فرنسا: حكومةٌ تولد بعد طول مخاض ومأزقٌ سياسي ليس وليد الساعة فما هي أسباب الأزمة ومآلاتها؟
تاريخ النشر: 26th, December 2024 GMT
بينما كانت دورة الألعاب الأولمبية في باريس بمثابة فترة صيفية ساحرة، وقعت فرنسا تدريجيًا بين مخالب أزمة سياسية خطيرة، كما ترى الصحيفة السويسرية "Neue Zürcher Zeitung". على الرغم من أن المسؤول الرئيسي عن ذلك هو إيمانويل ماكرون، إلا أن المشاكل المؤسساتية ليست جديدة.
لم تنتهِ الأزمة بعد، لكن عام 2024 سيبقى مخلّدا في كتب التاريخ الفرنسية تقول الصحيفة.
وبعد طول مخاض، تم الإعلان عن حكومة جديدة برئاسة فرانسوا بايرو، ولتفادي الإغلاق الحكومي، تمت المصادقة في 18 ديسمبر الحالي على قانون خاص يضمن سيرة المصالح العمومية البرلمانية لتحرم البلاد الشهر المقبل من قانون للمالية وقانون تمويل الضمان الاجتماعي رغم وجود ديون ثقيلة، لا تنوي فرنسا تقليص نفقاتها.
عام 2017، اختارت اللجنة الأولمبية الدولية العاصمة الفرنسية لاستضافة الألعاب الصيفية. وفي نفس العام، منح الناخبون الفرنسيون أصواتهم لمرشح الرئاسة الشاب ممثلا في شخص إيمانويل ماكرون، الذي وعد بإصلاح النظام وجعل الاقتصاد أكثر تنافسية.
كان تنظيم هذه الألعاب الأوليمبية إنجازًا فذًا حيث بلغت كلفته حوالي 4.4 مليار يورو، مع فائض يقدر بـ 26.8 مليون يورو، ولكنه أفاد البلاد في سمعتها، ومع ذلك، وفي منتصف فترة ولايته الثانية، يجد ماكرون نفسه وسط ما تبقى من مشروعه السياسي وديون تصل إلى 3,228 مليار يورو أي زهاء 112% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفجأة، أصبحت فرنسا ثاني قوة اقتصادية في الاتحاد الأوروبي دولة ذات مشاكل مستعصية، فكيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟
ويوجّه المعارضون أصابع الاتهام إلى ماكرون باعتبار المسؤول عن هذا الفشل، ومع ذلك، فإن هناك ثلاثة عوامل رئيسية أدت إلى هذه الأزمة:
الانقسام السياسيحاول ماكرون الخروج من الثنائية التقليدية بين اليمين واليسار التي ميزت النظام الفرنسي منذ عقود، ومع ذلك، لم يتمكن من إقناع الناخبين بأنه مختلف عن سابقيه، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تناوب الاشتراكيون واليمين المحافظ على السلطة. ولكن، سرعان ما سئم الناخب الفرنسي من هذه الثنائية الأمر، وأصبح يصوت بشكل متزايد لليمين المتطرّف أو يمتنع عن التصويت.
اقترح ماكرون مسارًا مختلفًا، مسارًا بدا أن غالبية الناخبين يطمحون إليه. ومع حزبه الجديد En marche، فاز بأغلبية مطلقة في البرلمان. ومع ذلك، فمنذ ذلك الحين، من الواضح أن الرئيس وأنصاره فشلوا في الإقناع.
ويرجع ذلك جزئيًا إلى حقيقة أن حزب En marche (الذي تحول اسمه ل”النهضة“) لم يكن له ديناميكيته الخاصة. فقد كان دائمًا ”حزب ماكرون“. وكان كل من يحاول أن يغرّد قليلا خارج السرب ينتهي به الأمر إلى مغادرة الحزب. وعلاوةً على ذلك، استمر تقييم إيمانويل ماكرون وحكومته وفقًا للنمط القديم بين اليسار واليمين. وأصبح يُنظر إلى ماكرون على أنه ”رجل اليمين“، ثم أدار الناخبون الاشتراكيون السابقون ظهورهم له.
وخسر بعدها الحزب، الانتخابات التشريعية المبكرة هذا الصيف، بينما تقدم حزب ”فرنسا الأبية“ بزعامة جان لوك ميلونشون من أقصى اليسار، وحزب ”التجمع الوطني“ بزعامة مارين لوبان من أقصى اليمين، فيما لا يزال الاشتراكيون والمحافظون موجودين وهم الذين كان يُعتقد أنهم غابوا عن المشهد بعد الانتخابات التي انتصر فيها ماكرون قبل سبع سنوات.
الأزمة الماليةورث الرئيس الفرنسي وضعًا ماليًا متدهورًا وعجْزًا هيكليًا، بينما كان يسعى لإجراء إصلاحات، وواجه تحديات اقتصادية كبيرة مثل احتجاجات "السترات الصفراء" وزيادة تكاليف المعيشة.
