غيوم “أسئلة الفساد” تمطر في الأردن… وحسان برسم “أول تعديل”
تاريخ النشر: 31st, December 2024 GMT
#سواليف
#حراك_برلماني نادر ومفاجئ في المشهد الأردني باتجاه فتح #ملفات باسم “ #الفساد و #الفاسدين ”.
لافت للنظر أن هذا الحراك الذي ترافق مع تسليم ومناقشة التقرير السنوي لديوان المحاسبة في أبعد مسافة ممكنة عن “ملاطفة” الحكومة الجديدة برئاسة جعفر حسان من جهة نواب الموالاة حصريا، وممثلي الأحزاب الوسطية، فيما لم يجتهد نواب المعارضة في نفس الاتجاه.
أحد أعضاء البرلمان، فراس القبلان، طالب علنا تحت القبة بمحاسبة “كل مسؤول أو وزير سابق” تحدث ديوان المحاسبة عن مخالفات في عهده.
مقالات ذات صلة للمرة السادسة .. هيئة الدفاع تتقدم بطلب استبدال عقوبة السجن للكاتب الزعبي 2024/12/31نائب آخر ذهب أبعد من ذلك وهو يتحدث عن إعداد “ #قائمة_سوداء ” احتراما للشعب الأردني تضم أسماء الوزراء والمسؤولين السابقين الذين تورطوا في قضايا فساد إداري أو مالي، أو الذين لم يتخذوا إجراءات حقيقية ضد نمطي الفساد.
في الأثناء، مساعد رئيس #مجلس_النواب الشيخ محمد المراعيه، يقترح ما هو أكثر إثارة عندما يوجه أسئلة للحكومة عن “رواتب” عدد من كبار المسؤولين في شركات كبرى تدار من جهة القطاع العام، حيث تحدث النائب عن “رواتب ضخمة وخيالية” تعاكس كل المألوف عند الأردنيين.
المراعية تحدث عن مدير كبير في إحدى الشركات “راتبه الشهري” يزيد عن راتب رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، ثم أشار إلى نفس المدير قائلا إن دخله من عدة شركات وعضويات، يزيد عن دخل خمسة على الأقل من رؤساء الدول.
قبل ذلك، أحال النائب أحمد هميسات سؤاله الدستوري إلى استجواب للحكومة بسبب “رواتب غير مفهومة وتعيينات” في بلدية العاصمة عمان.
وخلال النقاشات على هامش مشروع الميزانية المالية، بدا أن نواب الوسط يلاحقون ويطاردون بحرفية رواتب ومداخيل عدد كبير من كبار الموظفين والمستشارين التابعين لمؤسسات مستقلة أو شركات مملوكة للحكومة.
عاصفة من الأسئلة الدستورية سجلت ووثقت تسأل عن مكافآت سائقين ومرافقين ومستشارين وأحيانا سكرتيرات في هجمة غير مسبوقة دفعت بأسئلة برلمانية علنا بعنوان الفساد والفاسدين، علما بأن جبهة نواب المعارضة تركز على الرقابة والتشريع وليس التشهير ببعض كبار الموظفين والمؤسسات.
المراعية أيضا وجّه سؤالا للحكومة عن الأسباب التي تحول دون استعادة شخصية تقيم بالخارج مدانة من القضاء الأردني بأكثر من 300 مليون دينار لابد من استعادتها.
يمارس مجلس النواب طبعا حقوقه الدستورية في هذا السياق. لكن منسوب التركيز الغريب على الرواتب والمكافآت ينطوي على مبالغات في ملف الفساد المالي والإداري، والأهم أن نشغيل عدة نواب لخاصية الحديث عن ملفات فساد مسكوت عنها “ظاهرة مباغتة” لم تجد تفسيرا بعد.
هذه الملاحقات تنفجر كألغام شعبوية في حضن حكومة مستحدثة تعتبر نفسها ممثلة للتكنوقراط الاقتصادي ولديها برنامج طموح على صعيد الرؤية التحديثية الاقتصادية والعمل الميداني. ووصل الأمر أن بدأ وزراء بارزون يتذمرون من “أمطار الأسئلة” التي ترهقهم وتنهمر على وزاراتهم من نواب الموالاة بشكل يومي وبصورة غير مسبوقة.
أمطار الأسئلة الدستورية مخلوطة بغيوم تتحدث عن “تواطؤ” مع ملفات الفساد وتقصير شديد، فيما لم تعرف الحكومة بعد الخلفية والأسباب والدوافع أمام حملة من هذا النمط في ظرف اقتصادي وإقليمي حساس عموما وحصرا من جهة نواب محسوبين على تيارات الولاء.
