فرص وتحديات ومخاطر أمام الثورة السورية
تاريخ النشر: 24th, December 2024 GMT
تتميز الثورة السورية بأنها أوَّل ثورة مكتملة الأركان منذ "الربيع العربي"، وأنها ثورة قادرة على إحداث تغييرات جذرية في بنية النظام، بما يوفر فرصًا حقيقية لحالة صعود نهضوي كبير.
غير أنّ هذه الثورة تواجه تحديات ومخاطر كبيرة، بعضها داخلي، ويزيد من حِدّتها موقع سوريا الإستراتيجي وثرواتها، وكونها دولة مواجهة، وتقاطع المصالح الإقليمية والدولية تجاهها.
تتمثل أبرز عناصر قوة نظام الحكم الجديد في دمشق بامتلاكه "للثلاثي الذهبي"، في قيادة الدولة وبناء نظام جديد، وهي: العدالة الانتقالية، وعناصر القوة الخشنة، وعناصر القوة الناعمة. كما أن هناك فرصًا تدفع باتجاه نجاح الثورة:
أولًا: العدالة الانتقاليةحيث يمكن من خلالها إنشاء محاكم ثورية ونظام قضائي مَعنِي بتفكيك "الدولة العميقة" السابقة، ومعاقبة أو تحييد رموزها، والحيلولة دون تمكّنهم من تعطيل الثورة، أو إفراغها من محتواها، أو تشويهها، أو حرف بوصلتها، أو العودة للبروز تحت روافع ومسميات جديدة.
ويجب أن تكون ثمة معادلة حكيمة وحازمة، تسمح بأجواء من التسامح وطي صفحة الماضي، وتجاوز العصبيات الطائفية والعرقية؛ ولكنها في الوقت نفسه تقتلع "أكابر مجرميها" ورموز فسادها، وكوادر منظومة نفوذها الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والإدارية.
إعلان ثانيًا: القوة الخشنةالقوة الخشنة تتمثل في فرص إنشاء جيشٍ وطني مستوعبٍ لجميع المخلصين لسوريا الجديدة، وقائمٍ على حماية الوطن، وحماية عقيدة الأمة وتراثها وقيمها، ومُتشرّبٍ لمعاني الانتماء للأمة والدفاع عن قضاياها. وإنشاء أجهزة أمنية تحمي حرية الإنسان وكرامته وحقوقه، وتُحصّن البلد من الأعداء والخصوم، كما تحمي القيم والأخلاق، وتواجه أشكال الفساد والانحراف الاجتماعي.
ثالثًا: القوة الناعمةتتمثل في فرص الإمساك بالمفاصل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية، بحيث تصبُّ في خدمة الدولة الجديدة، ويحكمها دستورٌ يصون النظام الجديد، ويجعل اللعبة السياسية ضمن شروط وبيئات تُفسح مجالات الإبداع والتطوير والتداول القيادي، ولكنها في الوقت نفسه تحمي الدولة الجديدة من المُتسلِّقين والعناصر الانتهازية، والمال السياسي والتدخل الخارجي وأعداء الثورة.
رابعًا: الإرادة الشعبيةيأتي النظام الجديد تعبيرًا عن إرادة شعبية عارمة، بينما لا يكاد النظام السابق يجد من يأسف عليه؛ وهي فرصة مهمة لإحداث تغييرات جذرية وعاجلة، وحسم عدد من القضايا وعلاجها في فترة قصيرة.
خامسًا: الثروة البشريةالشعب السوري زاخر بالطاقات والكفاءات المتميزة، وقد استفاد في أثناء معاناته في مواطن اللجوء في بناء مئات الآلاف من القدرات والخبرات في شتى مجالات الحياة؛ حيث إن عودتها واستيعابها، وتوفير بيئات الحرية والإبداع المناسبة، سيوفر قفزات نوعية في مشروع النهوض والارتقاء.
