نظرية جديدة لتفسير آلية اختزان الذكريات في العقل البشري
تاريخ النشر: 25th, December 2024 GMT
توصل باحثون من أميركا إلى أنه من الممكن اختزان الذكريات في ذاكرة المدى الطويل مباشرة دون الحاجة لمرورها على ذاكرة المدى القصير أولا.
وتنقسم ذاكرة العقل البشري إلى شقين رئيسيين، أولهما ذاكرة المدى القصير التي تعرف أيضا باسم "الذاكرة النشطة"، ويتمثل دورها في اختزان كمية محدودة من المعلومات في العقل دون مراجعة، على أن تظل متاحة للاسترجاع لفترة زمنية محدودة، وهناك ذاكرة المدى الطويل، وهي التي تقوم بمعالجة الذكريات والاحتفاظ بها إلى أجل غير مسمى.
ويقول العلماء إن من بين خصائص ذاكرة المدى الطويل أنها تتميز بسعة غير محدودة، وتحتفظ بالذكريات لفترات طويلة دون أن تفقدها، ويسهل استدعاء هذه الذكريات عند الاحتياج إليها.
وعادة ما تنقسم ذاكرة المدى الطويل إلى أنواع عدة، مثل الذاكرة الصريحة التي تختزن الذكريات والمعلومات التي يتم استرجاعها بوعي، والذاكرة العرضية التي تحتفظ بمعلومات عن الأحداث التي تمر بالإنسان على امتداد حياته، والذاكرة الدلالية التي تختزن معلومات يتم استخدامها في الحياة اليومية، مثل معاني الكلمات وطريقة التعامل مع مختلف المعطيات في البيئة المحيطة.
وتضم ذاكرة المدى الطويل أيضا الذاكرة الإجرائية التي تتعلق بالمهارات الحركية للإنسان، مثل ركوب الدراجة أو الكتابة بالقلم أو السباحة وغيرها، وهناك أيضا الذاكرة الترابطية التي تسترجع ذكريات محددة من خلال ارتباطها بسلوكيات أو مواقف قديمة بغرض تطويرها واكتساب خبرات جديدة.
إعلانوعند تعامل العقل مع المدخلات اليومية فإنه يقوم باختزان المعلومات في البداية على ذاكرة المدى القصير لبرهة محدودة من الوقت، ثم يتخلص من المعلومات غير المهمة تباعا لإفساح المجال لإدخال معلومات جديدة، علما بأن الذكريات المهمة تنتقل من ذاكرة المدى القصير إلى المدى الطويل حيث يتم الاحتفاظ بها لاسترجاعها عند الحاجة إليها.
ممر سريلكن فريقا من الباحثين من معهد ماكس بلانك في ولاية فلوريدا الأميركية توصل إلى نظرية جديدة تقول إنه من الممكن اختزان الذكريات في ذاكرة المدى الطويل مباشرة دون الحاجة لمرورها على ذاكرة المدى القصير أولا، مما يفتح مجالا جديدا لفهم آلية عمل ذاكرة الإنسان ومعرفة الظروف التي تحيط بمنظومة اختزان الذكريات في العقل البشري.
ويقول رئيس فريق الدراسة الباحث ميونغ يون شين إن "هذا الاكتشاف يماثل العثور على ممر سري يفضي إلى الذاكرة الدائمة داخل العقل".
وأضاف شين في تصريحات للموقع الإلكتروني "سايتك ديلي" المتخصص في الأبحاث العلمية أن "النظريات السائدة تشير إلى وجود ممر واحد لانتقال المعلومات من ذاكرة المدى القصير إلى الطويل، ولكننا الآن لدينا دلائل قوية تشير إلى وجود مسارين على الأقل لتكوين الذكريات يمر أحدهما عبر ذاكرة المدى القصير، ويفضي الآخر إلى ذاكرة المدى الطويل مباشرة، وهو ما يدل على أن العقل البشري أكثر مرونة عما كان يعتقد من قبل".
وتركز الدراسة على إنزيم معين داخل الخلايا العصبية يطلق عليه اسم "سي إيه إم كي 2″، ويرتبط بتكوين ذكريات المدى القصير، وكان العلماء في السابق يعتمدون على علم البصريات الوراثي لتعطيل عمل هذا الإنزيم بشكل مؤقت.
وبالطريقة نفسها، اعتمد الفريق البحثي في معهد ماكس بلانك على الضوء لتعطيل آلية تكوين ذكريات المدى القصير داخل عقول الفئران.