رئيس الوزراء جعفر حسان وبعد العبور بمشروع الميزانية المالية، قد يخطط لاحتواء “عاصفة الأسئلة والاستجوابات” بإجراء أول تعديل وزاري على طاقمه أملا في تسجيل انحيازات تخفف من حدة هجمة الأسئلة الدستورية.
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: سواليف حراك برلماني ملفات الفساد الفاسدين قائمة سوداء مجلس النواب
إقرأ أيضاً:
ترامب.. والعقد الاجتماعى للحكومة الأمريكية
استمرت حدة الانقسام فى الولايات المتحدة الأمريكية بين مؤيد ومعارض لسياسات الرئيس دونالد ترامب فيما يتعلق بمنظمات الحكومة الفيدرالية، خاصة مع إصداره أمرا تنفيذيا يمهد لحل وزارة التعليم الفيدرالية ونقل مسئولية التعليم بالكامل إلى الولايات، بعيدا عن سلطة الحكومة الفيدرالية.
لفهم التطورات الأخيرة فى الولايات المتحدة فيما يتعلق بعلاقة الرئيس بالمنظمات الإدارية على المستوى الفيدرالى، علينا أن نضع سياسات ترامب فى سياقها الفكرى والمؤسسى والتاريخى.
إذا فعلنا هذا، سنجد أن أساليب ترامب لا تخالف أساليب رؤساء آخرين قبله من الحزبين الجمهورى والديمقراطى، خاصة فيما يتعلق بالتوسع فى استخدام الأوامر التنفيذية وفرض هيمنة الرئيس على إدارة المنظمات الحكومية، فى مقابل تراجع أدوار السلطتين التشريعية والقضائية.
الخلاف إذا يكمن فى محتوى سياسات ترامب التى تخالف مبادئ استقرت فى النظام الإدارى للدولة، يأتى على رأسها مبادئ الفصل بين السلطات وقيم التقدم والمساواة والعدالة، إضافة إلى التخوف من إضعاف قدرة الحكومة المركزية على التدخل فى مجالات مثل حماية البيئة والرعاية الصحية والتعليم.
فكريا، تعكس الخلافات حول سياسات ترامب الإدارية جدلا تعود جذوره إلى الآباء المؤسسين للدستور الأمريكى، تحديدا جايمس ماديسون، وألكساندر هاميلتون، وتوماس جيفرسون.
دعا ماديسون إلى تأكيد التوازن بين السلطات التنفيذية (الرئاسة) والتشريعية (الكونجرس) والقضائية (المحاكم) لمنع أى منها من الانفراد بالسلطة لحماية الديمقراطية وحقوق الأقليات.
أما هاميلتون فكان داعيا إلى سلطة تنفيذية قوية بقيادة الرئيس، بينما دعا جيفرسون، الذى صار الرئيس الثالث للولايات المتحدة، فى المقابل إلى دعم سلطات الولايات وتحجيم سلطة الحكومة الفيدرالية.
تعكس سياسة ترامب تجاه الدولة الإدارية أفكار كل من هاميلتون وجيفرسون، وهو يتنقل بينهما حسبما تقتضى الحاجة. فهو هاميلتونى النزعة فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية وسياساته المعادية للأقليات سواء داخل الجهاز الإدارى أو فيما يتعلق بقضايا مثل الهجرة.
وتعكس هذه السياسات نوعا من العنصرية غير المبطنة، تعود بعض جذورها إلى ما قبل صدور قانون الحريات المدنية Civil Rights Act عام 1964. كما تعكس نزعة ذكورية عدوانية ربما تجد هوى لدى قاعدة من مؤيديه من المحافظين البيض.
وهو جيفرسونى فيما يتعلق بالسياسات الاجتماعية، حيث يفضل تأكيد اختصاص الولايات فى إدارتها، وهو توجه غالب لدى الجمهوريين. على سبيل المثال، دعم ترامب إلغاء الضمانة الدستورية للحق فى الإجهاض التى أسستها المحكمة الدستورية العليا فى حكمها الشهير عام 1973 فى القضية المعروفة بـ Roe v. Wade، وذلك عن طريق نقل تطبيق القانون الذى أقرته المحكمة العليا إلى الولايات، الأمر الذى من شأنه أن يسمح للولايات الأكثر محافظة بوضع تشريعات مقيدة للإجهاض.
