صحيفة التغيير السودانية:
2025-04-03@20:55:16 GMT

مأزق الحرب والإسلاميين

تاريخ النشر: 26th, December 2024 GMT

مأزق الحرب والإسلاميين

 

مأزق الحرب والإسلاميين

نضال عبدالوهاب

ظهور ما يُعرف بالإسلاميين أو الحركة الإسلامية وتياراتها أحزاباً ومجموعات في السُودان هو ظهور قدّيم في ساحة العمل السياسِي والوطني، وتطور وجودها ما بين جماعات “دعوية” ودينية، إلى المُشاركة في العمل السياسِي المُباشر ثم المُشاركة في أجهزة الحُكم والدولة في حقب ومراحل مُختلفة، وحتى سيطرتها الكاملة على مقاليّد الحُكم والسُلطة بشكل مُطلق بعد انقلابها في يونيو ١٩٨٩، الذي استمر لثلاثين سنة، حتى تم التغيير الجزئي بثورة ديسمبر وإزاحة رأس النظام، مع بقاء كافة أجهزته ومؤسساته في طور التفكيك، حتى تم الانقلاب مرة أخرى وبوجوه تابعة لهم ومسنودة منهم في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ ، ثم تواصل الصراع الداخلي واختلاف المصالح من أجل الموارد والنفوذ والسُلطة نفسها فحدثت الحرب الحالية بين “الجنرالات” من العسكريين، التي تم الزج بالجيش فيها بعد سيطرة الإسلاميين علي كامل القرار فيه، مع المليشيات ذاتها التي صنعها الجيش والحركة الإسلامية وحزبها السياسِي المؤتمر الوطني وسلحها ودربها وقواها وهي مليشيا الدعم السريع، وتم إشعال الحرب للقضاء على أي مظهر للتغيير ثم للعودة للسلطة من قبل الإسلاميين والمؤتمر الوطني، مع تقاسم للبلاد ما بينهم وبين قوات المليشيا المصنوعة منهم التي تم إعادة استخدامها كأداة في أيدي خارجية، لكنها مع ذات الوقت لا تخلو من وجود الإسلاميين داخلها، فصارت الحرب أشبه بصرّاع الإسلاميين فيما بينهم، مع إدخال الصرّاع الإثني والقبلي كأحد موجهات الصرّاع، وكذلك اختلاف بعض المصالح الخارجية الدولية والإقليمية كمُحركة وداعمة للحرب واستمرارها.

إذاً فإن مأزق الحرب الحالية يلعب فيه الإسلاميون الدور الأكبر، بأهداف تتوزع ما بين:

١/القضاء على الثورة والتغيير.

٢/العودة للسُلطة.

٣/استمرار التمكيّن السياسِي والاقتصادي.

٤/تصفية الخصوم السياسِيين والتخلص منهم.

٥/الإفلات من العقاب والمُسآلة.

وفق هذه الأهداف غير “المُعلنة” تتستر الحركة الإسلامية أو الإسلاميون أو بعضهم وقطاع كبير منهم على “وجه الدقة”، خلف هذه الحرب، ولعل في سبيل تحقيق هذه الأهداف وضح تماماً أنه ليس هنالك أي “سقف” وحد للتنازل عن تلك الأهداف حتى وإن استطالت الحرب، أو تم القضاء على كُل الشعب والتضحية به، أو حتى تمزيق البلاد وتقسيّمها وعرض أجزاء منها كاراضي مُحتلة أو منهوبة من الخارج والطامعين، وهذا مع التنبُه أيضاً أن للمليشيا أيضاً في تفكير قياداتها أو منسوبيها ذات الأهداف الاستطماعية وإن استندت على الطابع القبلي أو الإثني، وهي الوصول للسُلطة والقضاء على الثورة والتغيير والتخلص من الخصوم واستدامة النفوذ ونهب الموارد والتمكين الاقتصادي، والإفلات من العقاب، وهم أيضاً من أجل ذلك لا سقف لهم ولا حدود، فتصيّر “العمالة” للخارج والتعاون مع الأجنبي لأجل ذلك لتنفيذ أجندتهم لأبقائهم في السُلطة وكنز الأموال واستمرار نهبها وتقاسمها مع هذا الخارج أو المُحتل.

