أولى مرصد الأزهر لمكافحة التطرف اهتمامًا خاصًا بقضايا عدة في مقدمتها تحصين الشباب من خطر الأفكار المتطرفة على مدار عام 2024م؛ حيث نظم العديد من الأنشطة التوعوية والمجتمعية ضمن مبادراته مثل اسمع واتكلم، واعرف أكثر، ونحو رؤية أزهرية لمجابهة التطرف، ونحو رؤية شبابية لمجابهة التطرف، والتي عقدها بالتعاون مع جهات متنوعة، منها: وزارة الشباب والرياضة، وجامعة الأزهر، ومركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام التابع لوزارة الخارجية المصرية وغيرها.

على المستوى المحلي، شهد العام 2024 سلسلة من الإنجازات شملت تكريمًا رفيع المستوى من قبل رئيس الجمهورية لمديرة المرصد دكتورة رهام سلامة نظير جهودها في مكافحة التطرف من خلال مرصد الأزهر. كما شملت الإنجازات المشاركة الفعالة في المعارض والندوات والورش التدريبية، وإنتاج المحتوى العلمي والإعلامي، وبناء الشراكات مع مختلف المؤسسات المصرية انطلاقًا من ترسيخ مرصد الأزهر لمكانته كمرجعية وطنية في مجال مكافحة التطرف، وصياغة الوعي المجتمعي، ونشر قيم التسامح والاعتدال.

ومن المشاركات المحلية للمرصد، المشاركة بعدد (3) كتب جديدة إلى جانب مجموعة متنوعة من الإصدارات في جناح الأزهر بمعرض القاهرة الدولي للكتاب بنسخته الخامسة والخمسين، وكذلك إدارة عدد من الندوات أبرزها (تحيز وسائل الإعلام الدولية القضية الفلسـطـينية أنموذجًا)، و(الصـهيـونية العالمية أطماعها. آثارها.. مواجهتها)، و (مخاطر المحتوى غير الأخلاقي على الطفل ودور المؤسسات في المواجهة). علاوة على المشاركة في الندوة الدولية الأولى بمناسبة اليوم العالمي للفتوى تحت عنوان (الفتوى وتحقيق الأمن الفكري).

وإيمانًا بأهمية دور مرصد الأزهر في صياغة الوعي المجتمعي، وقع المرصد بروتوكولات تعاون مع عدة جهات في عام 2024م، نذكر منها مجلس الشباب المصري، وتوقيع مذكرة تفاهم مع مركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات. هذا بالإضافة إلى التنسيق مع قناة الحياة الفضائية للبث من داخل المرصد بشكل أسبوعي، والمشاركة بصفة دورية في برنامج (فكر) المذاع عبر قناة الناس الفضائية.

وضمن النسخة الثالثة من مبادرة اسمع واتكلم، عقد المرصد منتداه في مايو من عام 2024م، تطرق فيه إلى قضيتين في غاية الأهمية هما: المشاعر وعلاقتها بالفكر المتطرف، والهوية في عصر الذكاء الاصطناعي. إضافة إلى تنظيم النسخة الثانية من برنامجه الصيفي "اعرف أكثر" الموجهة إلى الطلاب ما قبل التعليم الجامعي، وفيها ناقش المرصد موضوعات متنوعة، منها: العلاقة بين الشباب والفتيات وضوابطها في الإسلام؛ ومخاطر الإنترنت العميق وكيفية الحماية منها؛ والطرق الصحيحة للتعامل مع الخواطر والأسئلة فيما يتعلق بالذات الإلهية؛ فضلًا عن إرشادهم إلى أبرز طرق استثمار الوقت في ظل تنامي استخدام شبكة الإنترنت.

وامتد دور المرصد إلى تنظيم دورات تدريبية لفئات مختلفة، بدءًا من القائمين على إنفاذ القانون، مثل الأعضاء الجدد للنيابة العامة بمعهد البحوث الجنائية والتدريب بمدينة الشروق، وتنظيم تدريب مكثف لدبلوماسيين من اليابان وبولندا عن إستراتيجية مصر والأزهر في مكافحة التطرف.