إن ديون فرنسا مشكلة هيكلية، فالفرنسيون مدينون لدولتهم بشكل خاص، وهم يساعدون على زيادة العجز العام، إذ عندما تسوء الأمور، يقع على عاتق الدولة حماية مواطنيها، وقد كانت الإصلاحات أقل بكثير من التوقعات.
لم يكتف إيمانويل ماكرون بالإعلان عن الإصلاحات، بل قام بتنفيذها. كما أنه واجه في السنوات الأخيرة أزمات لم تقتصر على فرنسا. فقد صمد على الرغم من المعارضة الكبيرة لإصلاحاته بشأن سن التقاعد وإلغاء بعض الامتيازات لموظفي الشركة الوطنية للسكك الحديدية الفرنسية.
كما حاول الوقوف في وجه ”السترات الصفراء“ التي هزت البلاد في خريف 2018. ومع ذلك، كان الغضب كبيراً جداً بسبب الزيادة في ضرائب الوقود والتضخم بشكل عام لدرجة أنه بعد بضعة أسابيع لم يجد إيمانويل ماكرون حلاً آخر سوى تخفيف الإجراءات التقشفية.
شخصية الرئيسيُنظر إلى ماكرون على أنه "رئيس الأغنياء"، مما أثر سلبًا على شعبيته وأدى إلى دعوات لاستقالته، إذ أنّ شخصية الرئيس هي أيضًا جزء من المشكلة. "رئيس الأغنياء، جوبيتر، ملك عصري غير مهتم بشعبه": هكذا ينظر الفرنسيون إلى رئيسهم الذي تراجعت شعبيته بشكل مطرد على مر السنين.
لذلك فإنّ معارضيه يطالبون باستقالته، وفي هذا الصدد، فإن إيمانويل ماكرون ليس استثناءً. وهنا تكمن المشكلة: لقد فشل في إقناع الفرنسيين بأنه مختلف حقًا عن أسلافه. فقبل بضعة أشهر فقط، كان يسعى إلى التواصل مع الفرنسيين ويتحاور ويبتسم أمام الكاميرات، لكنه كان يعطي الانطباع أحيانًا بأنه يعرف كل شيء أفضل من أي شخص آخر، وفي النهاية كان يفعل ما يريد، وفي كثير من الأحيان، لم يكن ذلك يتوافق مع ما كان يتوقعه الناس أو حتى المقربون منه. كان الاضطراب جزءًا من أسلوبه.
تدفع فرنسا الآن ثمنًا باهظًا لقرار رئيسها الأخير غير المتوقع، بعد انتصار حزب التجمع الوطني وهزيمة حزب النهضة في الانتخابات الأوروبية، دعا إيمانويل ماكرون إلى إجراء انتخابات برلمانية مبكرة. ومع ذلك، لم تحقق هذه الانتخابات النتيجة المرجوة المتمثلة، الشيء الوحيد الواضح اليوم هو أن البلاد منقسمة، والفرنسيون غير راضين.
واليوم، يطالب معارضو الرئيس علنًا باستقالته، وإذا صدقت استطلاعات الرأي الأخيرة، فإن معظم الفرنسيين لن يعارضوا استقالته بل سيرحبون بها.
استنتاجات حول الوضع الحالي
تظهر استطلاعات الرأي أن معظم الفرنسيين لا يعارضون مغادرة ماكرون المفاجئة، إذ أثارت الانتخابات الأخيرة انقسامات عميقة داخل المجتمع الفرنسي، مما جعل النظام السياسي الذي عمل لعقود يتعطل اليوم. فالناخبون يطالبون بمزيد من التمثيل والمشاركة في الحياة السياسية، لكن الحكومات تتوالى دون أي تغيير حقيقي.
من المؤكد أن إيمانويل ماكرون يتحمل بعض المسؤولية عن المأزق الحالي. ولكن بذور الأزمة كانت موجودة بالفعل، فقد اتسعت الفجوات في المجتمع الفرنسي إلى حد أن النظام السياسي الذي عمل لخمسة وخمسين عامًا قد انهار الآن. وكما هو الحال في البلدان الأوروبية الأخرى، لم يعد الناخبون يختارون أغلبية واضحة، إذ قد يكون الائتلاف هو الحل، ولكن الشعب لم يتعوّد على ذلك. يقول علماء السياسة وعلماء الاجتماع منذ سنوات إن الفرنسيين يريدون رأيًا أكبر في السياسة، لكن الحكومات تأتي وتذهب ولا يتغيرأي شيء.
