هل ترتفع الفطرة لتكون مسلكا للكشف عن مقاصد الشريعة؟ قراءة في كتاب
تاريخ النشر: 31st, December 2024 GMT
الكتاب: الفطرة وعلاقتها بأصول التشريع الإسلامي دراسة تأصيلية تطبيقية
الكاتبة: د. نجية عابد
الناشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي
الطبعة الأولى: 2024
ثمة مشكلة بحثية يطرحها مصطلح الفطرة تتعلق ابتداء بوصف حالها وطبيعتها، ثم علاقتها بالتشريع، فقد درج القرآن على التعليق على أحكامه وحدوده بأنها من فطرة الله التي فطر الناس عليها، كما درج مفكرو الإسلام على الحديث عن شريعة الإسلام بكونها تستجيب للفطرة المركوزة داخل النفس الإنسانية، وتنسجم مع نواميس الكون (سيد قطب)، فذهب الطاهر ابن عاشور في كتابه "أصول النظام الاجتماعي" إلى أن المقصود بالفطرة الهيئة الأصلية التي خلق عليها الإنسان قبل أن يتلبس بالتعاليم الباطلة والعوائد السيئة، وفسر قوله تعالى:" فطرة الله التي فطر الناس عليها" في تفسيره "التحرير والتنوير" بقوله: "أن الله خلق الناس قابلين لأحكام هذا الدين، وجعل تعاليمه مناسبة لخلقتهم غير مجافية لها، غير نائين عنه ولا منكرين له مثل إثبات الوحدانية، لله لأن التوحيد هو الذي يساوق العقل والنظر الصحيح حتى لو ترك الإنسان وتفكيره ولم يلقَّن اعتقاداً ضالاً لاهتدى إلى التوحيد بفطرته".
لا يختلف تفسير الطاهر ابن عاشور لمفهوم الفطرة في شيء عما ذكره المفسر الأندلسي ابن عطية في المحرر الوجيز، حين قال بأن الفطرة هي: "الخلقة والهيئة التي في نفس الإنسان التي هي مُعِدَّة ومُهَيِّئَة لأن يميز بها مصنوعات الله، ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه" لكن الإشكال الذي يثار في الدراسات الفلسفية أو حتى في الدراسات الأصولية الحديثة التي تحاول اليوم من خلال مطابقة شريعة الله لفطرة الله في خلق الإنسان، أن تمايز بين الاجتهاد الراشد والاجتهاد الذي يتجافى مع مقاصد الشريعة، وتجعل من الفطرة ومقوماتها معيارا للحكم والتقييم.
انطلقت الباحثة من فرضيات صعبة الاختبار، خاصة لما افترضت أن الفطرة تجمع بين كونها دليلا من أدلة الأحكام الشرعية، ومقصدا شرعيا، ومسلكا للكشف عن المقاصد، إذ يقود إثبات هذه الفرضية إعادة تأسيس علم الأصول والمقاصد أو على الأقل تجديد مباحث الحكم الشرعي وأدلة الأصول، ومقاصد الشريعة وطرق الكشف عنها.فإذا كان من الملائم وصف الشريعة بكونها منسجمة مع الفطرة الإنسانية، كما أخبر الله بذلك، فإن هناك صعوبة بحثية وعلمية كبيرة في تسديد الاجتهاد البشري الذي ينطلق من أصول التشريع، بمعيار الفطرة، لأن شرط المعايير المسددة، أن تكون واضحة ومنضبطة ومطردة وقطعية، وهو ما يطرح السؤال حول مفهوم الفطرة الإنسانية، وكيف يمكن أن نحكم على هذا السلوك أو الانفعال أو التقييم بأنه يصدر من داعي الفطرة أو مما يصادمها.