وفيما يتعلق بالتعليم، جاء إلغاء الوزارة الفيدرالية متسقا مع الدستور الذى يجعل التعليم بالأساس من مسئولية الولايات قبل الحكومة الفيدرالية، وتعبيرًا عن رفض المحافظين لتدخل الحكومة الفيدرالية فى هذا المجال.
يرى البعض أن سياسات ترامب العدوانية جهة مؤسسات الحكومة الفيدرالية تخالف توجهات هاميلتون التى هدفت إلى تقوية إدارة الرئيس الأمريكى، بينما قد تؤدى سياسات ترامب إلى إضعاف السلطة الفيدرالية، التى قد تجد نفسها عاجزة عن الاستجابة لأزمات مثل الكوارث الطبيعية، أو التدخل المؤثر فى سياسات اجتماعية بهدف ضمان العدالة والإتاحة، كما فى سياسات التعليم.
مؤسسيا، تطورت العلاقة بين الكونجرس والرئاسة والقضاء فيما يتعلق بإدارة الدولة ومنظماتها على مدار عقود. الأصل فى الدستور الأمريكى هو الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية مع التوازن بينها، والتأكيد على أن لكل سلطة القدرة على أن تراقب الأخرى. وقد سعت السلطات الثلاث إلى الرقابة على الجهاز الإدارى بالنظر إلى القناعة التى سادت منذ منتصف القرن العشرين بعدم إمكانية الفصل بين السياسة والإدارة، وأن الأجهزة والمصالح الحكومية تقوم بأدوار تشريعية وقضائية فى إطار تفسيرها وتطبيقها للقوانين.
يمارس الكونجرس صلاحياته الرقابية من خلال الموازنة، وباعتباره الجهة المختصة بإنشاء وهيكلة منظمات الحكومة الفيدرالية، بينما يمارس القضاء سلطاته من خلال أحكامه الإدارية.
لكن مع الوقت توجهت النظرية والممارسة فى مجال الإدارة العامة الأمريكية نحو الاعتراف بمركزية دور الرئيس فى قيادة المنظمات الفيدرالية، وتوسيع صلاحياته فى هذا المجال، وهى النظرة التى تطورت لاحقا فى نظرية «وحدة السلطة التنفيذية» Unitary Executive Branch Theory، التى تسمح للرئيس بممارسة سلطات واسعة على منظمات الحكومة الفيدرالية بما فيها الوزارات والمصالح الحكومية، مع تقييد الأدوار الرقابية للكونجرس والمحاكم.
هذه النظرية تطبيق لأفكار هاميلتون على حساب أفكار جيفرسون، وهو ما أيده الكونجرس بتفويض كثير من صلاحياته للرئيس منذ أربعينيات القرن العشرين. وسار القضاء على نهج الكونجرس فيما يتعلق بالتوسع فى منح الاستقلالية للرئيس والأجهزة الإدارية فى إدارة شئونهم. على سبيل المثال، أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكما عام 1984 فى قضية Chevron USA v. Natural Resources Defense Council أقرت فيه بحق الأجهزة الإدارية فى تفسير اختصاصاتها الواردة فى القانون، وهو إقرار بدور تشريعى للمنظمات الإدارية.
وارتبط القبول بنظرية «وحدة السلطة التنفيذية»، والأفكار المماثلة السابقة عليها، التوسع فى استخدام الأوامر التنفيذية Executive Orders، وهى قرارات يصدرها الرئيس الأمريكى، ويكون لها قوة القانون، دون الرجوع إلى الكونجرس.
وعلى نفس النهج، حاول العديد من برامج الإصلاح الإدارى فى الولايات المتحدة تأكيد قيم الكفاءة الحكومية وتقليل الإجراءات الإدارية التى ترتبط برقابة الكونجرس والمحاكم، وهى المبادرات التى تبنتها إدارات ديمقراطية وجمهورية، وارتبطت من الناحية الفكرية على الأقل بهيمنة السلطة التنفيذية بقيادة الرئيس على السلطتين التشريعية والقضائية.
ما الجديد إذن فيما جاء به ترامب ليثير الانقسام فيما يتعلق بسياساته جهة الحكومة الفيدرالية؟ لقد استخدم مثل سابقيه الأوامر التنفيذية لتدشين سياساته، مثل الأمر التنفيذى الأخير لتفكيك وإنهاء وجود وزارة التعليم. وأكدت سياساته على مركزية دور الرئيس باعتباره رئيس السلطة التنفيذية والمهيمن على عمل الجهاز الإدارى، وهو فى هذا لا يختلف عن المبادئ التى تبناها بايدن وأوباما وبوش الابن وكلينتون.
