قال سكان ومقاتلون إنه تم إجلاء عائلات ضباط جيش خدموا في عهد الرئيس السوري السابق بشار الأسد من مساكنهم المدعومة داخل تجمع سكني، لإفساح المكان لأفراد من المعارضة وعائلاتهم.

ويعد تجمع معضمية الشام، الذي يؤوي مئات الأشخاص داخل أكثر من 12 مبنى، واحدا من عدة تجمعات خصصت للضباط في عهد الأسد.

ومع إعادة هيكلة الجيش بالقوات التي قاتلت إلى جانب المعارضة، وتسريح الضباط الذين خدموا في عهد الأسد، كان من المتوقع إخلاء مساكن الضباط.

لكن إحلال مقاتلين قضوا سنوات في أراض ريفية فقيرة كانت تسيطر عليها المعارضة محل ضباط الأسد سريعا، يظهر التحول المفاجئ في حظوظ مؤيدي كل جانب في الصراع.

وكُتبت أسماء فصائل المعارضة التابعة لهيئة تحرير الشام، التي سيطرت على دمشق في 8 ديسمبر الجاري، بالطلاء على مداخل المباني لتحديدها على ما يبدو لمقاتلي كل فصيل.

وقال 3 مقاتلين في التجمع السكني و4 نساء يقمن هناك ومسؤول محلي يجهز الوثائق للمغادرين، إن عائلات الضباط أُعطيت مهلة 5 أيام للمغادرة.

وقالت بدور مقديد (38 عاما) زوجة ضابط استخبارات عسكرية سابق تعيش في معضمية الشام: "أكيد حزينة لأنني سأترك مسكني. تعودنا على بعض. نحن جيران. أصدقاء. الآن كل واحد أصبح بمكان".

وأضافت أن زوجها، الذي وقع على أوراق تعترف بالسلطات الجديدة وسلم سلاحه، عاد بالفعل إلى منزل عائلته في محافظة اللاذقية، معقل أسرة الأسد، وأنها وأطفالهما سيلحقون به.

وشأنها شأن عائلات أخرى تغادر التجمع، تحتاج بدور إلى وثيقة من سلطات البلدية تقول إن العائلة تغادر محل سكنها وتمنحها تصاريح لنقل متعلقاتها.

وقال خليل الأحمد (69 عاما)، وهو مسؤول في الإدارة المحلية، إن العائلات بدأت تتصل به منذ عدة أيام للحصول على الوثيقة، وإنه تم تقديم نحو 200 طلب للحصول عليها حتى الآن.

وذكر أن الإدارة الجديدة لم تتصل به رسيما بخصوص هذا التغيير، وأنه لم يعلم به إلا عندما بدأ السكان يطلبون منه تلك الوثيقة.

ولم يرد المتحدث باسم هيئة تحرير الشام على طلبات للتعليق حتى الآن.

نازحون

تترقب الأنظار بشدة أي مؤشر على كيفية تعامل الإدارة السورية الجديدة مع قوات النظام السابق، وحقوق ملكية العقارات في بلد شهد نزوح ملايين السكان منذ اندلاع الحرب عام 2011.

وظهر أحمد الشرع، قائد الإدارة الجديدة في سوريا، في مقطع مصور في وقت سابق من هذا الشهر وهو يطلب من سكان المنزل الذي كانت تسكنه عائلته في دمشق إخلاءه للسماح لعائلته بالعودة إليه.

وبدأت بعض عائلات قوات النظام السابق التي تسكن قرب مجمع معضمية الشام في الرحيل، أما الوحدات المدعومة فيتم إجلاء القوات منها.

وكانت عيدة زيتون (52 عاما) تحزم أمتعتها في أكياس بلاستيكية سوداء، بينما تستعد لمغادرة شقتها المكونة من غرفتين متجهة إلى الساحل.

وقالت إن ابنها في الجيش انتقل إلى الساحل أيضا، وليس هناك سبب لبقائها.

وقال أحد النازحين: "نحن خرجنا من بيوتنا. من مناطقنا. في ليلة مظلمة بالثياب التي نرتديها. الحمد لله أنهم سمحوا لهم يخرجوا مع أغراضهم".