تحاول الباحثة د. نجية عابد أن تقارب هذا الإشكال، ومعه إشكالات أخرى مرتبطة بالفطرة والتشريع الإسلامي، في كتابها:" الفطرة وعلاقتها بأصول التشريع الإسلامي دراسة تأصيلية" الذي أصدره المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وتضع في مقدمتها جملة أهداف سعت إلى تحقيقها من خلال هذا الجهد البحثي، وبالأخص هدف التنظير لمفهوم الفطرة وتأصليه، وبيان موقعه في البناء التشريعي، وكيفية ارتباطه بأصول التشريع الإسلامي، ومدى حضوره في منظومة المقاصد الشرعية، وانعكاسه على الاجتهاد الفقهي الفروعي، إذ بسطت في بحثها جملة إشكالات بحثية تدور في مجملها حول موضعة الفطرة ضمن البناء الأصولي والتشريعي، وفهم دور الفطرة في العملية الاجتهادية، والأثر التي يترتب عن علاقة الفطرة بأصول التشريع الإسلامي.
وقد انطلقت الباحثة من فرضيات صعبة الاختبار، خاصة لما افترضت أن الفطرة تجمع بين كونها دليلا من أدلة الأحكام الشرعية، ومقصدا شرعيا، ومسلكا للكشف عن المقاصد، إذ يقود إثبات هذه الفرضية إعادة تأسيس علم الأصول والمقاصد أو على الأقل تجديد مباحث الحكم الشرعي وأدلة الأصول، ومقاصد الشريعة وطرق الكشف عنها.
ومع أن هذه صاحب هذه المراجعة يحتفظ بنقد عميق لهذه الأطروحة ولمنجيتها ومخرجاتها، إلا أن الجهد المعرفي النوعي الذي قامت به الباحثة، يستدعي ابتداء التعريف به، وتقديمه للقارئ بشكل مستوعب، يمكن من توفير أرضية معرفية، تساعد في مرحلة لاحقة على الانتقال من جهد التعريف إلى التفاعل النقدي مع خلاصات البحث.
في تأصيل مفهوم الفطرة
قسمت المؤلفة بحثها إلى بابين اثنين، وجعلت لكل باب ثلاثة فصول، فخصصت الأول، لتأصيل مفهوم الفطرة وعلاقتها بالحكم الشرعي ومصادره، وتناولت في الثاني علاقة الفطرة بمقاصد الشريعة والاجتهاد وتطبيقات على أثر الفطرة في التشريع الإسلامي، وضمنت خاتمة البحث أهم الخلاصات التي انتهت إليها.
في الفصل المفاهيمي المرتبط بتتبع مفهوم الفطرة في المعجم واللغوي والمفهوم الدلالي عند أهل الاصطلاح، بذلت الباحثة مجهودا كبيرا لإيجاد الرابط بين الدالة اللغوية (الخلق، الإيجاد، الإبداع، الخلقة، القابلية، التهيؤ لمعرفة الحق) وبين المفهوم الدلالي الذي اختاره أهل الاصطلاح، فاختارت أن تحفر في تاريخية المفهوم، وكيف انتقل من الإجماع إلى الاختلاف، وكيف تباينت آراء العلماء حول مفهوم الفطرة تباينا عظيما، فذكرت آراء علماء الإسلام المتقدمين، ثم آراء علماء الإسلام المعاصرين، مركزة بشكل كبير على العلامة الطاهر ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير"، وفي كتابه "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام"، ووجدت تقاربا كبيرا فيما بينها، إذ تميل معظمها إلى تعريف الفطرة بكونها هيئة أو نظام داخل الإنسان، يجعله قابلا لأحكام الإسلام، قادرا على التمييز بين الحق والباطل. ثم عرجت بعد ذلك إلى مفهوم الفطرة في بعض الحقول المعرفية (في الفلسفة وعلم النفس والقانون فضلا عن كتب التعريفات والمعاجم والموسوعات)، فخلصت من ذلك إلى أن أصح ما قيل فيها مجتمعة أن الفطرة عند علماء المسلمين قديما وحديثا وعند الفلاسفة وفي المعاجم والموسوعات وكتب التعريفات هي الهيئة الأولى والاستعداد والقابلية للتمييز بين الحق والباطل، وهكذا اختارت الباحثة تبعا لهذا الحفريات المفاهيمية، تعريفا إجرائيا اعتبرت فيه أن الفطرة هي "النظام التكويني الداخلي في كل إنسان الذي يجعله فابلا للحق وما يقتضيه وقادرا على التمييز".
