الكتاب: معنى الدين وغايته
المؤلفون: ويلفرد كانتويل سميث
ترجمة: عمر سليم التل
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ـ الدوحة 2024


صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ضمن سلسلة "ترجمان"، كتاب معنى الدين وغايته ‏‎The Meaning and End of Religion، وهو من تأليف ويلفريد كانتويل سميث Wilfred Cantwell Smith، وترجمة عمر سليم التل.

فيه ثمانية فصول، خصص الأول منها للمقدمة، والأخير للخاتمة، ويناقش في الفصول الستة المتبقية حياة البشر الدينية ومفاهيمهم الموروثة الخاطئة عنها، التي يتحمّل الغرب في المئتَي عام الأخيرة قسطًا وافرًا من المسؤولية في وجودها، مقترحًا العمل الجادّ على تخليص الناس من فهم اللاهوت بوصفه كيانات متضادة،‎ وفتح الباب لمناقشة العلاقة بين الإيمان والحقيقة والتقاليد الثقافية. يقع الكتاب في 376 صفحة، شاملةً ببليوغرافيا وفهرسًا عامًّا.

دارس للإسلام والأديان المقارنة

ويلفرد كانتويل سميث (Wilfred Cantwell Smith) هو أحد أبرز العلماء الغربيين الذين درسوا الإسلام والأديان المقارنة. وُلد في 21 يوليو 1916 وتوفي في 7 فبراير 2000. كان مفكرًا كنديًا وأستاذًا مشهورًا في مجال الأديان المقارنة، وقدم مساهمات رائدة في دراسة الدين كظاهرة ثقافية واجتماعية.

كان يرى أن الدين ليس مجرد مجموعة من المعتقدات أو الممارسات، بل هو شيء يتغير باستمرار بناءً على السياق الثقافي والاجتماعي. دعا إلى فهم الدين بوصفه عملية ديناميكية بدلاً من كونه مفهومًا ثابتًا. وكتابه الأشهر هو "معنى الدين".

يُعتبر هذا الكتاب أحد أبرز أعماله، حيث ناقش فيه فكرة أن الدين كمفهوم حديث قد لا يكون مفيدًا لفهم المجتمعات القديمة. قدم فيه نقدًا للنهج الغربي التقليدي في دراسة الأديان.

كان يؤمن بأن الأديان تُفهم بشكل أفضل من خلال دراسة كيفية تأثيرها على حياة الأفراد والمجتمعات. وكان من رواد تعزيز الحوار بين الأديان، مؤكدًا أهمية التفاهم المتبادل بين أتباع الديانات المختلفة.

درّس في جامعات مرموقة مثل جامعة ماكغيل وجامعة هارفارد. وأسس "معهد الدراسات الإسلامية" في جامعة ماكغيل، الذي أصبح مركزًا بارزًا لدراسة الإسلام والأديان.

"عربي21" تنشر بالتزامن مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تعريفا موجزا بأهم محتويات كتاب "معنى الدين وغايته"، بالنظر إلى أهمية الموضوع، وأهمية المؤلف كما سبقت الإشارة.

تساؤلات وردّ غير مباشر

في علم اجتماع المعرفة، يتأثر إدراك العالم المحيط عميقًا بالمفاهيم المستخدمة في انتقاء الأحداث ‏وتنظيمها واختيار معنى مناسب لها تعبّر عنه اللغة‎. وفي قلب العالم المعاصر هناك حياة دينية‏ يوضح عالم اللاهوت والكاتب الكندي ويلفريد كانتويل سميث أنّ ‏الشبكة التي تُرى من خلالها ليست الطريقة الوحيدة لإدراكها، فيقترح نقلةً مفاهيمية وإدراكية لتجنُّب كتلة مشكلات ‏مستعصية أحدثتها طريقة التفكير القديمة‎‎‏، المتمثلة في ضرورة انتماء المتدين إلى واحدة أو أخرى من هذه المركّبات الدينية‎، ما ولَّد تسليمًا لدى مسيحيي الغرب بأنّ‎‏ المسيحية حق، وأن الأديان الأخرى دونها. وهي مسلَّمة تطرح تساؤلات من قبيل: هل قَصَر الله، إن كان إلهَ البشرية ‏جمعاء، الحقَّ على سلسلة بشرية واحدة أو أقلية مختارة؟ ولماذا تعددت في كنف الإله الواحد الحياة ‏الدينية للبشر عبر التاريخ؟