المصدر: سكاي نيوز عربية

كلمات دلالية: ملفات ملفات ملفات معضمية الشام الأسد اللاذقية هيئة تحرير الشام قوات النظام السابق سوريا معضمية الشام معضمية الشام الأسد اللاذقية هيئة تحرير الشام قوات النظام السابق أخبار سوريا

إقرأ أيضاً:

خمسون عامًا من الانقلابات والتدخلات.. قراءة في تاريخ سوريا السياسي

الكتاب: خمسون خريفًا على سوريا... بين حركات عسكرية وتدخلات دولية (1949 - 1999)
الكاتب: محمد عبد الرحمن عريف
الناشر: دار نشر: مرايا- الإمارات، 2025م.


عاشت المنطقة العربية بين خمسينيات وستينيات القرن الماضي قدر من التفاعلات الداخلية التي لا يمكن إغفالها عن وقائع الأحداث التاريخية التي عرفتها، وهي تتوافق في البلدان النامية كافة مع انتشار الحركات القومية ومساعي أتباع الملكية للبقاء في السلطة، مقابل إصرار التيارات الحزبية اليسارية واليمينية على حد سواء، في الاستيلاء على سدة الحكم والإمساك بها عبر شتى السبل، بما في ذلك اللجوء إلى الكفاح المسلح الذي كان استثناء في المنطقة، مقابل القاعدة العامة وهي الاستعانة بوحدات الجيوش النظامية الحديثة وقادتها لبلوغ طموحاتها في الحكم.

غلب الطابع العسكري على غالبية الحركات التي شهدتها المنطقة، بل يمكن القول إن الانقلابات السياسية أيضًا كانت غالبًا ما تفرز حكمًا يكتسب شرعيته من رجال الجيش الذين عادة ما ينضمون إلى النظام الجديد فيحتلون مراتب وزارية كما فعل حافظ الأسد حين تولى حقيبة وزارة الدفاع إثر الإطاحة بأمين الحافظ عام 1966م، فبدّل بزّته العسكرية بأخرى مدنية حتى أصبح رئيسًا للدولة إثر احتدام الصراعات على السلطة بين البعثيين أنفسهم. وهذا هو حال أحمد حسن البكر وصدام حسين الذي أجبره لاحقًا على الاستقالة، كذلك حال البقية الباقية من الانقلابيين العرب وصولًا إلى آخر انقلاب عرفه العرب مع نهاية القرن العشرين.

شهدت معظم الدول العربية الحديثة مجموعة متغيّرات مأساوية لأنظمة الحكم فيها خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية عند وقوع أول انقلاب في العالم العربي بسورية عام 1949 م من رئيس الأركان آنذاك حسني الزعيم، فما لبث أن تبعه الجيش العراقي فأنهى حكم الهاشميين في انقلاب قاده عبد الكريم قاسم عام 1958، لتتوالى الانقلابات التي وُصف بعضها بالأبيض والآخر بالأسود والدموي، ولكن الثابت فيها أن الجيش كان في الغالب محور التغير.

لم تشهد سوريا أول انقلاب في العالم العربي فحسب بل سجّلت الرقم القياسي من حيث عدد الانقلابات، وصل عددها تسع انقلابات منذ عام 1949 م، شكلت تلك الانقلابات العسكرية والمدنية بمجموعها منعطفات تاريخية هامة في الحياة السياسية لبلدان المنطقة، خصوصًا وأن بعضًا من ورثة رموزها ما زال يحكم حتى اليوم، بالرغم من التعقيدات السياسية الداخلية والخارجية التي تميّز هذا العصر.أشار عريف في دراسته إلى أن أغلب مشاهد الانقلابات التي تكررت في بلدان العالم، قد شهدت ظاهرة اتهام دول عربية وإقليمية أخرى في الإعداد لها أو التآمر مع الانقلابيين أو ضدهم حسب التحالفات الإقليمية المطلوبة، هذا ما شوهد في أدوار لعبتها مصر والسعودية والعراق في بعض منها، فيدفعنا ذلك لاعتبار المشهد الإقليمي في بعض الانقلابات من العناوين الرئيسية للانقلابات، فعلى المستوى السوري ورد في الوثائق المتعلقة بانقلاب سامي الحنّاوي في سوريا عام 1949، المتمثل في علاقة العراق بالانقلابيين، وارتباطه بفكرة الكونفدرالية التي كان ينادي بها الهاشميون في بغداد، وما إلى هنالك من مخاوف وأطماع توسعية إقليمية مشابهة وقفت وراء الكثير مما عرفته المنطقة من انقلابات.