ومن المعروف أن الفئران تفضل الأماكن المظلمة، وإذا ما أتيحت لها الفرصة فإنها تتجه إلى المكان المظلم بدلا من المكان المضيء، لكن إذا تعرض الفأر لتجربة مخيفة في مكان مظلم فإن هذه الذكرى المرعبة سوف تعدل سلوكياته وتجعله يتجنب الاتجاه إلى الأماكن المظلمة في المستقبل.
إعلانوبحسب موقع "سايتك ديلي"، لجأ الفريق البحثي إلى تعريض فئران التجارب إلى تجربة مفزعة في أماكن مظلمة، ثم استخدموا الضوء للحيلولة دون اختزان هذا الحدث في ذاكرة المدى القصير لدى الفئران.
وتبين من التجربة أنه بعد انقضاء ساعة عادت الفئران للولوج إلى الأماكن المظلمة دون خوف، بمعنى أن الفريق البحثي نجح بالفعل في منع تخزين هذا الحدث في ذاكرة المدى القصير.
لكن الأمر الذي أدهش العلماء بعد ذلك أنه بعد مرور أيام عدة أو أسبوع أو شهر تغيرت سلوكيات فئران التجارب وأصبحت تمتنع عن دخول الأماكن المظلمة نفسها التي سبق أن تعرضت فيها لتجربة مخيفة، وهو ما يدل بشكل قاطع على أن الشعور بالخوف من الظلام -والذي لم يتم اختزانه على ذاكرة المدى القصير بعد تدخل العلماء- قد انتقل بشكل مباشر إلى ذاكرة المدى الطويل لدى الفئران، وهو ما أتاح لهذه الحيوانات استرجاع الشعور بالخوف بعد أيام عدة أو أسابيع أو حتى أشهر.
عملية متوازيةويقول الباحث شين "في البداية شعرنا بالدهشة من هذه الملاحظة لأنها لا تتفق مع أفكارنا المسبقة بشأن طريقة تكوّن الذكريات، ولم نكن نعتقد أنه من الممكن اختزان المعلومات في ذاكرة المدى الطويل دون الاحتفاظ بها لفترة في ذاكرة المدى القصير، لكن عندما قمنا بتكرار التجربة مرات عدة باستخدام أدوات بحثية مختلفة استطعنا التحقق من صحة هذه النتيجة وأصبحنا على قناعة".
وأوضح "لقد تبين لنا أن تكوّن الذكريات طويلة المدى ليس عملية خطية تتطلب مرور المعلومة على ذاكرة المدى القصير أولا، إنما هي عملية متوازية تسمح بتجاوز ذاكرة المدى القصير في بعض الأحيان".
ويقول الباحث ريوهي ياسودا عضو فريق الدراسة في معهد ماكس بلانك إن "هذه النتائج جعلتنا نعيد النظر في فهمنا لتكوين الذكريات، ونعكف الآن على محاولة فهم الظروف التي تؤدي إلى تكون ذكريات المدى الطويل مباشرة، علما بأن هذا البحث العلمي قد يساعد في إيجاد طرق للاحتفاظ بالمعلومات على ذاكرة المدى الطويل في حالة تضرر ذاكرة المدى القصير لدى البعض جراء تقدم السن أو بسبب مشكلات صحية تؤثر على الإدراك العقلي".
إعلانالمصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات العقل البشری
إقرأ أيضاً:
تحديات إعادة بناء رأس المال البشري في سوريا
من كبرى الجرائم التي يرتكبها المستبدون هدمُ الدول من أجل الحفاظ على عروشهم، وكانت سوريا واحدة من الحالات البارزة حيث حرص الرئيس المخلوع بشار الأسد على هدم الدولة.
فحينما يصل عدد السكان في سوريا لقرابة 30 مليون نسمة، وفق بيانات الكتاب الإحصائي السنوي لعام 2023 والصادر عن المكتب المركزي للإحصاء بسوريا، نجد أن عدد المهاجرين قسريا من سوريا قدر بنحو 6 ملايين نسمة بسبب الحرب التي شنها الأسد على ثورة شعبه خلال الفترة بين 2012 و2024، مما يعني أن المهاجرين بلغت نسبتهم 20%.
ومع نجاح الثورة السورية أواخر عام 2024 وزوال حكم الأسد، أصبحت إعادة الإعمار من الضرورات الملحة. وفي صلب عملية إعادة الإعمار إعادة بناء رأس المال البشري الذي يعد أهم من مكونات الموارد الاقتصادية، فمن دون الثروة البشرية لا قيمة للثروات الطبيعية والمالية.