انتقلت الباحثة إلى التأصيل المفاهيمي، للفطرة من خلال القرآن والسنة، فانطلقت أولا من بحث لفظة الفطرة واشتقاقاتها ومرادفاتها (الصبغة، العهد، التقويم) في القرآن الكريم، واستقرأت آراء المفسرين في مفهوم الفطرة، وخلصت إلى نفس المعنى الدلالي الذي اختارته في الدلالة الاصطلاحية، ثم عرجت بعد ذلك لتتبع لفظة المفهوم، بنفس المنهجية في السنة النبوية، فاستقصت الأحاديث الذي ذكرت الفطرة بلفظها أو اشتقاقاتها أو مرادفاتها، فاستقرأت معنى الفطرة في كل حديث على حدة، ليتحصل لها من مجموع هذه الأحاديث دلالة الفطرة على معنى الدين، والإسلام والقابلية للإسلام، الهيئة الأصلية قبل الانحراف، الخلقة، العهد، الجبلة والقابلية.
هذا، وقد أدرجت الباحثة في سياق بحث مفهوم الفطرة في السنة، علاقة الفطرة بجملة من المصطلحات القريبة إليها (الخلقة، والجبلة، والضمير، والعقل، والوازع وغيرها)، وحاولت أن تقف عند الفروق الدقيقة بين هذه الثنائيات، وأنها في المجمل تمثل جوانب من الفطرة ولا تمثلها في كليتها، وحاولت أيضا أن تقف على خصائص الفطرة (الربانية، الشمول والعموم، الثبات، الاطراد، السننية).
ويمكن القول، بأن الفصل الثاني من الباب الأول، هو بداية البحث، أو بالأحرى بداية اختبار الفرضيات التي انطلقت منها الباحثة، إذ كان مدار هذا الفصل هو إثبات العلاقة بين الفطرة والحكم الشرعي. فبعد بيان مفهوم الحكم الشرعي وأقسامه (التكليفي والوضعي)، انتقلت المؤلفة إلى تثبيت فرضيتها بكون الفطرة هي مدار الأحكام الشرعية، من خلال إثبات عدم التضاد بين الأمر التشريعي (الحكم الشرعي) والأمر التكويني (الفطرة)، فاختارت في مسلك الاستدلال على هذه الفرضية أن تجعل أقسام الحكم التكليفي مرتبطة بمدى موافقة الفطرة ومخالفة المأمور أو المنهي عنه ورُتَب ذلك، فما كان واجبا كانت الفطرة مستجيبة له بحتم وإلزام، وما كان حراما كانت الفطرة رافضة له بحتم وإلزام، وهكذا تتفاوت الرتب بحسب درجة الأمر بين الوجوب والندب، ودرجة النهي بين التحريم والكراهة، وبحسب التخيير، فرتبت الباحثة على ذلك نتيجة استقرأتها من نظرة ابن عاشور للعلاقة بين الفطرة والحكم الشرعي، وهي تنوع رتب الحكم الشرعي بين الأمر والنهي والتخيير بحسب علاقته بالفطرة، ودرجة الحفاظ على سلامتها أو الإخلال بها وهدمها.
وعلى المنوال نفسه، تعاملت الباحثة في موضوع علاقة الفطرة بالحكم الوضعي، بكل أقسامه (السبب، الشرط، المانع، الرخصة، العزيمة، الصحة، الفساد، البطلان)، فاعتبرت أن للفطرة علاقة متينة بتقسيمات الحكم الوضعي، وإن اختلفت صور ذلك من قسم إلى آخر.
وهكذا انتهت الباحثة في الباب الأول، إلى أن الأحكام الشرعية توافق الفطرة وتلازمها، وأن التكليف يدور على مقتضيات الفطرة، فلا تكليف بما يطيقه التكوين الداخلي للإنسان، والعزائم تكون في الأحوال العامة، والرخص تكون في الأحوال الطارئة، وأن الفطرة ترتبط بجميع أركان الحكم الشرعي (الحكم الشرعي، والحاكم، والمحكوم فيه، والمحكوم عليه).