سادسًا: المغتربونتوجد فرص كبيرة في الاستفادة ممن يرغب في البقاء من المغتربين، خصوصًا من تحولهم إلى سفراء ولوبيات ضغط لبلدهم، ومن تحويلاتهم المالية، إذا ما وجدت أنظمة بنكية ومالية شفافة وفعالة، وبيئات استثمار مشجعة.
سابعًا: تملك سوريا ثروات طبيعية، وموقعًا إستراتيجيًا، ومواقع سياحية وأثرية، وموانئ بحرية، تُمكنها من الوقوف على رجليها بسرعة كبيرة إذا ما أحسن التعامل معها.
إعلانثامنًا: لدى القيادة فرصة قوية في اجتثاث الفساد من جذوره، خصوصًا أنه مرتبط بالنظام السابق وأدواته؛ وبالتالي لا يصعب بناء منظومة مؤسساتية وإدارية جديدة نظيفة وفعالة.
تاسعًا: لعل الخبرات التي اكتسبها الثوار في إدارة منطقة إدلب لعدة سنوات كانت "عيِّنة اختبارية" ستدفعهم خطوات للأمام في الانتقال لإدارة الدولة، مقارنة بالثورات التي تنتقل من الثورة إلى الدولة مباشرة، والتي لا يُتاح لعناصرها اكتساب حدٍّ معقول من الشروط الضرورية لإدارة الدولة.
تحديات ومخاطرتواجه الثورة السورية تحديات ومخاطر كبيرة، يمكن أن تعصف بها إن لم تملك الرؤية الواضحة، والقدرة على المبادرة، والمسارعة لملء الفراغ، والتعامل بالجدية والحزم والحكمة اللازمة معها.
أولًا: إعادة بناء مؤسسات الدولة المتهالكة والمدَمَّرة التي نخرها الفساد، وتردِّي الخدمات والبنى التحتية، بحيث يحتاج قيامها بالحدّ المعقول من أدوارها زمنًا وجهدًا كبيرين؛ في الوقت الذي سيضغط الناس وبأعداد هائلة لتلبية احتياجاتهم.بل وسيلجأ أعداء الثورة والانتهازيون تحت هذا الغطاء إلى رفع سقف المطالبات وتحريض المواطنين، وسيضخِّمون الأخطاء؛ وما سكتوا عنه ستين عامًا تحت حكم البعث سيلجؤون للتشنيع على الثورة بسببه إن لم يتحقق في أيام.
ثانيًا: عودة السّلم الأهلي، ورجوع ملايين المهجرين واللاجئين إلى بيوتهم، واستعادة حقوقهم، وإعمار منازلهم، وهو ملف كبير ومسؤولية ضخمة. ثالثًا: حلّ الرواسب الطائفية والعرقية التي غرسها النظام السابق (ومن قبله الاستعمار الفرنسي) في البيئة الاجتماعية والسياسية السورية؛ والتي أضرَّت كثيرًا بالنسيج الوطني، وكرَّست عناصر الشك وعدم الثقة داخل الشعب الواحد.وسيسعى بعض المنتفعين من الاستقطاب الطائفي والعرقي الداخلي إلى ركوب موجات التحريض العلوي والدرزي والسني والكردي، كما ستسعى قوى خارجية إقليمية ودولية، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني لإذكاء أجواء الفتنة والانشقاق الداخلي، وتفجير الأزمات، بل وحتى افتعال أحداث قتل وتفجيرات واغتيالات، للدفع باتجاه تمزيق البلد من جديد؛ وصناعة "رموز طائفية" في مواجهة رموز الدولة، وتهيئة أجواء الانفصال أو فرض حكم ذاتي بشروط تُضعف الدولة والهوية الوطنية.