وعكس عام 2024م ثراءً علميًّا متنوعًا؛ فقد أصدر المرصد (3)  كتب، و (7) مطويات، و (12) عددًا من مجلات "مرصد" باللغة العربية؛ و StepForward باللغة الإنجليزية؛ وUn Pas En Avant باللغة الفرنسية. إلى جانب إعداد مجموعة من الدراسات، منها الطائفية والتطرف منطلقات متشابهة ومصير محتوم؛ العنف ضد المرأةظاهرة تُهدِّد استقرار المجتمعات؛ سيكولوجية الإلحاد؛ الفخاخ الدلالية "مصطلحات مثيرة للجدل حول الإسلام"؛ اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا الشمالية: التاريخ والحاضر والسمات وإرهاصات المشهد الانتخابي 2024م.

إن مرصد الأزهر عمل على تكثيف جهوده لرصد وتفنيد الشبهات التي تروجها التنظيمات الإرهابية على مدار عام 2024م . وتابع عن قرب أعمال جماعات اليمين المتطرف لمآلات هذه الأعمال على أحوال المسلمين واندماجهم في المجتمعات الغربية. كما واصل متابعته المكثفة لتداعيات منصات التواصل الاجتماعي على الشباب والأطفال وانعكاساتها الخطيرة على المجتمع. وعمل المرصد طوال العام على عكس ما يقوم به باحثوه من جهود بشكل عملي، من خلال تنظيم الدورات وورش العمل وحضور الفعاليات المتنوعة التي تنظمها جهات مجتمعية ومؤسسات حكومية. ومع دخول عام جديد يواصل المرصد استراتيجيته الهادفة إلى المساهمة في بناء مجتمع واع، وتهيئة جيل قادر على إعمال العقل والتفكير النقدي لحمايته من السقوط في فخ التطرف.

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: مرصد الأزهر توعية الشباب حصاد مرصد الأزهر الأزهر الشريف الأفكار المتطرفة المزيد مرصد الأزهر عام 2024م

إقرأ أيضاً:

أرض التــطــرف

ما الذي يمكن استخلاصه من ظواهر المواجهات الدائرة، السياسية منها والعسكرية، في عالمنا اليوم؟ كل مواجهة تعني تناقضًا وتضادًا، وهذا التضاد لماذا يأخذ شكل المواجهة والمجابهة بدل الحلول الأخرى الطبيعية؟ لماذا التطرف في المواجهة لإخضاع الآخر والسيطرة عليه بالقوة والعنف؟ هل التطرف هو لغة العصر؟ كيف تحول العالم إلى مسرح مناسب لأنواع ودرجات من التطرف تغذي وتستثير بمجرد ظهورها كل تطرف مضاد؟ كيف نجد في عالمنا اليوم أشكالًا متعددة من خطاب التطرف نجحت، بل وأصبحت وصفة انتخابية معممة، تقود أصحابها إلى تولي زمام السلطة، كما حدث في مناطق مؤثرة من العالم؟ وكل هذا التطرف المعولم ألا يغذي بشكل رئيسي اتجاه العالم بأسره نحو العنف والحرب كنتيجة متوقعة؟

بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة النازية والفاشية في أوروبا لم يكن أحد يتخيل أن اليمين المتطرف سيعود إلى السلطة، بما في ذلك من تبقى من أعضائه، أو أن أحزاب اليمين المتطرفة يمكنها التفكير بالمنافسة في الانتخابات، أو أنها ستحظى بأي شعبية مستقبلية، لكن واقع الحال اليوم أن عددًا لا بأس به من الأحزاب الفائزة في الانتخابات تتبنى بشكل معلن خطاب التطرف، فكيف حدث ذلك؟

هل يمكننا القول إن الحروب الأمريكية العالمية المعلنة التي اتخذت ذريعة الحرب على الإرهاب في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قد دمغت بداية هذا القرن بآثار لا تمحى، لكنها أدت لنتائج عكسية، ليس أقلها صعود اليمين، وبتعبير آخر فإن الحرب الأمريكية على التطرف والإرهاب بدل أن تقضي على الإرهاب والتطرف قامت بتعميمه.