لم تشهد سوريا أول انقلاب في العالم العربي فحسب بل سجّلت الرقم القياسي من حيث عدد الانقلابات، وصل عددها تسع انقلابات منذ عام 1949 م، شكلت تلك الانقلابات العسكرية والمدنية بمجموعها منعطفات تاريخية هامة في الحياة السياسية لبلدان المنطقة، خصوصًا وأن بعضًا من ورثة رموزها ما زال يحكم حتى اليوم، بالرغم من التعقيدات السياسية الداخلية والخارجية التي تميّز هذا العصر.

يضيف الكاتب: "جاءت الانقلابات العسكرية والسياسية بأشكال وأعذار مختلفة. وتحوّل الانقلابيون فيها إلى زعماء أقاموا هيئات ومجالس عينوا أنفسهم قادة عليها وعملوا من خلالها على تحويل مجريات الأحداث السياسية في البلاد، بعد أن منحوا أنفسهم الحق المطلق في امتلاك الرأي السديد في توجيه البلاد وتحديد مستقبلها".

الحقيقة التي يقرها الكاتب هنا أن الحركات العسكرية ليست حدثًا عفويًا أو ردود أفعال وقتية، بل هي مخططات مرسومة من إجهاض إيمان الشعوب في أن خلاصهم السياسي في استكمال مسيرتهم نحو سقف لا محدود من الديمقراطية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، من خلال فرض وصاية غير شرعية بنكهة عسكرية على الإرادة الشعبية. فـ(البرجماتية العسكرية) هي التي تبرر هذا الوثوب اللا أخلاقي على إرادة الشعوب، ومصادرة اختياراتها، وهي شارع طويل المدى، شاحح الملامح، صامت المعاني، أصم المنافذ لا مداخل فيه ولا مخارج، ولا مجال فيه للبحث والتفكير والالتفات، لكن دائمًا وأبدًا تنظر للأمام حتى لو على حساب سحق الشعوب، وقتل اختياراتها.

تحدث الكاتب عن الانقلابات العربية بقوله: "قد يكون خطط البعض كي تبقى المنطقة ساحة تناحر وتطاحن، لإقامة توازنات إقليمية جديدة في حينها، حدث تغير لمعالم المنطقة من جديد بعد 1948، مع تواجد الكيان الإسرائيلي، وهنا خطط البعض لوأد أي تغيير عن طريق أزمات اقتصادية، وتطاحن (إثني وقبائلي وطائفي)، وصناعة (الصراع المذهبي) في بعض دول المنطقة، وقد يكون بالتدخل المباشر أو عن طريق مندوبين، على أن يتم تتويج ذلك بسيناريوهات الحركات العسكرية".

عندما عانى حافظ الأسد من مشاكل قلبية في عام 1983م، قام بتشكيل لجنة من ستة أعضاء لإدارة البلاد، ولم يكن اسم شقيقه رفعت الأسد مدرجًا على القائمة، في حين أن يتألف من أنصار حافظ الأسد المقربين من المسلمين السنة، بدأ عدد الضباط ذوي الرتب العالية بالالتفاف حول رفعت الأسد، حاولت قوات رفعت الأسد فرض السيطرة على دمشق، بمحاولة واضحة لخلافة شقيقه حافظ، كانت التوترات بين القوات الموالية لرفعت الأسد والقوات الموالية لحافظ الأسد شديدة، ولكن بحلول شهر سبتمبر/أيلول عام 1984 كان حافظ الأسد قد تعافى وتولى السلطة، عندها احتشد معظم الضباط حوله، وأصبح رفعت الأسد نائباً للرئيس بالإضافة إلى المسؤولية عن الشؤون الأمنية، فيما بعد أُرسل رفعت الأسد إلى الخارج في زيارة عمل مفتوحة حيث تم تطهير الجيش السوري وحزب البعث من مؤيدي رفعت الأسد الذين لم يثبتوا ولائهم لحافظ الأسد، فيما بعد بقي رفعت الأسد في المنفى ما بين فرنسا وإسبانيا، وبقي محتفظاً بلقب نائب الرئيس حتى عام 1998، عندما تم تجريده من اللقب.