إعلان رابعًا: الهوية والبوصلة: يبرز هذا التحدّي كأحد أبرز التحديات في صياغة سوريا المستقبل؛ فصحيح أن الشعب السوري في أغلبيته الساحقة شعب عربي مسلم (ومن لم تجمعه العروبة يجمعه الإسلام، ومن لم يجمعه الإسلام تجمعه العروبة، وكلاهما يجمعهما الوطن الواحد والتاريخ والحضارة واللغة الواحدة).وصحيح أن الثورة قادتها فصائل إسلامية، غير أن عشرات السنوات من الحكم العلماني الدكتاتوري الطائفي، واللجوء السوري بالملايين في المهجر، قد فتح المجال لرؤية سوريا المستقبل في قوالب مختلفة إسلامية أم علمانية أم في المزج بينهما بدرجة أو بأُخرى، وفي تعريف سوريا لنفسها في بيئتها العربية والإسلامية والدولية، ودورها تجاه قضايا أمتها، وفي درجة انكفائها المحلي القُطري أو انفتاحها الإقليمي؛ خصوصًا أن التحديات المحيطة بها لن تتركها حتى لو أرادت هي نفسها أن تنكفئ على ذاتها.
وستسعى القوى الإقليمية والدولية إلى استخدام كافة وسائل النفوذ التي لديها لتوجيه بوصلة الحكم بما يتوافق مع معاييرها.
وكما لاحظنا فإن هذه القضية كانت من أولى القضايا التي تمت محاولة تحريك الشارع لأجلها، ونزلت أولى المظاهرات بعد أيام من انتصار الثورة تنادي بشعارات علمانية الدولة، وهو مدخل مثالي للقوى المضادة للثورة يجد صدى ودعمًا إقليميًا ودوليًا.
وقد يظن البعض أن إبقاء حالة الغموض فيه مصلحة، غير أن ذلك سيكون أكبر مدخل لإفراغ الثورة من محتواها، وحرف بوصلتها والقفز عليها؛ وسيكون حسم الهوية والبوصلة في إطار حضاري تشاركي استيعابي متسامح، أحسن ألف مرة في حشد وتحفيز الغالبية الساحقة من الشعب، وترسيخ بنية الدولة الجديدة، وتحصين الثورة، وقطع ألسن المرجفين والمشككين.
ولعل الأولى بالنظام الجديد أن يحسم مبكرًا الهوية العربية الإسلامية للدولة، وانسجامها مع دينها وتراثها وحضارتها، وقضايا أمتها وعلى رأسها قضية فلسطين.
إعلان خامسًا: الابتزاز السياسي الإقليمي والدولي: ستعاني القيادة الجديدة من هذا الابتزاز السياسي للحصول على "الشرعية" والاعتراف، والتعامل الطبيعي مع الدولة السورية، وسيسعى عدد من القوى لفرض شروط على شكل الحكم وطبيعته بما في ذلك الدستور، وإدخال وكلاء لها أو متوافقين معها في الحكومة ومفاصل الدولة؛ وهو ما يحتاج الكثير من الحكمة والحزم من القيادة. سادسًا: التدخل الخارجي الناعم: مع الاتجاه نحو النظام الديمقراطي والتعددية السياسية وفتح مجال للحريات، هناك أنظمة تخشى من "عدوى" الحرية ومن وتيارات "الإسلام السياسي" على شعوبها وأنظمتها، وستقوم باستخدام المال السياسي، وأشكال الدعم السياسي والتلميع الإعلامي لرموز وقوى معينة وتضخيمها، لركوب الثورة أو القيام بثورة مضادة، وإعادة إخضاع الشعب للمنظومات الفاسدة والمستبدة إياها التي ثار عليها الشعب سابقًا، كما حدث مع عدد من بلدان "الربيع العربي"، وهو ما يصبُّ في المصالح الغربية والإسرائيلية في المنطقة. سابعًا: التحدي الصهيوني: والتدخل الإسرائيلي المباشر وغير المباشر عسكريًا وأمنيًا، وبالأدوات الخشنة والناعمة المختلفة كأحد أبرز المخاطر التي تواجه القيادة الجديدة، حيث سيسعى