علاقة الفطرة بمصادر التشريع الإسلامي
حاولت الباحثة في الفصل الثالث من الباب الأول، أن تتبع علاقة الفطرة بمصدري التشريع القرآن والسنة (المصادر الأصلية)، ثم في مصادر التشريع المتفق حولها، ومصادر التشريع المختلف حولها. فذكرت جملة من الحجج على وجه ارتباط الفطرة بالتشريع القرآني (موافقة التشريع القرآني للفطرة، التدرج في الأحكام) وذكرت جملة من النماذج التشريعية في القرآن التي تؤكد على هذا التوافق (تشريع الزواج بمقاصده، المحمرات من النساء، حفظ الأبناء ورعاية الآباء، إباحة التعدد للرجال، حب المال والملكية، المواريث)، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الاستدلال على علاقة التشريع في السنة بالفطرة، ومدى توافقه معها، فاكتفت في هذه الفقرة بذكر الأحاديث الدالة على وجود قوة فطرية في الإنسان، والأحاديث التي تراعي فيها السنة النبوية مقتضيات الفطرة الإنسانية.
أما في مبحث الإجماع، فمع اعتراف الباحثة بعدم وضوح العلاقة المباشرة بينه وبين الفطرة، إلا أنها فضلت أن تؤصل لهذه العلاقة من خلال مقدمة الإجماع (الشورى)، وأن الفطرة مستند الإجماع، وعلاقة الفطرة بالأحكام المجتمع عليها، وحاولت أن تقوي تأصيلها بذكر نماذج من مراعاة الفطرة في الإجماع (الإجماع على عدم التكليف بما لا يطاق، الإجماع على أنه لا يصح التكليف بالمستحيل، الإجماع على أن من شرط التكليف العقل والبلوغ، الإجماع على استحالة الجمع بين الحظر والوجوب في فعل واحد من جهة واحدة...).
أما في علاقة الفطرة بالقياس، فاختارت الباحثة أن تؤصل لهذه العلاقة من خلال اعتبار القياس آلية فطرية مركوزة في الفطرة الإنسانية، وأيضا من خلال إثبات علاقة الفطرة بالتعليل، ومن خلال دعوات بعض مفكري الإسلام المعاصرين إلى إعمال ما يسمى بالقياس الواسع، أو ما يسمونه بالقياس الفطري (نموذج حسن الترابي) أي القياس العملي، غير الخاضع للأطر النظرية التي فرعها الأصوليون خاصة شرائط العلة ومسالكها مما لا يتيسر معها إنتاج نظر فقهي عملي متجدد.
وفي علاقة الفطرة بالأدلة المختلف فيها، حاولت الباحثة أن تؤصل للعلاقة بين الفطرة والمصلحة المرسلة من خلال بحث تعريف المصلحة وأقسامها وشروطها، فحسب الباحثة، فإن جلب المصالح مركوزة في الفطرة الإنسانية كما هو دفعها، وأن الله فطر الخلق على معرفة أفضل المصالح ليحصلها الخلق، وعلى معرفة أعظم المفاسد ليتركوها، وأن الإنسان فطر على معرفة هذه المصالح والمفاسد.
ولم تجد الباحثة عناء كبيرا في تأصيل العلاقة بين الفطرة والعرف، بحكم أن مفهوم العرف يتحدد بما يتلقاه الناس بالقبول مما تقبله الفطرة والعقل بالقبول، وأنه تبعا لذلك أمرت الشريعة بالتزام العرف، وأناطت تغير الأحكام بتغيره.
وقد التقطت الباحثة من تعريف الشوكاني للاستحسان ما جعلته مستندا لتأصيل علاقة الفطرة بهذا الأصل المختلف حوله، إذ العدول من القياس الجلي إلى القياس الجلي، حسب الإمام الشوكاني، يتم بمقتضى فطرة المجتهد وانقداح الدليل في ذهنه.
لم تجد الباحثة عناء كبيرا في تأصيل العلاقة بين الفطرة والعرف، بحكم أن مفهوم العرف يتحدد بما يتلقاه الناس بالقبول مما تقبله الفطرة والعقل بالقبول، وأنه تبعا لذلك أمرت الشريعة بالتزام العرف، وأناطت تغير الأحكام بتغيره.كما أصلت الباحثة لعلاقة الفطرة بأصل الاستصحاب، معتبرة إياه طريقا فطريا بديهيا في الاستدلال، ذلك أن الحكم باستمرار الحال السابقة ما لم يثبت ما يستدعي تغييره هو الحكم الذي تحكم به الفطرة، ولذلك، اقتضت أحكام الفطرة أن الأشياء على براءتها الأصلية (الإباحة) حتى يأتي حكم ينقلها من هذا الوضع لوضع آخر.