كتاب كانتويل سميث معنى الدين وغايته‎ حاجةٌ‎‏ للباحثين والعامة على حد سواء‎،‎‏ فهو يمكِّنهم بطريقة جديدة من إدراك ظاهرة الدين بغير العدسات الفكرية التي شكّلتها ثقافتهم الخاصة، والتي تعكس الدين بوصفه مركّبات لاهوتية وتاريخية سُميت المسيحية واليهودية والإسلام والهندوسية والبوذية والسيخية والزرادشتية والكونفوشية ‏والشنتوية والطاوية، وغير ذلك.لم يأت الردّ على تلك التساؤلات مباشرًا، بل ظهرت نظريات تقول بـ "إمكان" وجود ‏إيمان ضمني لدى متديني ‏‎"‎الأديان الأخرى‎"‎ واعتبارهم "مسيحيين مجهولين" قد ينالون الخلاص ‏بالطريقة ‏‎"‎العادية‎"، أي‎‏ المتاحة ضمن أديان العالم، وليس بالطريقة المتاحة في الكنيسة‎،‎‏ ‏وهي نظريات تُبقي صفة "المتدين" غير ‏المسيحي مؤقتة إلى أن يلقى المسيح: فهل تحتوي تعاليم الكنيسة وحدها على كلمة الله الفاصلة بخصوص ‏الجنس البشري، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا؟

تكريس الغرب مفهومه.. والإسلام استثناء

تبيِّن أبحاث كانتويل سميث بالشواهد التاريخية تعمُّدَ الغرب خلال المئتي عام الأخيرة فقط تشجيعَ مفهومٍ للأديان مؤدٍّ إلى اعتقاد الناس أنفسَهم أعضاء في مجتمعِ ‏ خلاصٍ متنافٍ مع غيره.‎‏ ويوضح أن هذا الفهم للدين لم يكن معروفًا قبل القرن الثامن في كل المجموعات الدينية، ثم ظهر بعد تحول فكر الإصلاحيين الكبار خلافاتٍ لاهوتيةً حوّلت ‎المتدينين‎‏ مجموعات أيديولوجية متعارضة‎‎‏ وبروز ظواهر "الإسلام" و"الهندوسية" و"المسيحية" ‏و"البوذية"، وغيرها، في القرن ‏التاسع عشر، بوصفها منظومات لكل منها تاريخها‎.

ويمثّل الإسلام حالة "خاصة" في أطروحة سميث هذه، وبوصفه خبيرًا بهذا الدين يخصص له فصلًا بعنوان "حالة الإسلام الخاصة"، يلاحظ فيه أنّ معارضي سواه من الأديان‎ يعاملونها بروحية ‏نزالية بينما لم يطبق الناس في الشرق هذا على إيمانهم، أما في الغرب فبرزت هذه النزعة بعد صعود النزعة الريبية ‏‎Skepticism‎‏ والإلحاد ‏‎Unbelief‎‏ في العصر الحديث‎.‎

الدين إيمان وتقاليد

يقول سميث بجانبين للحياة الدينية للبشر: الداخلي وهو الإيمان، والخارجي وهو التقاليد. ويتمثل الإيمان ‏‎لديه في مشاعر الفرد أو المجموعات تجاه المتعالي الإلهي بوصفه الشخصي ‏أو غير الشخصي (واحد، أخلاقي، رحيم ... إلخ)، من حب وخشية ورجاء ‏وخوف وعبادة، وغير ذلك،‎‏ في مشاركة حيوية مع ما يَظُنّ أنه أعظم وجود حقيقي ولكن غيبي، وهو "الله". وهنا تبرز لدى الكاتب أسئلة أساسية، هي: هل الإيمان مبرر أم وهمي؟‎‏ وهل هو استجابة لحقيقة ‏متعالية حقّة أم أنه ناجم عما في الوعي البشري من رجاء وخوف؟ وهل أوجده الإنسان ليعوِّض عن ‏وضعه الاقتصادي أو السياسي؟ وهل أنشأه ليستمدَّ منه الشجاعة عند الموت؟ أسئلة ‏صادقة لتحديد ‏المنطقة المشكلة تاريخيًّا التي يسميها المؤلف "التقليد المتراكم"، المختلف عن الإيمان الشخصي الباطني والواقع ضمن اختصاص التأريخ، والمؤلَّف من الأطر الثقافية ‏المعبَّر بها عن الإيمان والمكونات اللاهوتية لمجتمع بعينه‎.‎‏