الصهاينة لإضعاف النظام وقصقصة أجنحته، ووضع معايير "إسرائيلية" وأسقف أمنية تسعى لإبعاد أي مخاطر محتملة على الكيان، ومنعه من امتلاك عناصر النهوض والقوة؛ لأن نهضة أي دولة، خصوصًا في البيئة المحيطة بالكيان، هي في معايير الكيان خطر إستراتيجي، حتى لو تجنبت هذه الدولة أي مواجهات مع الكيان. ثامنًا: الحفترة: ثمة مخاوف من أن تقوم أنظمة إقليمية ودولية بدعم ظهور "حفتر جديد" في سوريا، وتوفير الدعم اللوجيستي والمالي والعسكري له، بحيث يكون عنصر انقسام وتفجير في الساحة السورية؛ ومن المفترض أن تتعامل الثورة بقوة وحسم وسرعة مع هكذا ظواهر، وتعبئ الوعي الشعبي ضدها، ولا تسمح لها بالنمو تحت أي ذرائع. تاسعًا: التواجد الأميركي والروسي على الأرض السورية يمثل تحديًا كبيرًا، والعمل على إزالته وإنهاء مسببات وجوده، يجب أن يكون في الأجندة الرئيسية للنظام الجديد. عاشرًا: فلول النظام: ربما أصبحت بقايا النظام، ومجموعاتُ المستفيدين منه والآسفون على ذهابه في وضع ضعيف مهزوز، وهاربين من غضب الجماهير ومن ضحايا النظام؛ ولكنهم مع الوقت سيحاولون لملمة صفوفهم وإعادة تقديم أنفسهم في شكل أحزاب ورموز وهيئات وشبكات مصالح، تحاول اختراق النظام الجديد والقفز عليه.. إذ لا ينبغي أن يغيب عن ذهننا وجود مئات الآلاف من العسكر والأمن وكوادر حزب البعث والمستنفعين من النظام السابق ممن أصبحوا "أيتامًا" بعد سقوط النظام، وممن سيسعون لإعادة تموضعهم، أو ممن سيبحثون عن رعاة جدد. إعلانوأخيرًا، فالشعب السوري قدم تضحيات هائلة، ومن حقه أن يقطف ثمار تضحياته، وثمة تجربة جديدة تستحق التشجيع. وصحيح أن المخاطر كبيرة، لكن الفرص المتاحة غير مسبوقة. والسوريون في كل الأحوال لا يملكون ترف الخيارات السهلة؛ وإن أجواء الدعم والثقة بالله (مع الحذر الواجب) يجب أن تحكم المسيرة، وليس أجواء الإحباط والتثبيط.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineالمصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات النظام الجدید النظام السابق خصوص ا
إقرأ أيضاً:
إبراهيم هنانو.. قصة الثائر الذي أحرق أثاثه من أجل سوريا
يعد إبراهيم هنانو أحد أبرز رموز النضال السوري ضد الاستعمار الفرنسي، وقائدًا استثنائيًا، ترك بصمة لا تُنسى في تاريخ البلاد في مرحلة حرجة امتدت إلى ربع قرن من الاحتلال.
لم يكن الرجل مجرد ثائر يحمل السلاح، بل جسّد بمواقفه وشجاعته معنى المقاومة، واشتهرت عنه جملة خالدة، قالها عشية إعلان الثورة التي قادها: "لا أريد أثاثًا في بلد مستعمر"، وهي العبارة التي أصبحت رمزًا للعزيمة ورفض الاحتلال.
وتعد قصة هنانو أكبر من مجرد سيرة ذاتية لقائد بزغ نجمه في فترة من التاريخ؛ بل هي شهادة حيّة على صراع شعب من أجل حريته وهويته في مواجهة قوى استعمارية.
من الميلاد إلى الثورةوُلد إبراهيم بن سليمان آغا بن محمد هنانو لعائلة ثرية في بلدة كفر تخاريم غرب إدلب في عام 1869، ونشأ في حلب حيث أكمل فيها تعليمه الثانوي قبل أن يسافر إلى إسطنبول لدراسة الحقوق، وهناك انضم إلى جمعية الاتحاد والترقي، وشغل لاحقا مناصب إدارية في الدولة العثمانية.