فطرفا الحرب إذاً، ليس الشعب ولا أي قضايا وطنية ولا أي مصالح للبلاد هي في تفكيرهم أو اهتمامهم وأجندتهم، وهذا كله وضح من خلال سيّر الحرب وإفرازاتها وآخرها ما حدث في كارثة فتح أبواب خزان جبل أولياء والغرق لأجزاء واسعة في ولاية النيل الأبيض والدمار، الذي لايزال ماثلا وبذلك تعريض البلاد وشعبها للإفناء والتدّميّر المُتعمّد والمُمنهج.

ليس هنالك حرب للكرامة، ولا حرب لاستعادة الديمُقراطية وخطابات الخداع والمُتاجرة بالقضايا والأخلاق هُنا وهُناك!.

بالعودة للإسلاميين وحتى تتوقف الحرب، من المُهم تصنيف هؤلاء الإسلاميين على إتساع مدارسهم وتركيبتهم ومجموعاتهم وتياراتهم السِياسِية، وفقاً لموقفهم من الحرب نفسها، ثم من مواقفهم من أي قضايا لها علاقة بنبذ العُنف، وتحقيق السلام والاستقرار أولاً، ثم بعد ذلك بالتحول الديمُقراطي ومبادئ الثورة التي يعلمونها التي من أجلها “خرج” و”ثار” الشعب السُوداني ضد نظامهم وبرنامجهم ومشروعهم السياسِي.

الإنكار أو التنكر للثورة والتغيير لا يخدّم استقرار البلاد السياسِي والتداول السِلمي للسُلطة، وبالمقابل وضع جميّع الإسلاميين في “سلة” واحدة لا يخدم قضية وقف الحرب ولا التحول الديمُقراطي والتداول السِلمي للسُلطة، ومسألة عدم نبذ العُنف لا تخدم قضية السلام العادل والتداول السِلمي للسُلطة، والإصرار على التمسك بذات المشروع السياسِي من قبل الحركة الإسلامية والإسلاميين ولذي مزق البلاد وأشعل فيها الحرب وفرّق بين السُودانيين ثم رفضه الشعب بالثورة عليه هو أيضاً “مربط الفرس” في عدم قبولهم ولا يخدم قضايا الوحدة والسلام والعدالة والمُساواة، ويؤدي لاستمرار حالة الصّراع وعدم الاستقرار.

ما أود الوصول إليه أن التعامل مع الإسلاميين ينبغي له أن لا يخرج من تلك المعايير والتوصيف:

١/الموقف من الحرب.

٢/الموقف من الثورة.

٣/الموقف من التحول الديمُقراطي والتداول السِلمي للسُلطة.

٤/الموقف من العنف ونبذه.

٥/الموقف من سيادة البلاد ووحدتها.

لا أعتقد أن هذا عائق للحوار معها وليس بالضرورة أن يعني هذا التوصل لنتائج لا تخدم مصالح البلاد وكل نضالات السُودانيين من أجل التغيير فيها.

العمل لإيقاف الحرب والمحافظة على البلاد يتطلب مواجهة من يشعلون الحرب وأطرافها الداخليين والخارجيين وعلى رأسهم “الإسلاميين”، وعلى كُل من هو إسلامي أن يُعلن موقفه من تلك القضايا التي فصّلناها وعلى رأسها الموقف من الحرب والدعوة المُباشرة لوقفها والعمل لأجل ذلك لينفتح طريق للحوار حول غيرها من قضايا تهُم حاضر ومُستقبل البلاد والشعب السُوداني دون عزل أو إقصاء، مع التذكير أن أولويات وقف الحرب والإبادة للشعب السُوداني وتشريده، مع أمنه واستقراره، والمُحافظة على البلاد ووحدتها، هي المصالح الأكبر لكُل السُودانيين بمُختلف توجهاتهم وتنوعهم.