ويناقش في فصل بعنوان "الإيمان" المعتقدات واللاهوت، ويرى أن اللغة الدينية ‏في الصلاة والنبوة والوعظ والتبشير والاعتراف، وغيرها، هي تعبير عن الإيمان‎، أما لغة اللاهوت ‏فتُعامِل اللغة الدينية بوصفها بيانات تنتظر مَن يؤوِّلها ويحوِّلها إلى نظريات منهجية‎، ويذهب إلى أن‎‏ التقليد المسيحي خضع لتطور هائل عبر القرون، وقد لا يتمكن مسيحيٌّ تشكَّل لاهوته ضمن تقاليد روما القرن الثاني ‏من التعرف إلى حالة نظيره لدى مسيحيّي نيويورك اليوم على سبيل المثال‎،‎‏ والأمر مشابه في ما يسمى "أديانًا"، وحتى بين التقليد الإسلامي في شبه الجزيرة العربية في زمن النبي وبين ذلك الموجود في مجتمع صوفي في غرب أفريقيا ‏اليوم، وهكذا.

سميث ومفاهيمه الجديدة

تتمثل تأثيرات اختبار سميث لإعادة صوغ المفاهيم في تخليص الناس من مفهوم الكيانات الاجتماعية اللاهوتية المتضادة، بهدف تحريرهم من ‏السؤال عن الدين الحق، وتتمثل أيضًا في تحديد الإيمان الداخلي والخبرة الشخصية والمجالات الإشكالية الفلسفية، ‏‎إضافةً إلى تخليص ‏التقاليد المتراكمة من وهم أحادية كيانها، ما يتيح التنوع داخل كل تقليد‎. وكلها تأثيرات‎ تفتح الباب لمناقشة العلاقة بين الإيمان والحقيقة والتقاليد الثقافية، وهي علاقة ناقشها المؤلف في أكثر من كتاب سابق له.

أثّرت أطروحة الكتاب في عدد من الحقول المتنوعة، وفي الكتَّاب الأصغر سنًّا، المتخصصين في فلسفة الدين وتاريخ الأديان وتاريخ التقاليد، وفي علماء اللاهوت، المسيحي منه واليهودي، وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا، وفي مفكري البوذية والهندوسية والإسلام المحدثين في المجتمعات الآسيوية، وغيرهم‎.‎‏ ومع أنه يرى أنّ على البشرية بصفة عامة مواصلة مناقشة قضايا ‏الدين، الذي تتجذر مصطلحاته بقوة في أدبيات أي أمة، فإنه يرى عدم إتاحة ذلك لأي شخص من دون فهم عميق لطابع اللغة التي كُتب بها الدين، والذي يلبِّس المفاهيم في كثير من ‏الأحيان‎.‎‏

مكانة كتاب "معنى الدين"

كتاب كانتويل سميث معنى الدين وغايته‎ حاجةٌ‎‏ للباحثين والعامة على حد سواء‎،‎‏ فهو يمكِّنهم بطريقة جديدة من إدراك ظاهرة الدين بغير العدسات الفكرية التي شكّلتها ثقافتهم الخاصة، والتي تعكس الدين بوصفه مركّبات لاهوتية وتاريخية سُميت المسيحية واليهودية والإسلام والهندوسية والبوذية والسيخية والزرادشتية والكونفوشية ‏والشنتوية والطاوية، وغير ذلك.

يمثّل الإسلام حالة "خاصة" في أطروحة سميث هذه، وبوصفه خبيرًا بهذا الدين يخصص له فصلًا بعنوان "حالة الإسلام الخاصة"، يلاحظ فيه أنّ معارضي سواه من الأديان‎ يعاملونها بروحية ‏نزالية بينما لم يطبق الناس في الشرق هذا على إيمانهم، أما في الغرب فبرزت هذه النزعة بعد صعود النزعة الريبية ‏‎Skepticism‎‏ والإلحاد ‏‎Unbelief‎‏ في العصر الحديث‎.‎وقد تَمَثَّلَ مسعاه للوصول إلى هدفه في ابتكار أداة مفاهيمية تمكّن العقل البشري من فهم الحياة الدينية للإنسان في التاريخ حتى الآن بدقة، والمشاركة فيها على نحو أشد ذكاءً يتمثل في إمكان تصور الناس دينًا بعينه على نحو مُجزٍ أكثر، وفي إسقاط معان كثيرة لكلمة "دين" وجعل الدفاع عنها بعد الطعن فيها غير ممكن، كإعادة تأهيل مصطلح "تقوى" على سبيل المثال، متكهِّنًا بأن هذه المصطلحات ستختفي من الكتابة الجادة في غضون 25 سنة وتتيح باختفائها للورعين إيمانًا أصدق وللباحثين فهمًا أوضح للظواهر الدينية، ومقترِحًا إحلال مفهومَي "التقليد" و"الإيمان" مكان "الدين"، لأن "التقاليد الدينية" في نظره ليست حقيقة ميتافيزيقية، بل مجالات تاريخية يجب استكشافها، وهو يناقش في كتابه منها مجالاتٍ ثلاثة: دراسة الحياة الدينية للآخرين، والتواصل بين الجماعات الدينية، وموقف المؤمنين، مخصِّصًا الجزء الأكبر من النقاش لما بين المسلمين والمسيحيين، ومعترفًا بأن المتدينين الآخرين لا يسببون له قلقًا، لأن الهندوس والصينيين سيجدون تحليله مقبولًا، وأتقياء اليهود لن يجدوا صعوبة في تطبيق الأطروحة على وضعهم الخاص.