علاقة الفطرة بالمقاصد والاجتهاد الفقهي
تناولت الباحثة في الباب الثاني من كتابها علاقة الفطرة بمقاصد الشريعة والاجتهاد وتطبيقاتها، فتتبع بشكل دقيق مواقع الفطرة في نظرية المقاصد عند الشاطبي، وسلكت نفس المسلك الذي اتخذته في بحثها لعلاقة الفطرة بالحكم الشرعي، فأجرت علاقة الفطرة بالمقاصد بحسب تعريفها، وأقسامها (الضرورية والحاجية والتحسينية)، واعتبرت أن إقامة المقاصد أو ان خرامها، مرتبط أصلا بالحفاظ على الفطرة أو الإخلال بها، ثم حاولت أن تظهر علاقة الفطرة بمسالك الكشف عن المقاصد، وذلك في سياق تأريخي (بحثت هذه العلاقة في مسالك العلماء الذين تحدثوا عن المقاصد ومسالك الكشف عنها) فبدأت بعلماء المقاصد المتقدمين (الجويني، العز بن عبد السلام، ابن تيمية، ابن القيم، الشاطبي) ثم علماء المقاصد المعاصرين (الطاهر ابن عاشور، علال الفاسي، عبد السلام الرافعي، جمال الدين عطية).
وعلى الرغم من أن عددا من هؤلاء العلماء، سواء المتقدمين أو المعاصرين أشاروا بوجه ما إلى العلاقة بين الفطرة والمقاصد، وعلى الرغم من تفرد الطاهر ابن عاشور في التأصيل لمفهوم الفطرة وبيان علاقة المقاصد بها، فإن القليل منهم من ذهب إلى اعتبار الفطرة مسلكا مستقلا من مسالك الكشف عن المقاصد (جمال الدين عطية، نعمان جغيم، محمد نجاة الله صديقي) مما رجح لديها أن الإسهامات السابقة ساهمت في تحقيق قدر من النضج والتراكم الذي سمح بالحديث عن استقلال الفطرة باعتبارها مسلكا من مسالك الكشف عن المقاصد، فحاولت بذلك أن تقوي الموقف بالاستناد إلى المنهج الذي اعتمد في معلمة القواعد الشرعية، والذي استنتجت منه اعتبار الفطرة مسلكا في مسالك الكشف عن المقاصد.
في إثبات العلاقة بين الفطرة والاجتهاد، كان مدار حجة الباحثة على ما ذكره ابن القيم الجوزية من وجوب الانتباه إلى أصل الفطرة في الاجتهاد، خاصة عند التعارض والتجريح، وضرورة استحضار هذا الأصل في فقه المجتهدين.وقد اتسم الباب الثاني بشدة الحجاج على دوران الفطرة بين المقصد الشرعي، وبين اعتبارها مسلكا من مسالك الكشف عن المقاصد، فاختارت الباحثة أن في خلاصتها أن تجعل من الفطرة الاثنين، إضافة إلى اعتبارها دليلا من أدلة الأحكام الشرعية، فاستندت في الغالب إلى تأصيلات الطاهر ابن عاشور، وحاولت أن تتبع نظرية المقاصد بتقاسيمها المختلفة، وتموضع الفطرة في كل قسم على حدة، وتؤصل لعلاقتها به (تقسيم المصالح إلى ضرورية وحاجية وتحسينية) وتقسيم الضروريات الخمس إلى (حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل)، وتقسيم الحفاظ إلى (وجودي وعدمي) وتقسيم المقاصد إلى عامة وخاصة وجزئية، وتقسيم المقاصد إلى حقيقة ووهمية، وعلاقة الفطرة بمقاصد الشارع، ومقاصد المكلف، لتخلص من ذلك كله إلى انبناء المقاصد على أصل الفطرة، إذ استعانت في إثبات هذه الخلاصة على جهود الطاهر ابن عاشور في مقصدية اليسر والسماحة والحرية والعدل والمساواة، وانطلقت منها لتؤكد بأن هذه المقاصد كلها تتأسس على أصل الفطرة.