Relatedبايرو يصفع طفلاً.. فيديو قديم يُشعل الجدل بعد تعيينه رئيسًا لوزراء فرنسا"فرنسا ارحلي".. مظاهرات في تشاد تطالب بسحب القوات الفرنسية بعد إنهاء الاتفاق العسكريمن هو فرانسوا بايرو، رئيس وزراء فرنسا الجديد؟يشكو الفرنسيون من الضرائب المرتفعة، وانعدام الأمن المتزايد في بعض الأحياء، والصعوبات التي يواجهونها في دفع فواتيرهم، والمشهد ”المروّع“ الذي تعرضوا له من قبل أعضاء مجلس النواب خلال الأشهر القليلة الماضية.
أثار انتخاب إيمانويل ماكرون آمالًا كبيرة، ليس فقط لأنه أطلق وعودًا كبيرة، لكن انتخابه قبل ثماني سنوات كان أيضًا تعبيرًا عن رغبة أغلبية الناخبين الفرنسيين الذين أرادوا تغييرًا حقيقيًا، لكنهم ما زالوا ينتظرون.
المصادر الإضافية • Neue Zürcher Zeitung
Go to accessibility shortcutsشارك هذا المقالمحادثة مواضيع إضافية سائق قطار سريع في فرنسا يقفز من قمرة القيادة وينتحر ليلة عيد الميلاد والسلطات تفتح تحقيقا في الحادث فرنسا: إنقاذ 240 شخصا في جبال الألب بعد أن بقوا عالقين في الجو بسبب انقطاع الكهرباء عن مصعد التزلج مايوت تحت وطأة إعصار "شيدو".. فرنسا تواصل إرسال المساعدات في ظل دمار غير مسبوق أزمة سياسيةفرنساإيمانويل ماكرونالمصدر: euronews
كلمات دلالية: ضحايا بشار الأسد قطاع غزة عيد الميلاد روسيا كازاخستان ضحايا بشار الأسد قطاع غزة عيد الميلاد روسيا كازاخستان أزمة سياسية فرنسا إيمانويل ماكرون ضحايا بشار الأسد قطاع غزة عيد الميلاد روسيا كازاخستان وفاة سوريا تركيا أبو محمد الجولاني الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أذربيجان إیمانویل ماکرون یعرض الآن Next فی باریس ومع ذلک رئیس ا
إقرأ أيضاً:
ماكرون: قد نكون أول من يزيد من قدرة أوكرانيا على امتلاك جيش قوي
قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة، حيث أجرى محادثات مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب وعدد من القادة والمسؤولين، في إطار الجهود الدبلوماسية المكثفة لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتعزيز التعاون الدفاعي بين الحلفاء.
وخلال زيارته، شدد ماكرون على أهمية تعزيز الإنفاق الدفاعي الأوروبي، مؤكدًا أن "على الدول الغربية بذل المزيد فيما يتعلق بالإنفاق الدفاعي، لضمان الأمن والاستقرار في مواجهة التهديدات المتزايدة".
كما أكد أن فرنسا مستعدة لتعزيز دعمها العسكري لأوكرانيا، قائلًا "قد نكون أول من يزيد من قدرة أوكرانيا على امتلاك جيش قوي، ما سيمنحها موقفًا أقوى على طاولة المفاوضات".
وفي حديثه عن النزاع الأوكراني، أشار ماكرون إلى أن التوصل إلى هدنة في أوكرانيا ممكن خلال الأسابيع المقبلة، مؤكدًا أن "من الممكن على الأقل التوصل إلى هدنة والبدء في التفاوض من أجل السلام".
وأضاف أن فرنسا تعمل على طرح مبادرات دبلوماسية جديدة لتمهيد الطريق نحو تسوية سلمية للنزاع.
وكشف ماكرون عن مقترح بريطاني-فرنسي يجري العمل عليه بالتنسيق مع لندن، بهدف توفير إطار أمني مستدام لأوكرانيا، وقال في هذا السياق: "نعمل مع لندن على تقديم اقتراح بريطاني-فرنسي للحضور من أجل الحفاظ على السلام، مع دعم الولايات المتحدة وتوفير الحماية".
كما أشار إلى أن عدداً من القادة الأوروبيين أبدوا استعدادهم ليكونوا جزءًا من ضمانات الأمن المستقبلية لأوكرانيا، قائلًا: "تحدثت مع قادة أوروبا، والعديد منهم على استعداد لأن يكونوا جزءًا من ضمانات الأمن"
تأتي هذه الزيارة في وقت تكثف فيه فرنسا جهودها لتعزيز موقف أوكرانيا عسكريًا ودبلوماسيًا، حيث تسعى باريس إلى زيادة دعمها العسكري لكييف، بالتوازي مع المساعي الدبلوماسية للوصول إلى تسوية سلمية مستدامة.
وبينما يترقب المجتمع الدولي نتائج هذه التحركات، تبقى التساؤلات قائمة حول مدى فعالية هذه الجهود في تحقيق اختراق حقيقي في الأزمة الأوكرانية، وما إذا كانت الهدنة المحتملة ستشكل نقطة انطلاق نحو سلام دائم في المنطقة.