بدأ الترويج لوارثة بشار الأسد السلطة، بتسليمه ملفات مهمة، مثل ملف لبنان، وتدخله في العديد من القضايا الداخلية، بالرغم من أنه لم يكن يشغل أي موقع وظيفي رسمي في الدولة، وهذا ينطبق على طبيعة الأنظمة الملكية، وليس الجمهورية الدستورية. يقول الكاتب:" كانت غاية تدخله في بعض الملفات الداخلية هي إظهاره كرجل تغيير وإصلاح، طالما انتظره السوريون كي يكون أملًا لهم، وأطلقوا تعبير: “باسل المَثَلْ وبشار الأمَلْ”. وشمل بشار باهتمامه قضايا الإدارة والاقتصاد، ووجد من قدّم له فكرة “الإدارة بالأهداف”، وهي أحد مناهج الإدارة التي تهدف إلى تحسين أداء الشركة، عبر وضع استراتيجية عامة لفترة زمنية محددة"، في عام 1999، فاز الأسد بأغلبية ساحقة في الاستفتاء الذي جرى على تجديد ولايته الدستورية الرئاسية لسبع سنوات، وهو ذات العام 1999، الذي جرت حملة اعتقالات واسعة النطاق على يد قوات الأمن السورية لأنصار وأقارب رفعت الأسد. ومن ثم أغلقت العديد من مصالح رفعت الأسد.

من واقع طرح الكاتب لفصول هذه الدراسة هناك ثقافة متجذرة في المنطقة العربية هي ثقافة الحركات العسكرية، التي لها أعوان وأنصار وأولياء وخدم وعبيد لا يرون عزهم إلا في ركاب العسكر، ولا يتحقق سلطانهم وولايتهم إلا بفوهة البنادق ومن على ظهور الدبابات، ومن العراق شرقًا إلى موريتانيا غربًا، ومن سوريا شمالًا إلى اليمن والصومال وجزر القمر جنوبًا، كانت الحركات العسكرية حاضرة بقوة في المشهد السياسي، وكانت لها كلمة الفصل في وأد تجارب الديمقراطية الوليدة في منطقة أريد لها دائمًا أن تظل أسيرة النظم السلطوية الشمولية، ومن وسط زخم كبير لتجارب الحركات العسكرية ركز الكاتب على سوريا، فكان لكل انقلاب عسكري فيها مذاق مختلف عن الآخر.

العريف ربط الحركات العسكرية في بعض الدول بالقضية الفلسطينية، وهذا ما وضع النهضة في طريق مسدود في بعض الأحيان؛ فإما الارتماء في حضن الدكتاتورية العسكرية، أو في حضن القومية السياسية. وهذا ما خلق التناقض بين القومية نفسها، بعد أن قامت النهضة على التفاعل بين هذين المفهومين طوال القرن التاسع عشر. حيث تقدم الكواكبي في بلاد الشام بصيغة الديمقراطية الدستورية، وإقامة الخلافة العربية على هذه القاعدة الديمقراطية، وفصل الدين عن السياسة، وإن أطبقت نظم الدكتاتوريات العسكرية “التقدمية” على العالم العربي.

تناول الكاتب في هذه الدراسة تاريخ سوريا بعد هزيمة حرب 1948، لتبدأ مرحلة داخلية صعبة في النظام السوري تمثلت بسلسلة حركات عسكرية بدأت بانقلاب حسني الزعيم، ثم انقلاب سامي الحناوي، وانقلاب الشيشكلي الأول بعد التحضير للاندماج مع المملكة العراقية ضمن مشروع وحدة الهلال الخصيب، أما انقلاب الشيشكلي الثاني عام 1951 أدى إلى تسلّمه السلطة منفردًا حتى خلع بنتيجة احتجاجات 1953، تليها فترة ربيع الديمقراطية 1954-1958م، التي تميزت بسوء العلاقات مع تركيا، وتصاعد النفوذ الناصري الذي وصل ذروته بإعلان الجمهورية العربية المتحدة مع مصر عام 1958 بضغط من ضباط الجيش، وهو نفسه وبنتيجة «أخطاء الوحدة» أعلن فك الارتباط معها بانقلاب عام 1961م.