وفي إثبات العلاقة بين الفطرة والاجتهاد، كان مدار حجة الباحثة على ما ذكره ابن القيم الجوزية من وجوب الانتباه إلى أصل الفطرة في الاجتهاد، خاصة عند التعارض والتجريح، وضرورة استحضار هذا الأصل في فقه المجتهدين. كما بذلت الباحثة جهدا في إثبات العلاقة بين القواعد الفقهية العامة والخاصة وبين أصل الفطرة، فذكرت جملة من القواعد الفقهية العامة التي تظهر علاقة الفطرة بها (الأمور بمقاصدها، المشقة تجلب التيسير، الضرر يزال، اليقين لا يزول بالشك، العادة محكمة)، ثم عرجت على ذكر بعض القواعد الفقهية الخاصة مثل(الوازع الطبعي مغن عن الإيجاب الشرعي،) وكذا القواعد المقاصدية محاولة التأصيل لعلاقتها بالفطرة، مشيرة في ذلك إلى القواعد المقاصدية التالية (الشريعة مبنية على الفطرة، مقاصد الشريعة ومصالحها تعرف بالفطرة، الفطرة مسلك للموازنة بين المصالح والمفاسد).
هذا وقد ختمت بحثها بفصل ثالث، ضمنته تطبيقات على أثر الفطرة في التشريع الإسلامي، فعرجت على أحكام العبادات، فذكرت آثار الفطرة على أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والحج والصيام، ثم انتقلت إلى آثار الفطرة على احكام الأسرة والمعاملات المالية، وعلى أحكام الجنايات (القصاص، الحدود)، ثم آثارها على أحكام النوازل المعاصرة.
خاتمة:
وهكذا انتهت الباحثة في خاتمة كتابها إلى خلاصة مركزية أكدت فيها فرضياتها الرئيسة، من أن الفطرة هي دليل لإدراك الأحكام الشرعية، وضابط مهم من ضوابط المصلحة، ومقصد عام وخاص من مقاصد الشريعة ومسلك من مسالك الكشف عن المقاصد، ومبدأ أساسي لتحديد القيمة المقاصدية، وشرعية أي مقصد من المقاصد، وأنها وسيلة من وسائل الترجيح عند التعارض بعد استنفاذ المرجحات، وأنها حجر الزاوية في العملية الاجتهادية فهما واستنباطا وتنزيلا.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير كتب الكتاب امريكا كتاب عرض نشر كتب كتب كتب كتب كتب كتب أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الفطرة الإنسانیة الأحکام الشرعیة مقاصد الشریعة الحکم الشرعی الإجماع على الباحثة فی على أحکام فی إثبات ذلک إلى جملة من من خلال
إقرأ أيضاً:
قرن على كتاب هز العقول !
(1)
في السابع من أبريل القادم يكون قد مر قرن كامل على صدور كتاب أثار وما زال يثير نقاشا حيويا وخصبا، يمكن اعتباره الكتاب المؤسس في الثقافة العربية الحديثة؛ وأول كتاب يثير من المعارك والجدال ما زال قائما حتى وقتنا هذا، رغم ما شهده هذا القرن من أحداث مهولة بل أحداث جسام!
عن كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، للشيخ الجليل المستنير علي عبد الرازق (1888-1966) الذي أقام الدنيا ولم يقعدها منذ ذلك الحين بكتابه هذا (لم يتجاوز عدد صفحاته الـ136 صفحة من القطع الأقل من المتوسط)، وهو كتاب دشّن (معركة القدامى والمحدثين) أو (صراع المحافظين والمجددين)؛ مرحلة الإعلان عن بنية الثقافة والدولة الحديثة، في مواجهة تصورات وأنظمة بشرية وتجارب تاريخية انتهت ومضت، ولن يعيد التاريخ دورتها لأن التاريخ لا يعيد نفسه مهما جرى!
