندا والمكسيك والصين، قبل أن يعصف الطوفان بدول الاتحاد الأوروبي، ثم يطلق قنبلته الكبرى على العالم يوم أمس الأول من البيت الأبيض تحت شعار «يوم التحرير»، وتحت عنوان «استعادة ثراء أمريكا».
الرسوم التي فرضها ترامب تراوحت بين 10 في المئة كضريبة على الواردات من بريطانيا ومعظم الدول العربية، و49 في المئة على كولومبيا التي كان لها النصيب الأكبر، وكذلك فيتنام بنسبة 46 في المئة، فيما بلغت الرسوم على المنتجات الصينية 34 في المئة، كما أعلن فرض تعريفة جمركية على السيارات المصنعة خارج الولايات المتحدة بنسبة 25 في المئة.
برر ترامب قراره بالخلل التجاري غير العادل، في إشارة إلى حجم الاستيراد والتصدير في التجارة مع الولايات المتحدة، معرباً عن أمله بأن تؤدي التعريفات الجمركية الجديدة إلى «نهضة صناعية أمريكية»، ووقف استغلال بلاده، لكنه بذلك يشعل حرباً تجارية شاملة، وصفها كين روغوف، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي ب«قنبلة نووية ألقاها ترامب على النظام التجاري العالمي».
خبراء الاقتصاد، يرون أن قرارات ترامب ستؤدي إما إلى فرض السيطرة الأمريكية بشكل كبير بما يظهر قوة الولايات المتحدة أمام القوى الدولية الأخرى، وإما أن تفقد سيطرتها إلى الأبد. وأكد أغلبهم أن اعتقاد ترامب بأن قراراته ستؤدي إلى 600 مليار دولار داخل الخزانة الأمريكية افتراض خاطئ، كما أن فرض تعريفات جمركية لن يسد عجز الميزان التجاري.
من الطبيعي أن تثير قرارات ترامب غضباً عالمياً وتحذيرات من مخاطرها على الاقتصاد العالمي، إذ اعتبرها زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب الأمريكي حكيم جيفريز بأنها «يوم الكساد وليس يوم التحرير»، وقالت رئيسة المصرف الأوروبي كريستين لاغارد، إن القرارات «ليست في مصلحة الاقتصاد العالمي»، وقال المتحدث باسم الحكومة الألمانية: «إن تكاليف الحرب التجارية لا يتحملها طرف واحد، بل قد تصبح تكلفتها باهظة للجانبين»، فيما اعتبرت وزارة التجارة الصينية أن قرارات ترامب «مثال نموذجي على التنمر الأحادي»، واعتبرت رئيسة المفوضية الأوروبية الرسوم الأمريكية «ضربة قوية للأعمال والمستهلكين في جميع أنحاء العالم»، ووصف القائم بأعمال رئيس كوريا الجنوبية الوضع بأنه «بالغ الخطورة»، واعتبرت اليابان القرارات الأمريكية بأنها «مؤسفة»، وقال الرئيس الكولومبي الذي نالت بلاده أعلى الرسوم أن قرارات ترامب تعتبر «موتاً لليبرالية الجديدة».
لقد وضع الرئيس الأمريكي العالم أمام حقيقة تقول، بأنه يحاول جرّه من أذنيه حيث يريد، معتمداً على ما لدى الولايات المتحدة من فائض قوة من أجل نسف كل ما قامت عليه العلاقات بين الدول من سياسات واتفاقات وأنظمة وهيئات سياسية واقتصادية وأمنية.. فهل ينجح؟