 

الوسومالاسلاميين التحول الديمقراطي الحوار حرب السودانيين

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الاسلاميين التحول الديمقراطي الحوار حرب السودانيين

إقرأ أيضاً:

من المتحف القومي إلى مكتبة الترابي: كيف يُعاد تشكيل السودان بممحاة الإسلاميين؟

التاريخ ليس ما حدث، بل ما يُقال إنه حدث. هو ذلك النص الذي يُعاد كتابته في كل مرة تستولي فيها سلطة جديدة على مكامن القوة. وحين يخشى الطغاة ماضي الأمة، لا يواجهونه بالنقاش، بل بالمحو، بالحرق، بالطمس، بالسرقة.

فالأمم التي يُراد لها أن تكون قطيعًا لا تحتاج إلى ذاكرة، لا تحتاج إلى شواهد على أنها وُجدت قبل أن يُعاد تعريفها من جديد. وهذا ما فعلته الجبهة الإسلامية بالسودان؛ لم تكتفِ بإعادة صياغة المناهج، ولا بتزييف الروايات، بل قررت أن تسدل الستار على كل ما سبقها، كي يُولد السودان من جديد على صورتها، لا كما كان، بل كما ينبغي له أن يكون في خطابها المُعلّب.

نهب المتحف القومي في أبريل 2023 لم يكن مجرد حدثٍ عابرٍ في فوضى الحرب، بل كان امتدادًا طبيعيًا لمشروع بدأ منذ أن قررت الجبهة الإسلامية أن السودان يبدأ بها، وينتهي عندها.

حين اقتحمت قوات الدعم السريع قاعات المتحف، لم تكن تبحث عن الذهب وحده، بل عن فرصة أخرى لمحو الشواهد، لدفن الماضي تحت ركام الخراب. كانوا يدركون أن كوش وعلوة والمغرة ليست مجرد أسماء في كتب التاريخ، بل هويات قد تصطدم بالسردية التي تريد السلطة فرضها.

وكما قال هاينريش هاينه: “حين يحرقون الكتب، فإنهم في الواقع يخشون الفكرة التي تحملها.” وحين ينهبون المتاحف، فإنهم في الحقيقة يحاولون سرقة التاريخ قبل أن يستعيده الناس.

لكن القصة لم تتوقف عند السرقة. العبث يبلغ ذروته حين يتحول التخريب إلى معجزة، وحين يصبح النهب إعادة تعريفٍ للهوية الوطنية.

أحد ضباط الجيش، في نوبة من الانتشاء الأيديولوجي، خرج علينا ليعلن أن الله قد عوّض السودانيين عن فقدان المتحف القومي بـ**“حفظ مكتبة الشيخ الترابي”**! وكأن هذا البلد محكومٌ بمقايضةٍ أبدية؛ كلما سقط جزء من ماضيه، عُوِّض عنه بترسيخ سردية الإسلاميين.

وكأن هذا القدر اللعين لا يريد لنا أن نرى ترهاقا وبعنخي وأبادماك، بل أن ننحني أمام كتب الترابي وعصارة فكره، التي لم تنتج سوى دولة بلا ذاكرة، وشعب بلا ماضٍ، وسودانٍ يُعاد تصميمه في قوالب لا تشبه أهله.

لم يكن هذا الضابط يعبّر عن رأيه الشخصي، بل كان يُعيد إنتاج العقيدة الرسمية التي ترى أن كل ما سبق “دولة الشريعة” لا يستحق سوى النسيان، وأن السودان لم يكن شيئًا قبل أن تضع الجبهة الإسلامية يدها عليه.

هذه ليست مجرد محاولة للسيطرة على الحاضر، بل كما قال جورج أورويل: “من يتحكم في الماضي، يتحكم في المستقبل. ومن يتحكم في الحاضر، يتحكم في الماضي.”

