من منا لم يشعر بالغيرة على صديق لديه؟! فالغيرة أحد أساليب التعبير عن الحب والمشاعر، بل تعد شعوراً إنسانياً طبيعياً، ولكن الغيرة على الأصدقاء تعد أمراً حساساً، فلا يفضل أى شخص الاعتراف بأنه شعر بالغيرة ذات مرة على صديق مقرب له، ظنا منه أنه قد يبدو من محبى التملك، ولا يدرى أنه يمكن أن تكون مثل هذه الغيرة دافعا للإنسان، طالما أنه ليس هناك تطرف فى المشاعر.
فالمشاعر فى العلاقات الإنسانية قد تضطرب ما بين الخوف من فقدان عزيز نتيجة لتدخل طرف ثالث، أو الغضب والشعور بالاضطهاد وعدم تقدير التضحيات التى يقدمها لمن يكن له هذا الحب، وهى تصيب جميع العلاقات الانسانية مثل العلاقات العاطفية، والعلاقات التى تربط الأصدقاء، والعلاقات الأسرية كعلاقة الأخوة فيما بينهم وتنافسهم للحصول على اهتمام الوالدين.
وفى بعض الأحيان ومع تطرف مشاعر الغيرة، قد يتطور الأمر ليعانى بعض الأشخاص من «متلازمة الشخصية الرئيسية»، إذ يميل قليلا إلى السير فى العالم كما لو كان يدور كل هذا العالم حوله، ويشعر بالاهتزاز عندما يدرك أنه ليس محور حياة الجميع، وهذا ما يحدث غالبا عندما يعلم بأن صديقه خرج مع شخص آخر، أو حتى عندما يتحدث الصديق عن قضاء الوقت مع أشخاص آخرين. وعند ذلك يشعر بالفعل بعدم الأمان فى روابطه الاجتماعية، وقد يتسرع فى افتراض أن صديقه ينسحب من صداقته، أو لا يضعه بقائمة الأولويات.
والخطير فى الأمر هنا أن مثل هذه الغيرة قد تتحول فيما بعد إلى مرض الحسد، وهنا يتحتم علينا معرفة كيفية التحكم بتطور الغيرة، من خلال تجنب المقارنة الاجتماعية بين الأفراد، فكل صديق له مكانته الخاصة المرتبطة بفيض من المواقف والذكريات التى لا يقلل منها وجود صديق آخر فى إطار أحداث ومواقف وذكريات أخرى، ومن خلال تجنب التدنى فى تقدير الذات والشعور بالضغط للتأقلم مع الواقع، فأنت مؤثر وفعال فى حياة كل من حولك ما لم تضع نفسك فى مقارنة دائمة بين قيمتك وقيمة الآخرين، وأيضا من خلال الابتعاد عن الإهمال الاجتماعى للأشخاص، مثل: عدم الحصول على دعوة فى المناسبات الاجتماعية، فكل هذا يؤدى إلى تأجج الغيرة، فمن الطبيعى أن يحب الفرد أن يكون متقبّلاً اجتماعياً.
وقبل ذلك كله، اعلم أن الأصل أن يفتخر الصديق بنجاحات أصدقائه وعمق علاقاتهم ووسعها؛ لتشمل أعدادا كبيرة من الأشخاص، أما الغيرة من أصدقاء الأصدقاء فهى دليل على ضعف الشخصية وضيق الأفق وحب «التملك» حتى فى العلاقات، وقد يعبر الشخص عن هذه المشاعر بالضيق عند سماع أسماء الأصدقاء الآخرين، وقد يقوم بالتقليل من شأنهم وذمهم وانتقادهم واستعمال ألفاظ غير لائقة بحقهم.
وفى النهاية، عليك أن تدرك جيدا أن الصور التذكارية للأشخاص المبتسمين «لا تعنى بالضرورة أنَّهم سعداء»، حتَّى حالة «يشعر بالسعادة» ليست حقيقة مطلقة.
أستاذ الإعلام المساعد بكلية الآداب - جامعة المنصورة.
[email protected]
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: جامعة المنصورة د أحمد عثمان
إقرأ أيضاً:
عندما يتحول الهلال الى هلاك
بقلم : هادي جلو مرعي ..
جدل رؤية هلال صيام شهر رمضان، وهلال عيد الفطر تحول من صراع بين مذهبين، الى صراع داخل المذهب الواحد، ومعلوم إن الأمر مرتبط بالرؤية الشرعية المتعارف عليها، فمن أفطر بعد أن رأى الهلال صح إفطاره، وهو مثاب ومأجور، ومن أكمل عدة شهر رمضان لعدم تيقنه من رؤية هلال شهر شوال فقد صح صومه مادامت الطمأنينة النفسية حاضرة، لكن سذاجة البعض حولت الأمر الى صراع محشو بالشتائم والتنكيل والإنتقاص والتشهير، وحتى بين جمهور دولتين عرفتا بالعلاقة الحميمة، والتفاهم كالمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية التي حول الجمهور فيهما منصة إكس التي لها هلالها الخاص الى ساحة صراع محموم إستمر لأيام، ولكن الغريب في الأمر هو ذلك التراشق غير المبرر طالما إن أهل السعودية ثبت لهم رؤيته فأعلنوا العيد، وإن أهل مصر لم يثبت لهم رؤية الهلال فأكملوا عدة الشهر لثلاثين، والناس في البلدين لم يلغيا شهر رمضان، ولم ينتهكا حرمة العيد، ولايوجد حتما قصدية في إعلان العيد، ولافي إكمال عدة الشهر، ولارغبة لحكومة في إيذاء شعبها. فالأمور بالنسبة للعامة متسقة، ولامشكلة طالما إنها إشتغلت على قاعدة عراقية تقول. ذبها براس عالم، وإطلع منها سالم.. أي إنك في مأمن من المعصية ومخالفة أوامر الرب المعبود طالما أن هناك من ينوب عنك في إعلان العيد من عدمه وفقا للمتعارف عليه من القواعد الشرعية.
وكنا في عقود مضت نتندر على الخلاف الشيعي السني، وتأخر الشيعة عن السنة في إعلان رؤية الهلال، وكنا نتهم الشيعة بمخالفة المسلمين، وتجاهلنا إن الشيعة يعتمدون رأي مرجعياتهم الدينية التي تتبنى ذلك، وقد يتوافقون مع السنة، وقد يختلفون، وفي الحقيقة لامشكلة طالما إن الطرفين متفقان على وجود التكليف بالصيام والإفطار وفقا لقاعدة شرعية معلومة، وتبقى طريقة التعبد مرتبطة بالإجتهاد والفهم، وهذا ينسحب على فريضة الصلاة والحج والزكاة والخمس فهم متفقون على ممارسة تلك العبادات بطرق قد تختلف، ولكنهم يلتقون في أصل التشريع، وبالتالي فلامصلحة لأحد أن يحول الهلال الى هلاك.. فالنار تحتاج الى القدح لتستعر…