وإذا نظرنا إلى العديد من برامج الإصلاح الإدارى فى العقود الأخيرة، خاصة خلال إدارات ريجان وكلينتون وبوش الابن، فسنجد أنها تمحورت حول تقليص حجم الحكومة الفيدرالية وتبسيط الإجراءات والاعتماد على آليات القطاع الخاص فى الإدارة الحكومية، وهى مبادئ لا تختلف كثيرا عما جاء به ترامب.
أرى أن محور الخلاف فى سياسات ترامب الإدارية يرجع إلى انقلابها على ما يمكن تسميته «العقد الاجتماعى» فى الإدارة الحكومية الأمريكية. يشير مصطلح «العقد الاجتماعى» إلى نوع من الصفقة بين الحكام والمحكومين، يتنازل فيها كل طرف عن بعض الحقوق فى مقابل التزامات على الطرف الآخر.
أرى أن العقد الاجتماعى للإدارة العامة الأمريكية ارتبط بتنازل السلطتين التشريعية والقضائية عن قدر معتبر من أدوارهما الدستورية فى الرقابة على المؤسسات الإدارية، بما فى ذلك الرقابة على الممارسات الإدارية للرئيس، وذلك فى مقابل تضمين قيم وممارسات ديمقراطية فى آليات عمل الأجهزة الإدارية الأمريكية.
هذه القيم والممارسات ترتبط بمبادئ الشفافية والعدالة الإجرائية وحماية الأقليات. ومن الأمثلة فى هذا المجال قانون حماية تداول المعلومات Freedom of Information Act الصادر عام 1966، ومبادرات التنوع والمساواة والدمج Diversity, Equity, and Inclusion ، وهى المبادرات التى توسع بعضها بأوامر تنفيذية خاصة خلال إدارات كلينتون وأوباما وبايدن، وتم تضييقها بأوامر تنفيذية أيضا خلال إدارة ترامب الأولى والحالية.
فى هذا السياق الذى من شأنه أن يدشن عقدا اجتماعيا جديدا، من المتوقع أن تشهد الساحة الأمريكية سجالات من أنواع مختلفة. بعض المواجهات ستكون فى ساحات القضاء، وقد سبق للقضاء أن أوقف عددا من الأوامر التنفيذية لترامب خلال فترته الأولى والثانية. ستشهد المحاكم مزيدا من المواجهات حول العلاقة بين الرئيس والكونجرس فيما يتعلق بالإدارة الحكومية، والقيم التى ينبغى أن تقود العمل الإدارى.
وقد يتجه القضاء للسعى إلى استعادة دوره الرقابى على الإدارة الحكومية، وهو ما شهدنا بوادره فى حكم المحكمة الدستورية العليا عام 2024 فى قضية Loper Bright Enterprises v. Raimondo، حيث ألغت المحكمة حكمها السابق فى قضية Chevron الذى أشرنا إليه سابقا لصالح تأكيد دور القضاء فى تفسير القوانين الإدارية.
وفى حال تمكن الحزب الديمقراطى من تحقيق أغلبية فى الكونجرس فى انتخابات نوفمبر 2026، قد يسعى الأخير لإعادة صياغة العقد الاجتماعى الحكومى فى أحد شقيه أو كليهما، أى فيما يتعلق بصلاحيات الرئيس واستعادة مبادئ الفصل بين السلطات، أو التأكيد على مبادئ أساسية فى عمل الجهاز الإدارى مثل التنوع والدور التنسيقى للحكومة الفيدرالية فى مجالات مثل الحماية الاجتماعية وضمان المساواة.
رغم حالة الترهيب السائدة حاليا، قد نجد تحركات فى الشارع على غرار حركة احتلال وول ستريت Occupy Wall Street Movement، أو حتى تحركات أكثر عنفا تسعى لضمان السيطرة على استقلالية الرئيس الأمريكى بما لا يخرج بها على القيم والقانون الأمريكى.
وأيا كانت آليات ومخرجات المواجهات الحالية والمتوقعة، فلا شك أنها ستكون مفصلية فى رسم ملامح الإدارة العامة الأمريكية، وربما المجتمع الأمريكى بوجه عام، لأعوام قادمة.
(الشروق المصرية)