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير كتب الكتاب قطر كتاب عرض نشر كتب كتب كتب كتب كتب كتب أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

الكنيسة الأرمنية تحتفل بعيد القديس فارطان ماميكونيان شهيد الإيمان والوطن

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

تحتفل الكنيسة الأرمنية يوم الخميس 27 فبراير 2025 بذكرى الشهيد القديس فارطان ماميكونيان، الذي يُعتبر رمزًا للشجاعة والإيمان العميق في الدفاع عن الوطن والمقدسات. في هذه المناسبة، سيقيم المطران كريكور أوغسطينوس كوسا، أسقف الإسكندرية للأرمن الكاثوليك، القداس الإلهي في الكنيسة الأرمنية، حيث سيتناول فيه حياة القديس فارطان وتضحياته الجليلة في معركة أفاراير، التي استشهد فيها عام 451 ميلاديًا.

وتعدّ هذه المناسبة تذكيرًا ببطولات القديس فارطان الذي كان قائدًا عسكريًا في الجيش الأرمني وقاد قواته في مواجهة الفرس الذين حاولوا فرض الديانة الزرادشتية بالقوة على الشعب الأرمني. وعلى الرغم من أن المعركة انتهت بهزيمة الأرمن، فإنهم حققوا نصرًا روحيًا من خلال الحفاظ على إيمانهم المسيحي.

 ويقول المطران كريكور أوغسطينوس كوسا في تصريح له: “إن القديس فارطان كان يؤمن بأن لا شيء أغلى من حب المسيح والوطن، ولذلك عاش وتربى على إيمان أجداده الأرمن الذين كانوا أول من اعتنق المسيحية في العالم في عام 301 ميلادي”.

 وأضاف: “نحتفل بذكرى الشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجل الإيمان والوطن، وهم من صنعوا لنا مستقبلاً حرًا في ظل الإيمان المسيحي والكرامة الإنسانية”.

 وتابع المطران كوسا: “سيبقى الشعب الأرمني مخلصًا لإيمان أجداده، ولن يستطيع أحد أن يجبرنا على نكران إيماننا أو التشكيك في مبادئنا. نحن على خطى القديس فارطان، وسنبقى دائمًا ثابتين في وجه التحديات والمضطهدين”.

 وفي ختام القداس، سيصلي الجميع من أجل أن يسيروا على درب القديس فارطان في حياتهم اليومية، سائلين الله أن يمنحهم القوة والثبات في إيمانهم، كما فعل شهيد الإيمان والوطن.


 

مقالات مشابهة

  • التقاليد الصحراوية تتألق في ضيافة رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي
  • ما معنى اسم سيليا؟.. منتشر في الدول العربية بكثرة
  • مروة رسلان: حب الخير للآخرين من علامات الإيمان الصادق
  • داعية إسلامية: حب الخير للآخرين من أصدق علامات الإيمان
  • الوظائف السخيفة والارتباك الأخلاقي
  • بالصور.. ويل سميث من هوليوود إلى قمة الويب 2025
  • مكتبة الإسكندرية تصدر كتاب «الموتى».. « أهم النصوص الدينية في مصر القديمة»
  • الكنيسة الأرمنية تحتفل بعيد القديس فارطان ماميكونيان شهيد الإيمان والوطن
  • ويل سميث من قمة الويب 2025.. الفشل هو السبيل الوحيد لتحقيق الأحلام
  • مفاتيح التعايش بين الأديان