يبدو اليوم أن تلك الحرب المعلنة على الإرهاب والتطرف، القاعدة آنذاك، أدت إلى تفريخ وتعدد أشكال وجماعات التطرف والإرهاب، وأن أغلب ذلك التفريخ جرى في مناطق احتلتها أمريكا كالعراق مثلًا، حيث جرى تصدير التطرف لكل دول الجوار، وكان النتاج هو استقواء التطرف وتعاظمه، بل وجرى استخدام جماعاته لتدمير النظم السياسية المعارضة للهيمنة الأمريكية والتغوّل الإسرائيلي، كما حدث في سوريا، وفي الوقت نفسه صعد الخطاب المتطرف، وكراهية الأجانب، وصعدت الأحزاب والخطابات المعادية للآخر، خاصة وعلى التحديد الإسلام، وكان هذا الخطاب متوجهًا بالتحديد للتأثير على المراكز ويبدو أنه نجح بطريقة ما في إذكاء التطرف العام.

ما حدث في حرب الولايات المتحدة الأمريكية على الإرهاب هو تهويل حوادث ١١ سبتمبر واتخاذها ذريعة للحرب والتدخل، وما فعلته تلك الحروب الأمريكية أنها دشنت عصر الإرهاب والتطرف، وهذا رأي نعوم تشومسكي في كتابه عن الحدث الصادر في ذلك العام نفسه ٢٠٠١، وهو يقول حرفيًا إن العالم مقبل على عصر الإرهاب، في استشراف دقيق كما هو واضح، لأن ذلك ما حدث في كل مكان، لقد جرت تغذية العصر بمتوالية من التفجيرات التي شملت غالبية المدن الغربية، وحتى العربية بطبيعة الحال، والتي عجّلت في إظهار نتائج الإرهاب وخطره الكامن في توليد التطرف، وإعطاء مشروعية للتطرف المضاد، ولكنه أصبح إرهاب دولة، وأدى لكوارث بشرية واستباحة حدود الدول وإسقاط الأنظمة وتسليمها من بعد للفوضى أو للنظام السابق نفسه كما في أفغانستان، وكأن الغاية لم تكن غير تغذية الإرهاب وزيادة التطرف.

العالم بالنسبة للتطرف هو ساحة معركة، وكل البشر في نظر التطرف هم إما «مع» يجب عليه النصرة، أو «ضد» يجب القضاء والسيطرة عليه، ولا ثالث لهما، عالم من الأبيض والأسود، يجب الانتصار فيه، وكالعادة تستخدم أوهى المبررات والمنطق المختلق لتكوين تلك العقيدة المتطرفة والتي ليست غير منطق الكراهية، لكنها في نظر المتطرف تبيح له القتل وسفك الدماء والنهب والتنكيل بكل من يجابهه، وبالمحصلة يجد التطرف إطارًا يعطيه كل الشرعية والحق لممارسة العنف الكامن داخله، وهو لا يخدم غير بعث التطرف والعنف المضاد، بل هو يقوم عبر استغلال أشباهه في الطرف الآخر، إما عبر استغلال أفعال مشابهة قاموا بها وتهويلها، أو عبر دفعهم للقيام بردات فعل تستدعى المواجهة والمجابهة، و(السحق والمحو)، بهذا الشكل يمنح التطرف نفسه الحق في تعميم الموت، بكافة أشكاله، وفي قهر الخصوم واستفزازهم ودفعهم دفعًا للانتقام، ذلك أن خطاب التطرف عدمي، مغرق في عدميته، وهو بشكله ذاك مهيأ للاستخدام والتلاعب به وجعله دمية في خدمة حتى ألد أعدائه المعلنين، ولا يخدم غاية أكبر غير الدمار.