أثناء إقامته في إسطنبول تزوج من فتاة أحبها، تعود أصولها إلى مدينة أرضروم شرق الأناضول، ورُزق منها بابنته نباهت، وبعد 12 عامًا من ولادتها أنجبت له ابنه طارق، بيد أنها فارقت الحياة بعد 15 يومًا من ولادته.
وعقب إكمال دراسته، عُيّن مديرًا لناحية في ضواحي إسطنبول لمدة 3 سنوات، ثم نُقل إلى نواحي أرضروم حيث تولّى بها منصب قائم مقام لمدة 4 سنوات، ثم عُيّن قاضي تحقيق في كفر تخاريم، حيث استمر في هذا المنصب قرابة 3 سنوات.
إعلانلاحقًا انتُخب عضوًا في مجلس إدارة حلب لمدة 4 سنوات، ثم عُيّن رئيسًا لديوان الولاية لمدة عامين أثناء ولاية رشيد طليع، الذي دعمه وشجّعه على قيادة الثورة في الشمال بالتنسيق مع الملك فيصل.
كما انتُخب ممثلًا عن مدينة حلب في المؤتمر السوري العام بدمشق في دورته بين عامي 1919 و1920.
في صيف عام 1920 وجّه الجنرال هنري غورو إنذارا إلى الحكومة السورية التي كان يقودها الملك فيصل بن الحسين تضمّن عدة شروط، كان منها تسليم الخط الحديدي رياق-حلب، وحلّ الجيش السوري، وقبول الانتداب الفرنسي، إلى جانب فرض العُملة الورقية الفرنسية وإجراء تغييرات في الحكومة.
وبعد مشاورات مع الأعيان، انصاع الملك فيصل بن الحسين للإنذار وأبلغ غورو بذلك في برقية رسمية. أما القادة العسكريون فقد رفضوا هذه الشروط المهينة، وأعد يوسف العظمة وزير الحربية خطة دفاعية قسّم فيها سوريا إلى عدة جبهات استعدادا لمواجهة الفرنسيين.
وعقب هزيمة الجيش السوري في معركة ميسلون واستشهاد العظمة، قسمت سلطات الانتداب الفرنسي سوريا الشمالية إلى 5 كيانات، وهي دولة دمشق، ودولة حلب، ودولة جبل العلويين، ودولة لبنان الكبير، ودولة جبل الدروز.
وفي تلك الأثناء عيّنت سلطات الانتداب، صبحي الحديدي، رئيسًا لدولة حلب، بدلًا من إبراهيم هنانو الذي حاول السيطرة عليها مع الثوار دون جدوى.
كان هنانو منذ عام 1919 يدرك الخطر الفرنسي على سوريا، بل وعلى مناطق قليقية التي كان يحتلها الفرنسيون في جنوب الأناضول.
وفي أواخر ذلك العام، عُقد اجتماع في منزل قائم مقام إدلب عمر زكي الأفيوني، برئاسة إبراهيم هنانو، وحضره كبار ووجهاء إدلب والمناطق المجاورة كجسر الشغور وغيرها، كما شارك عدد من الوطنيين من أنطاكية والحفة واللاذقية بهدف تنظيم شؤون الثورة ومقاومة الاحتلال.
إعلانوفي ذلك الاجتماع، تم الاتفاق على تكليف هنانو بتشكيل قوات عربية من المجاهدين على هيئة مجموعات قتالية لمشاغلة القوات الفرنسية التي كانت قد احتلت أنطاكية، وكانت المدينة سابقًا تحت سيطرة عزّة هنانو، شقيق إبراهيم، لكنه اضطر إلى تسليمها تنفيذا لأوامر الحكومة العربية في سوريا.