كذلك عرض الكاتب الجمهورية الثانية، بداية بانقلاب 1963، عندما قامت فرق بعثية في الجيش بالانقلاب على الحكم في 8 مارس، وهو ما أدى إلى إلغاء الدستور، وحل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ونفي غالب الطبقة السياسية إلى خارج البلاد، وتميزت السنوات اللاحقة بالصراع داخل أجنحة البعث المختلفة، ما أدى إلى انقلابين آخرين الأول هو انقلاب 1966م، الثاني هو الحركة التصحيحية عام 1970م التغييرية في الجمهورية العربية السورية، والخطة المحبوكة التي أوصلت وزير الدفاع حافظ الأسد إلى السلطة، وتخلل الانقلابين خسارة الجولان خلال حرب 1967، بينما أفضت حرب 1973 إلى استعادة أجزاءٍ منه أهمها القنيطرة. من ثم كرس دستور عام 1973م، نظام الحزب الواحد باعتبار البعث "قائدًا للدولة والمجتمع".

عانت سوريا من أزمة اقتصادية وكساد في الأسواق بين عامي 1985 - 1990. ومن ثم شاركت عام 1991م في مؤتمر مدريد الذي قبلت به بالسلام مع إسرائيل مقابل إعادة الجولان، إلا أنها لم تستكمل مفاوضاتها، كذلك أخذت تتجه تدريجيًا نحو التخلّي عن المبادئ الاشتراكية باتجاه السوق المفتوحة، وإن لم تطرأ تغييرات تذكر على نظام الحزب الواحد.

تناول الكاتب في هذه الدراسة تاريخ سوريا بعد هزيمة حرب 1948، لتبدأ مرحلة داخلية صعبة في النظام السوري تمثلت بسلسلة حركات عسكرية بدأت بانقلاب حسني الزعيم، ثم انقلاب سامي الحناوي، وانقلاب الشيشكلي الأول بعد التحضير للاندماج مع المملكة العراقية ضمن مشروع وحدة الهلال الخصيبانتهجت الكثير من الدول العربية خطى مصر بعد عام 1952، مع تقديم الدعم والتأييد إلى تلك الحركات راغبة في نشر فكرها الاشتراكي وتكوين وحدة عربية قومية تستطيع أن تقوم دورًا هامًا في السياسة الدولية؛ إلا أن فتح ذلك الباب لتلك الحركات لم يغلق أبدًا، وتحول الأمر من رغبة في تقديم نموذجًا موحدًا إلى الرغبة في السلطة والاستئثار بها دون الآخرين، فأصبح الحكام العرب يتفردون بالسلطة ويقتلون الحياة السياسية وينتهكون حقوق الإنسان من أجل مصالحهم الشخصية، كما أن أحوال تلك الدول لم تتحسن أبدًا فيتذيَّل اقتصادها اقتصاد العالم، وأصبحت تابعة لسياسات الدول الكبرى التي تقدم لها الدعم الاقتصادي وانهكت ثرواتها، فالكل أدعي أنها ثورات من أجل الشعوب إلا أن الشعوب وحدها من دفعت ومازالت تدفع ثمن الحركات.

نعم هي الحركات العسكرية، أحد أفرع فلسفة (البرجماتية العسكرية) التي تحكم فكر معظم القيادات العسكرية المسيطرة على جيوش العالم الثالث عامة وجيوش محيطنا الإقليمي خاصة. فالانقلاب هو عملية عسكرية بحتة يقوم بها بعض المغامرين العسكريين في جيش تقليدي محترف، من أجل التدخل في مسار العملية السياسية، والتحكم في مقاليد السلطة لمصالحهم الخاصة أو مصالح قوى معينة، سواء داخلية أو خارجية؛ من أجل تأمين وضعية سياسية تجهض محاولات الخروج عن الخطوط المرسومة والنطاقات المحجوزة إقليميًا ودوليًا لهذا البلد، وتعيده مرة أخرى للسير على الدرب القديم والأطر المرسومة سلفًا، أو بعبارة أخرى العودة بالدولة لسياسات النخبة الموروثة.