هذا بالضبط ما حدا بالبعض إلى النظر للكتاب، وقيمته وأهميته، كما يقول المؤرخ القدير الدكتور محمد عفيفي، من ناحية هذا المضمون الفكري "التجديدي" في بيان تاريخية نظام الخلافة وبشريته، في مقابل مَن روَّج إلى قداسة نظام الخلافة؛ إذ أوضح أن الخلافة نظام سياسي ابتدعه المسلمون، وليس نظامًا مقدسًا لا يستقيم الإسلام بدونه.
في نشرته الأولى من الكتاب يقول الدكتور محمد عمارة في تصديره لهذه الطبعة (1971): "منذ أن عرفت الطباعة طريقها إلى بلادنا لم يحدث أن أخرجت المطبعة كتابا أثار من الجدل واللغط والمعارك والصراعات مثلما أثار كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ علي عبد الرازق الذي نشر قبل ما يقرب من نصف قرن" (كتب هذه السطور سنة 1971).
(2)
وها نحن الآن، بدورنا، نؤكد صحة هذه الأسطر بعد مرور مائة عام على صدور الكتاب؛ لأسبابٍ كثيرة جدا منها أن الشيخ المستنير قد قدم وللمرة الأولى في تاريخ الثقافة العربية نقدا منهجيا لتجربة الحكم في ظلال ما سمي بالخلافة الإسلامية؛ وهي نظام للحكم أقيم على أسس حدّدتها سياقات الحكم والسياسة والعمران في وقتها؛ ولم يكن لها أدنى صلة بالعقيدة كعقيدة؛ إنما أريد لها ذلك في أزمنة تالية على نزول الوحي، ومن ثم تم تكريس هذا النظام باعتباره نظاما دينيا.
تاريخيا، وبعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وما جرى للدولة العثمانية، رجل أوروبا المريض، ونجاح أتباع تركيا الفتاة، قرر المجلس الوطني الكبير في أنقرة في نوفمبر من سنة اثنتين وعشرين (1922)، إعلان تركيا "جمهورية" وفصلها عن الخلافة، وكان قرار الفصل بين منصب رئيس الجمهورية ومنصب الخليفة، يعني الاعتراف بالاستقلال السياسي الكامل والتام عن الأتراك.
وتصدى بعض الكتاب الأتراك -آنذاك- لتأليف الكتب والدراسات التي تعضد هذا الموقف، فخرج كتاب «الخلافة وسلطة الأمة» لعبد الغني السني بك الذي أعيد نشره، كدراسة فقهية اعتمد عليها الكماليون للفصل بين الخلافة والسلطة، وفي المقابل (خاصة في مصر) كتب آخرون يرفضون هذا الإجراء مثل الشيخ الأصولي محمد رشيد رضا في المنار، وكتاب لمصطفى صبري أحد المعارضين لحزب تركيا الفتاة.
وفي مارس من سنة 1924، أُلغي منصب الخلافة ذاته في تركيا، فسَعَت أطراف عديدة إلى حيازة اللقب وفي القلب منهم ملك مصر آنذاك الملك فؤاد الأول، وكان المؤتمر الإسلامي في القاهرة جزءا من هذه الجهود.
(3)
وفي وسط هذه الموجة المحمومة من التطلع إلى وراثة نظام الخلافة ولقب الخليفة، خرج الشيخ علي عبد الرازق في أبريل من عام 1925 بكتابه «الإسلام وأصول الحكم»، ليعلن من خلاله أن الخلافة ليست أصلا من أصول الدين، أبدا، بل هي اجتهاد بشري للمسلمين،
واستعرض تاريخ الخلافة والفصل الفعلي بين الخلافة وغيرها منذ العصر العباسي حتى القرن العشرين. وهناك دائما فجوة بين النموذج النظري في كتب العقائد، وبين التحقق الفعلي في التاريخ الاجتماعي للمسلمين. وتلك هي الإشكالية التي يتعرض لها الكتاب. فمشكلة الخلافة ما زال البعض يناقشها من زاوية الدين، لا من زاوية الدنيا، ومن باب العقيدة، لا من باب السياسة.