لكن التطرف ليس دافع البشر والناس العاديين، بل دوافعه خاصة، هي دوافع الحكم والسيطرة والاستحواذ والهيمنة والنفوذ، وهي دوافع تفرضها الطبقات والأنظمة والجماعات المسيطرة فرضًا على الناس، أو تورطهم فيها، بحيث يجد الناس أنفسهم بين خيارين، إما قابيل أو هابيل، إما قاتلًا أو قتيلا.

في أثناء ذلك تخرب البلاد وينهار العمران وتتعطل كافة الأشكال الحضرية للحياة، وينهار السلم الطبيعي بين الناس، فالإنسان بطبيعته أميل للسلم منه للحرب، لكن التطرف يريد تغيير تلك الطبيعة بالقوة وتوجيهها للحرب، بحجة المغانم التي يكسبها، وهي ليست مغانم بقدر ما هي سرقة بالقوة والعنف لممتلكات وثروات الناس وبلدانهم وميراثهم الطبيعي، وهي بالمقاييس العادية حقارة، لكن التطرف بكل صفاقة يجعلها مشروعه وحقًا من حقوقه الطبيعية، بالحرب والعنف.

لا يوجد شيء يستثير التطرف مثل الحرب المشتعلة، لأن اندلاع الحرب يوقد نار العنف داخل الجميع، حتى لو كانوا معتدلين وغير متطرفين، إنها وسيلة التطرف القديمة والتقليدية في جر الجميع للحرب، شاءوا أم أبو، بحيث لا يجد الجميع أمامهم غير مسار القتال والقتل، أو الهزيمة والرضا بالذل، وقبول الاستفزاز والإهانة.

لا يدرك التطرف أنه تعصّب أعمى، لأن لا وقت لديه، ولأن تلك العلة المتأصلة فيه هي التي تجعله ألعوبة في يد من لديه الدهاء والقدرة على استغلاله، فالتطرف مشغول بذاته، وبمعركته، وبتصنيف الناس إلى مع وضد، وهو في اشتعال دائم لا يملك القدرة على أكثر من الاشتعال وإشعال الحرائق ومواصلة التفجيرات، وفي عالمنا اليوم يبدو أن هناك من أصبح بمقدوره الاستفادة والتحكم بهذا الثور الهائج، بل وأن يضع المحراث على ظهره ويقوده للمناطق التي يريد زراعتها بمزيد من التطرف، حتى أصبح التطرف في عصر التقنية وملاكها مصدر دخل ووسيلة تحكم متوفرة فعالة ومضمونة النتائج، يجري تعميمها فكريًا على الافراد عبر أجهزتهم الأثيرة.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني

مقالات مشابهة

  • أرض التــطــرف
  • احتفالًا بيوم اليتيم.. فعاليات وأنشطة ترفيهية وندوات توعوية داخل مراكز شباب الشرقية
  • مرصد الأزهر يدين المخطط الإرهابي لاستهداف مساجد المسلمين في سنغافورة
  • وكيل إعلام الأزهر: الدراما تُسلط الضوء على شخصيات لا ترقى إلى التناول
  • تقرير أميركي: ليبيا خارج الاهتمام الدولي رغم تدهور أوضاعها
  • مرصد الأزهر يستنكر إضعاف المحكمة الجنائية الدولية.. ويطالب بمحاسبة مجرمي الحرب
  • تقرير: ترامب يبدأ "حملة تطهير" في مجلس الأمن القومي
  • تقرير: ترامب يبدأ "حملة تطهير" في مجلس الأمن القومي
  • ليبيا تشارك بقمة «الشباب الإفريقية» في إثيوبيا
  • حيداوي يصل إلى أديس أبابا للمشاركة في قمة “قيادات الشباب الإفريقية”