ختم عريف دراسته بحقيقة راسخة لدى الجميع بأن الولايات المتحدة الأمريكية مدفوعة بقناعتها بضرورة تدعيم نفوذها وحماية مصالحها البترولية في المنطقة فضلاً عن ضمان آمن ووجود "إسرائيل" أيدت تشكيل حلف بغداد عام 1955م، قد ضغطت على سوريا لحملها على الاشتراك فيه، مما أدى إلى تعكر العلاقات (السورية-الأمريكية)، وقد تفاقمت تلك العلاقات أكثر مع توقيع سوريا على صفقة الأسلحة مع الاتحاد السوفيتي الأمر الذي انطوى عليه تطور خطير –من وجهة نظر المسؤولين الأمريكيين –ومن ثم دفعهم ذلك إلى البحث عن السبل الناجعة بهدف منع سوريا من التوجه أكثر نحو الكتلة الشرقية، فالولايات المتحدة أيدت وساهمت بالاشتراك مع بريطانيا في بعض المحاولات الانقلابية التي لم يكتب لها النجاح، وتزامن ذلك مع فشل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وانحسار نفوذ بريطانيا وفرنسا، وعلى الرغم من علاقات التحالف الأمريكية – البريطانية التي تجسدت بعملية (ستراغل)، إلا أن تلك العلاقات كانت تتضمن بعداً تنافسياً تفاوتت حدته خلال تلك المرحلة، ومن ثم أدى إلى فشل تلك المحاولات.

مع زيادة الهموم العربية في أوقات المحن الكبرى والأزمات الضاغطة، كان لا بد أن يتجه تفكير الإنسان العربي إلى مصادر همومه ليدرك أن هناك فجوة حضارية -ليست بالمعنى الإيجابي- ولكنها بالقراءة الثقافية البحتة، فنحن العرب لا ندرك الدلالات الحقيقية للفوارق الثقافية التي تنعكس على أنماط السلوك وطرائق التفكير وأساليب التعامل مع المشكلات، فالغربي بحكم احتكاكه الأكثر بالتقدم الصناعي وحضارة عصر النهضة ثم الثورة الإلكترونية يكاد يكون أكثر استعدادًا بالضرورة للتعامل مع ما يحيط به والدخول في إطار المشكلات دون عواطف جياشة أو مشاعر متأججة بعكس الشرقي العربي الإفريقي المسلم أو المسيحي الذى يتعامل مع الأمور كما يراها وليس كما يتخيلها، فالخيال يعطى بعدًا طويلًا للقرارات، ويسمح لأصحاب الإرادة بممارسة قوة الخيال التي تسمح باستشراف المستقبل وقراءة الواقع بطريقة سليمة.

أوصى الكاتب بنهاية دراسته"خمسون خريفًا على سوريا" بضرورة إعادة النظر في ثنائية (المدني والعسكري) فهما ليس بالضرورة متناقضان بل ما يجمعهما أكثر بكثير من الاختلاف بينهما، والفروق لا تظهر إلا في ظل تدهور المؤسسية في المجتمع.

القارئ لفصول الكتاب يلاحظ أن كاتبها حاول عمل سرد بأسلوب مشوق بلغة الحوار ودقة المعاني والقدرة على التصوير الإيحائي المفعل لعقل المتلقي ليتفاعل مع الصورة والحدث تفاعلًا إيجابيًا، ومن هنا يتسم الجهد بدرجة عالية من الوعي والإخلاص والتفاني العلمي.

مقالات مشابهة

  • كيف نقرأ سوريا الأسد عبر الدراما؟
  • تحريض إسرائيلي ضد وزير سوري في الحكومة الجديدة بسبب طوفان الأقصى (شاهد)
  • هل يوجد الآن-وهنا بديل لـتصحيح المسار في تونس؟
  • تركيا وإسرائيل وحماس.. كيف تغيرت موازين القوى في سوريا؟
  • امتحان الإسلاميين في سوريا
  • ترامب: سنحاول حل مشكلة غزة التي دامت لعقود طويلة
  • حرب إسرائيل في سوريا
  • سوريا: 700 قتيل وجريح بانفجار ألغام وذخائر منذ سقوط الأسد
  • إيكونوميست: ارفعوا الحصار عن سوريا
  • خمسون عامًا من الانقلابات والتدخلات.. قراءة في تاريخ سوريا السياسي