من أرشيف الكاتب أحمد حسن الزعبي … ونحن أيضا
تاريخ النشر: 26th, December 2024 GMT
ونحن أيضاً
من أرشيف الكاتب #أحمد_حسن_الزعبي
نشر بتاريخ .. 4 / 11 / 2017
قبل أيام اجتاح وسم “أنا أيضاَ” مواقع التواصل الاجتماعي في تظاهرة عالمية لنبذ التحرّش الجنسي ،وحتى تتشجع كل سيدة في رواية قصّتها مع الجريمة الصامتة ولو بعد حين.
كم يدهشني استفاقة #الضمير_العالمي فجأة تجاه قضية نائمة فيجعلها بإرادة واعية قضية هامّة ثم ينشر فيروس “الحمى” لتصيب حساباتنا وأجهزتنا ونتفاعل معها كما يريدون وبالكيفية التي يتمنّون لها.
جميل أن يتّحدَ العالم ضدّ التحرش، لكن هل لهذا الضمير العالمي أن يستفيق تجاه أوطاننا “المغتصبة” ويجعلها بإرادة واعية قضية هامة ليصعد بها فوق الوسوم، منذ مائة عام والأمة العربية تتعرّض لتحرش وانتهاك واغتصاب وإجهاض لحلم الوعي والاستقلال، فهل تريدون أن تسمعوا قصّتنا مع التحرّش؟
و”نحن أيضا” تعرّضنا لما تعرّضت له ضحايا هذا الوسم، في مثل هذا الشهر قبل مائة عام أرسل آرثر بلفور رسالة إلى “لونيل روتشيلد” يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وقبل مائة عام كان تعداد اليهود لا يزيد عن 5% من سكّان فلسطين، لكنهم اغتصبوا الوطن كله، فحبلت الأراضي العربية بمخيّمات اللجوء وولدت الأوجاع في كل مكان.
مقالات ذات صلة موظف محكوم بجناية ومطلوب للتنفيذ القضائي منذ 2022 وما زال على رأس عمله 2024/12/26كان الفلسطينيون عندما ينصبون خيامهم يبقون أبوابها مشرعة نحو فلسطين، ليروا الضوء القادم من التلال المحتلة، ليشتموا رائحة أراضيهم التي تموج بالزيتون الحزين، للزيت الذي يتساقط دمعاً كلما داسته جرافات الاحتلال، كان الفلسطينيون يغلون قهوتهم أمام خيامهم على فجر فلسطين، الدخان المتصاعد صباحاً يرسل إلى الوطن غيمة من شوق وتنهيدات، ظلّت المفاتيح الطويلة بأيدي الكبار على أمل العودة، وظلت الثياب المطرزة تحتضن الإبرة في الكمّ، هناك في غرف الطين لم تكمل الرسمة بعد ولم يكتمل قوام الثوب المطرّز، وظل الزيت يؤنس السراج المطفأ فوق فراش “العيلة” أن اصبر فالفلسطيني عائد، فماتت الأمهات ومفاتيح “العودة” تحت الوسائد.
وسم التحرش والاغتصاب للنساء قد يتصدر أسبوعاً ويزول إلا من ذاكرة الضحية، وكذلك
وسم التحرش والاغتصاب للنساء قد يتصدر أسبوعاً ويزول إلا من ذاكرة الضحية، وكذلك “وسم” اغتصاب الأوطان مثل الوشم يبقى في ذاكرة الشعوب لا يمحوه إلا دم الحرية أو حلّ القضية
ونحن أيضاَ تعرَضنا لما تعرَضت له ضحايا هذا الوسم، ففي مثل هذا الشهر قبل خمسة عشر عاماً كان مجلس الأمن يغتصب قناعات العالم وسلام العراق، كان يروّج لأسلحة الدمار الشامل وطرد المفتّشين، كان يتحرّش بعروبتنا وبعفّة عراقنا عندما ألجمت أمريكا المجتمع الدولي بأكاذيب مارست فيها كل الوقاحة السياسية والدناءة الأخلاقية فلون النفط لدى “مقامر” البيت الأبيض أكثر إغراء من الدم العربي كله.
نزعوا عباءتها بحجة التفتيش، أغمض العرب جميعاً عيونهم كي لا يروا عوراتهم أو تنكشف سوءاتهم، وفي لحظة الإغماض الطويلة اغتصبت بغداد فأصيبت الأمة بالعمى، وصارت بلد الرشيد بلد “رامسفيلد”، واستبدل المصفقون لاحتلال أرضهم عمامة “هارون” بقبّعة “برمير”، وأُحرقت جثّة عبير! لا أحد يذكر عبير بالتأكيد، لكنني أذكرها، وأذكرها جيدا في أول الاحتلال، عبير تلك الفتاة العراقية التي اقتحم جندي أمريكي ثمل منزلها، فاغتصبها أمام مرأى عائلتها ثم أطلق النار عليهم جميعاً وأحرق عبير، لكن لسوء الحظ لم يكن في ذاك الوقت “تويتر” ولا “فيس بوك” حتى تكتب عبير قصتها ككل نساء العالم تحت وسم “أنا أيضاَ”.