(4)
إجمالًا -وإذن- يمكن القول إن كتاب «الإسلام وأصول الحكم» قد ظهر في أعقاب إلغاء نظام الخلافة الإسلامية في تركيا عام 1924 حين انقسم الناس فريقين؛ فريق يطالب بإعادتها مرة ثانية (وستكون هذه الفكرة هي النواة التي التف حولها كل دعاة الإسلام السياسي وتسييس الإسلام من الشيخ رشيد رضا ومن بعد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان).. وتيار آخر يعيد النظر تماما ونقديا في نظام الخلافة، ويدعو إلى الحيلولة دون قيامها، ويتزعمه حزب (الأحرار الدستوريين)، الذي ينتمي إليه الشيخ علي عبد الرازق وعائلته، ويرأس تحرير صحيفته الدكتور محمد حسين هيكل (صاحب كتاب «حياة محمد») الذي احتفى بالكتاب احتفاءً كبيرًا في جريدة «السياسة»، لسان حال الحزب.
وقد عالج الكتاب قضية الخلافة من حيث نشأتها، وتاريخها وتطورها، وعلاقتها بالإسلام، كما يعرض لتفاصيل ذلك النظام السياسي الذي أوجده الإسلام منذ قيامه إلى زمن أو عصر المؤلف. وينتهي إلى أن الإسلام لا صلة له بالحكم، ولا بالمجتمع وشؤونه الدنيوية، وأنه يجب إنهاء الخلافة في العالم الإسلامي، بما أنها نظام غريب عن الإسلام، ولا أساس له في المصادر والأصول المعتمدة من كتاب وسنة وإجماع.
والكتاب عبارة عن مقدمة وثلاثة أقسام، القسم الأول بعنوان "الخلافة في الإسلام" تناول فيه طبيعة الخلافة، وحكم الخلافة، والخلافة من الوجهة الاجتماعية، أما القسم الثاني فيدور حول "الحكومة والإسلام" وقد تناول فيه الشيخ علي عبد الرازق نظام الحكم في عصر النبوة، مميزًا بين الرسالة والحكم، طارحًا فيه فكرته عن الإسلام باعتباره "رسالة لا حكم ودين لا دولة"، أما القسم الثالث فيتتبع فيه "الخلافة والحكومة في التاريخ"
ومنذ صدوره، أثار الكتاب جدلًا طويلًا في الأوساط الفكرية، وانقسم المثقفون إلى تيار "ليبرالي" مؤيد يمثله مفكرون ينتمون إلى حزبي (الوفد)، و(الأحرار الدستوريين)، وتيار سلفي معارض يأتي في طليعتهم الشيخ محمد رشيد رضا على صفحات مجلة «المنار»، والشيخ محمد الخضر حسين في كتابه «نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم»؛ فضلًا عن هيئة كبار علماء الأزهر.
وقد نشرت دراسات كثيرة حول الكتاب، باللغة العربية واللغات الأجنبية، ومن بينها كتابا «الإسلام والخلافة في العصر الحديث» لمحمد ضياء الدين الريس، و«الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق «دراسة ووثائق» لمحمد عمارة، وهو الذي نعتمد عليه هنا في هذه الحلقة من مرفأ قراءة والحلقات التالية التي سنفصل فيها القول عن الكتاب وحوله بمشيئة الله.
(5)
لقد أراد الشيخ علي عبد الرازق من كتابه، وبما أعلنه من أفكار حرة جريئة، تحرير العقول الإسلامية؛ لكي يتمكن المسلمون من أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم.
وتلك ببساطة -مع ضرورات الاختزال والتكثيف لحدود المساحة- هي أهم الأفكار التي يقوم عليها كتاب الشيخ المستنير علي عبد الرازق الذي كان ثائرًا بحق على الأوتوقراطية والثيوقراطية معا، والذي التقط أسلحته من الإنجاز العقلاني التراثي الإسلامي الأصيل، ومن الإنجاز الموازي لدعاة الدولة المدنية في الغرب الأوروبي الذي كان يعرفه، ولا يتردد في الإفادة منه عملًا بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «اطلبوا العلم ولو في الصين»، وكان هدفه إعادة فتح أبواب الاجتهاد على مصاريعها، وهو أمر لا يقل عن إيمانه بالدولة المدنية ودفاعه عنها.