ورأس المال البشري بمفهومه البسيط هو ما تمتلكه الدولة من ثروة بشرية بمقوماتها وخصائصها، من تعليم وصحة، ومساهمة في قوة العمل، وقدرتها على الابتكار والتطوير، واستمرار عملية التوارث البشري عبر معدلات نمو للسكان تفي بمتطلبات المجتمع في مختلف جوانب الحياة.
قوة العمل بسوريايحتاج الأمر في سوريا إلى سرعة تحديث البيانات بعد أن نجحت الثورة السورية في توحيد شبه كامل للأراضي السورية،.
إعلانوإلى أن تتاح البيانات الكاملة، فإن ما هو موجود عبر الكتاب الإحصائي السنوي لسوريا للعام 2023 يمكن البناء عليه، بجانب ما تنشره المنظمات الدولية المعنية بشأن الهجرة أو حقوق الإنسان، حتى نستطيع أن نأخذ صورة عن رأس المال البشري السوري.
بلغ عدد سكان سوريا في عام 2022 نحو 29.6 مليون نسمة، منهم 14.7 مليونا للذكور و14.8 مليونا للإناث، وقدر معدل النمو السكاني في العام نفسه بـ2.45%. ويتسم الهرم السكاني في سوريا ببروز الفئة القادرة على العمل، حيث تشكل الفئة العمرية من 15 إلى 60 عامًا نسبة 57% من السكان.
وتبلغ قوة العمل في سوريا 5.9 ملايين نسمة، منهم 4.5 ملايين عامل و1.4 مليون عاطل، ويعد القطاع الخاص صاحب الحصة الكبرى في سوق العمل بتوفير نحو 3.09 ملايين فرصة عمل، في حين يوفر القطاع الحكومي 1.4 مليون فرص عمل.
أما من حيث مساهمة الجهات الاقتصادية المختلفة في توفير فرص العمل فيأتي:
قطاع الخدمات في المقدمة بنحو 1.6 مليون فرصة عمل. وقطاع التجارة والفنادق والمطاعم بنحو 850 ألف فرصة عمل. ثم قطاع الزراعة بنحو 671.6 ألف فرصة عمل. وكان قطاع المال والتأمين والعقارات هو الأقل بنحو 55.7 ألف فرصة عمل.وفيما يتعلق بالعاملين في القطاع الحكومي، فإن:
قطاع التربية هو الأعلى من بين القطاعات الاقتصادية المختلفة من حيث إتاحة فرص العمل بنحو 321 ألف فرصة عمل. وقطاع الصحة بنحو 84 ألف فرصة عمل. ثم الداخلية 55.6 ألف فرصة عمل. فالتعليم العالي 38.3 ألف فرصة عمل. خسائر الثروة البشريةأسفرت الحالة التي أوجدها بشار الأسد في سوريا خلال فترة الحرب (2012-2024) عن مقتل 231.4 ألف شخص، واعتقال نحو 157.6 ألف آخرين من بينهم حالات إخفاء قسري، حسب تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، كما ذهبت أرقام مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن عدد اللاجئين السوريين في 5 دول عربية بلغ نحو 4.6 ملايين لاجئ.
إعلانولابد أن نأخذ في الاعتبار أن ثمة أعدادا أخرى هاجروا خارج سوريا ولم يسجلوا أنفسهم لاجئين لكنهم عاشوا خارج سوريا مهاجرين، وبذلك يقدر عدد المهاجرين السوريين في بعض المصادر بنحو 6 ملايين مهاجر.
ومن بين 6 ملايين إنسان هاجروا خارج سوريا، تتنوع الكفاءات والمهن والحرف، مما أسهم بلا شك -إضافة لظروف الحرب- في تراجع أداء الناتج المحلي الإجمالي لسوريا، وتواضع تعاملاتها الخارجية على الصعيد الاقتصادي والتجاري.
ففي ألمانيا، التي تعتني بالثروة البشرية وبخاصة الكفاءات المتميزة، تشير التقديرات إلى أن عدد الأطباء السوريين بها يقدر بأكثر من 6 آلاف طبيب، وهناك آخرون يعملون في مجال الرعاية الطبية من غير الأطباء ممرضين ومتخصصين في الأشعة والتحاليل وغيرها.