ونحن أيضا تعرّضنا ما تعرّضت له ضحايا هذا الوسم، بل تعرّضنا لما هو أبشع منه والعالم كله يقيس مستوى صوت الأنين، أو التفاوض مع الجاني أو تبادل الدور معه حتى، سوريا تتعرض لاغتصاب جماعي، روسي وإيراني وأمريكي وتركي وداعشي وعربي عند الضرورة، والنتيجة إجهاض للثورة واغتصاب للثروة، والبلاد الماجدة ذات الرسالة الخالدة أصبحت مما “ملكت أيمانهم”، وممنوع على سورياً أن تكتب ككل الحرائر اللاتي تعرّضت للتحرش أو الاغتصاب قصتها تحت “أنا أيضاَ” لأن حنجرتها محتلّة بين “شبّيح” و”تاجر ثورة”، وكلاهما يخنقان الوجع الحقيقي ويفضلان الموت بصمت، بين تاء التأنيث وتاء التحرير وجع مقتسم، فوسم التحرش والاغتصاب للنساء قد يتصدر أسبوعاً ويزول إلا من ذاكرة الضحية، وكذلك “وسم” اغتصاب الأوطان مثل الوشم يبقى في ذاكرة الشعوب لا يمحوه إلا دم الحرية أو حلّ القضية.
احمد حسن الزعبي
ahmedalzoubi@hotmail.com
#178يوما بقي #98يوما
#الحريه_لاحمد_حسن_الزعبي
#سجين_الوطن
#متضامن_مع_أحمد_حسن_الزعبي
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: الضمير العالمي سجين الوطن حسن الزعبی ونحن أیضا أنا أیضا
إقرأ أيضاً:
جثدودة / سمر الزعبي
#جثدودة
#سمر الزعبي
تفرّقت الدّيدانُ عن الجثّة، ولم تخترقها، رغمَ أنّ الجثّة اعتنت بمظهرها جيّدًا، وفردت الـ (كريم) المرطِّب على بشرة جسمها ليبدو طريًّا نَضِرًا ما أمكن، ثمّ رشّت بودرة ناعمة تحت إبطَيها، وتعطّرت قبل الدّفنِ بقليل.
حسبت أنّ الدّيدان لن تقاوم منظرَ جلدِها الأبيض المـُشرّب بالحُمرة، فقامت من فورها بفكّ رداء الكفن، وبانت غضّةً شهيّة، لكنّ الدّيدان حامت حولَها، شمّتها ولعقتها، ثمّ فرّت بلا رجعة.
مقالات ذات صلة عندما ينتصر الكف … 2025/01/19دودةٌ وحيدة -فقط- استطعمَتْ، فاستوطنتْ، وقضمت ما تيسّر من اللّحم بِنَهم، ثمّ انكفأت تنتظر شركاءَ في المسكن، لكنّ أحداً لم يعقبها، رغمَ أنّ الجثّة داومت على إصدار أصوات كلّما مرّت دودة، وكانت تنتفض أحيانًا؛ كي تجعلها تظنّ أنّها جثةٌ حيّة دُفنت حديثًا.
أُصيبت الدّودةُ بنوبات اكتئاب من الوحدة، فغادرت الجثّة، إلّا أنّها لم تتكيّف مع الدّيدان في ما بعد، فقد عامَلْنَها معاملةَ كائنٍ مُختلِف عمّا كانتْ عليه -قبلَ أن تستوطنَ الجثّة، إذ نما شَعرٌ على رأسِها، وأسفلَ بطنِها بقليل.
قرّرت أن تكتشف العالَم الخارجيّ، وتبحثَ عن أنيسٍ أيضًا، فشقّت التّراب نحوَ الأعلى، وصعدت إلى سطح الأرض، بكتْها الجثّةُ وهي تسلك طرُقًا متعرِّجةً، متخفّيةً كي لا تسقط فريسةً لكائناتٍ أخرجها الصّيفُ من مخابئها.
عاودت الجثّةُ سيرتَها في إغراءِ الدّيدان، تحرّكت بتناغُم، وجدلت شعرها الذي بات طويلًا للغاية كي لا يغطّي جسدَها الذي احتفظ برطوبته وبهائه على مرّ سنواتٍ انقضتْ، ولأنّ دودةً وحيدةً أحبّتها، صارت الجثث الجُدُد تناديها «جثدودة»، وراقَ هذا الاسمُ الجميع.
أمّا أنيستُها فقدْ مَخَرَتِ البحرَ على باخرةٍ عظيمة الهيكل، واستقرّت في جزيرة بعيدة، وأصبحت شهيرةً هناك، إذ إنّ شعرَها جعل منها «الدّودة المعجزة»، تزوّجت وصار لها أبناء تقصّ عليهم حكاية الجثّة التي كانت سببَ المجد.
بعدَ بضعِ سنوات قرّرت العودة، وغادرت المكان بحذاقة مقطوعة النّظير، حتّى لا يكتشفَ أحدٌ هروبَها من الأضواء، وعادت متشوِّقةً إلى موطنها الجثّة، التي أيِسَت من استعطاف الدّيدان، وهمدت قيدَ ذكرياتِها، وحين وصلت إليها، ألقت حقائبَ السّفر، وزحفت صوبَها مشدوهةً، إذ كان آخِر جزءٍ منها قد تحلّل للتّوّ.