الجبهة الإسلامية لم تكن تسرق الذهب فحسب، بل كانت تصوغ سردية جديدة: السودان ليس كوشيًا، ولا نوبياً، ولا مسيحيًا، ولا أفريقيًا، بل كيانًا وُلد يوم أن قررت هي ذلك. تاريخ هذا البلد يبدأ حيث تبدأ هي، وكل ما سبقها مجرد تمهيدٍ لا يستحق الذكر.

هذا ليس سلوكًا خاصًا بالإسلاميين وحدهم، بل هو منطق كل أنظمة الطغيان؛ من النازية التي أعادت كتابة التاريخ الألماني لتصنع سردية التفوق العرقي، إلى السوفييت الذين أزالوا رفاق ستالين من الصور الرسمية بعد أن أزالوهم من الحياة، إلى داعش التي هدمت آثار نينوى وبابل، لأن وجودها يهدد تصورها الضيق عن العالم.

كل هؤلاء أدركوا أن السيطرة الكاملة لا تتحقق فقط بالسلاح، بل بالذاكرة، وأن الشعوب التي تعرف ماضيها قد ترفض مستقبل الطغاة.

لكن التاريخ ليس بيتًا يُمكن إحراقه بالكامل، ولا كتابًا يُمكن تمزيقه ثم إملاء نسخة جديدة منه دون مقاومة. فالشعوب التي يُفرض عليها النسيان تُعيد اكتشاف نفسها بطرق لا يتوقعها الطغاة.

الذاكرة ليست مجرد صناديق زجاجية في المتاحف، بل هي الحكايات التي تنتقل من جيل إلى آخر، هي الشعر الذي ينجو من مقص الرقابة، هي الفن الذي يعيد رسم الوجوه المحذوفة من التاريخ، هي الأسئلة التي لا تموت مهما حاولت السلطة إسكاتها.

وكما قال والتر بنيامين: “حتى الموتى لن يكونوا في أمان إذا انتصر العدو.”

لكن العدو لا ينتصر إلى الأبد.

قد ينهبون المتاحف، وقد يحرقون التماثيل، وقد يمحون الأسماء من الكتب، لكن ذاكرة السودان ليست شيئًا يمكن محوه بقرارٍ إداري أو بنهبٍ مسلح.

هذه البلاد أقدم من السلطة، وأعمق من أن تختصرها حقبة، وأقوى من أن تُمحى بسردية ملفقة. والسؤال الذي يبقى: هل يستطيع السودانيون استعادة تاريخهم قبل أن يُعاد فرض تاريخٍ جديدٍ عليهم؟

Sent from Yahoo Mail for iPhone

zoolsaay@yahoo.com

   

مقالات مشابهة

  • محاولات فاشلة للإسلامويون للعودة وطمس الهوية والتاريخ
  • شاهد بالفيديو.. قائد الهلال “الغربال” يحكي قصة اللحظات الصعبة التي عاشوها في الساعات الأولى من الحرب بالخرطوم
  • هل عاد عمار إلى الإسلاميين أم أُعيد قسرًا؟
  • من المتحف القومي إلى مكتبة الترابي: كيف يُعاد تشكيل السودان بممحاة الإسلاميين؟
  • كيف يمكننا تلافي آثار الحرب الكارثية على وحدة بلادنا وتماسك نسيجها المجتمعي؟
  • رسالة إلى السودانيين احذروا الإسلاميين: فرؤيتكم لمستقبل سودان ما بعد الحرب ليست متطابقة
  • عبد الرحيم دقلو يعلن نقل الحرب إلى شمال السودان .. قال إن قرابة 2000 عربة قتالية تتجه حالياً إلى الولاية الشمالية
  • الحنين للدكتاتورية – مأزق الوعي
  • مناوي يكشف عن رؤيته للقوات التي تقاتل مع الجيش بعد انتهاء الحرب
  • هوليوود في مأزق.. سينماكون 2025 يحمل آمال إنقاذ شباك التذاكر