وبالرجوع إلى أرقام مكتب الإحصاء السوري، فإن عدد الأطباء في سوريا يقدر بحدود 36.5 ألف طبيب في عام 2022، وإذا كانت ألمانيا وحدها استقطبت نسبة تقترب من 17% من إجمالي الأطباء السوريين، فما بالنا بباقي الدول؟ وهو سؤال يمكن طرحه أيضا على باقي القطاعات والمهن والحرف.
وفي غير ألمانيا، كتركيا مثلًا أظهر المهاجرون السوريون تفوقًا علميا في مجالات شتى، مما دفع أنقرة إلى منحهم الجنسية خاصة في مجالي الهندسة والطب وغيرهما، وقد فعلت مثل تركيا دول أخرى في منح المهاجرين السوريين جنسيتها بسبب تميزهم مهنيًا وخبراتهم العلمية.
إستراتيجية إعادة البناء والعودةتبقى لسوريا بنيتها الأساسية الخاصة بالتعليم والصحة، والتي يمكن من خلالها إتمام عمليات إحلال وتعويض تلك الكفاءات التي هاجرت وقد يتعذر عودتها في الأجل القصير، ومن هنا لابد من توفير ظروف تمكّن من الإفادة من إمكانيات وقدرات المهاجرين السوريين من خلال الآتي:
وجود كيان معني بشؤون المهاجرين، يركز على تبني خطة لتأمين عودتهم وطرق التواصل معهم من الآن، وتسهيل كل ما من شأنه الإفادة من جهودهم في إعادة بناء سوريا. وضع تصور لإمكانية الإفادة من المهاجرين ولو لأوقات محددة، كأن يعودوا في إجازات منتظمة على مدى العام، وتوظيف خبرتهم في تطوير الخدمات الطبية والتعليمية والهندسية وغيرها، على أن تكون هناك خطة لعودة النسبة الكبرى من المهاجرين في الأجلين المتوسط والطويل. إتاحة الفرصة للمهاجرين للمشاركة في إعادة الإعمار في سوريا عبر قدراتهم المالية والمهنية، وبما يسمح بالمشاركة مقابل أجر أو المشاركة التطوعية، أو تذليل العقبات أمام من يرغب منهم في إقامة مشروعه الخاص. أن تكون إستراتيجية الاستفادة من المهاجرين مبنية على مشاركة جميع أبناء سوريا، وبعيدًا عن التصنيف السياسي، ويكمل هذا أن تكون لدى الإدارة الجديدة رؤية لبناء سوريا في إطار شامل لجغرافيتها ولجميع أبنائها. ثمة متطلب مهم من مؤسسات التعليم في سوريا، يتعلق بالتركيز على جودة مخرجات التعليم، وارتباطها بسوق العمل في المجالات المهنية والحرفية، بما يمكن أن يسهم في ردم الفجوة التي أوجدتها ظاهرة الهجرة. ينتظر أن تستمر عودة المهاجرين من دول الجوار إلى سوريا، خاصة أولئك الذين يقيمون في خيام، ولذلك يُفضل إعداد برامج إعادة تأهيل لهؤلاء ليكونوا إضافة لرأس المال البشري ومصدرا لزيادة فاعلية قوة العمل. إعلان التحدياتهنا نستعرض أهم التحديات:
تأخير عملية إعادة الإعمار، وعدم توفر الخدمات بشكل مناسب على مدار اليوم، مثل خدمات الكهرباء أو تأمين عمليات الانتقال داخل سوريا، بما يضمن سلامة انتقال الأفراد وحرية التملك والاستثمار لكل أبناء سوريا في مختلف مناطقها الجغرافية. عدم جاهزية الوضع في سوريا بعد الثورة في توفير فرص عمل مناسبة ورواتب للكفاءات التي هاجرت. حالة الاستقرار الاجتماعي التي توفرت لبعض الكوادر، وبخاصة تلك التي عملت في أوروبا وأميركا أو في بلدان عربية حيث أتيحت لهم فرص العمل والاستثمار، ومن الصعب أن يتخلوا عن هذا الوضع في الأجل القصير. وإن كان ذلك ممكنًا لجيل الآباء، فقد يكون شديد الصعوبة لجيل الأبناء الذين ارتبطوا ببلدان المهجر بنظم تعليمية ومزايا سوق العمل. حرية السفر والانتقال للخارج في سوريا بعد الثورة ستشكل تحديا أمام الإدارة السورية الجديدة، بحيث يمكن للمقيمين في سوريا حاليًا أن يبحثوا عن فرص للهجرة المؤقتة، خاصة لجيل الشباب الباحث عن ظروف معيشية أفضل لتعويض سنوات الحرمان والحرب التي أضرمها الأسد في سوريا.