وكما يذكر محمود صافي في كتابه "سوريا من فيصل الأول إلى حافظ الأسد"، أن هنانو أعلن حينئذ بدء الثورة بحرق أثاث منزله، مؤكدًا موقفه بعبارته الشهيرة: "لا أريد أثاثًا في بلد مستعمر"، وعقب ذلك اندلع أول اشتباك مسلح بين الثوار والقوات الفرنسية في 23 أكتوبر/تشرين الأول 1919، حيث استمر القتال نحو 7 ساعات.
تمكنت فرق المتطوعين من الثوار بقيادة هنانو من تحقيق نجاحات ضخمة، مما زاد من شهرته والتفاف الناس حوله، ووصلت حماسة الثورة إلى حد أن ابنته طلبت مهرا غير تقليدي ومحفّزا للثوار، وهو 5 رؤوس جنود فرنسيين!
ولكن في عام 1920، وقع الملك فيصل معاهدة الانتداب مع فرنسا، مما أثار رفضًا واسعًا بين السوريين.
ومع تصاعد الضغط الفرنسي، وانسحاب فيصل من سوريا، واجه إبراهيم هنانو صعوبات كبيرة بسبب نقص السلاح والعتاد، ما دفعه إلى اللجوء إلى أصدقائه الأقدمين في تركيا لطلب العون، وقد سافر لمقابلة مصطفى كمال أتاتورك وطلب دعمه.
وفعلا نجح هنانو في الحصول على كميات كافية من السلاح والذخيرة من تركيا، مما مكّنه من إلحاق خسائر فادحة بالقوات الفرنسية في جميع المواجهات، سواء في الأفراد أم العتاد.
وقد خاض بنفسه 27 معركة ضد الفرنسيين، كان من أبرزها معركة مزرعة السيجري، حيث نجح في أسر عدد من الجنود الفرنسيين، الأمر الذي يذكره جميل شاكر خانجي في كتابه "ثوار صنعوا الاستقلال"، كما تمكن هنانو من استعادة مناطق واسعة من السيطرة الفرنسية، بما فيها مسقط رأسه كفر تخاريم.
وعلى إثر ذلك، دخل الفرنسيون دمشق ثم حلب لقمع الثورة، مما دفع إبراهيم هنانو وقواته إلى اللجوء إلى جبل الزاوية، في المنطقة الواقعة بين حماة وحلب وإدلب.
إعلانومع تزايد أعداد المنضمين إليه هناك، تمكن من إنشاء قاعدة عسكرية، واتخذ المنطقة مقرا لقيادته، وأطلق عليه أتباعه لقب "المتوكل على الله" نظرًا لتكراره عبارة "توكلنا على الله" كلما قاد قواته في هجمات ضد الفرنسيين.
لاحقًا نقل هنانو قيادته إلى جبل الأربعين، وازداد عدد أتباعه بسرعة بعد تحقيقه عدة انتصارات على الفرنسيين، ولذلك أعلن قيام دولة حلب وأسس حكومة مستقلة تحت إدارته.
وقد دفع هذا التطور الفرنسيين إلى فتح قنوات تفاوض معه، مثلهم فيها، الكولونيل فوان والجنرال غورو، غير أن هنانو اشترط إيقاف تحركات القوات الفرنسية قبل البدء في أي مفاوضات.
وكما يذكر فايز قوصرة "الثورة العربية في الشمال السوري"، فإنه مما لا شك فيه أن الإصابات التي ألحقها الثوار السوريون بالقوات الفرنسية في عامي 1920 و1921 كانت شديدة، وهو ما يظهر من إحصاءات قدمتها الحكومة الفرنسية إلى مجلس النواب الفرنسي في جلسته بتاريخ 5 نوفمبر/تشرين الثاني 1925.
فقد أُعلن أن عدد الجنود الفرنسيين الذين قُتلوا في عام 1920 بلغ 2893، وفي عام 1921 بلغ العدد 2032 قتيلًا، ثم انخفض العدد في 1922 بعد القبض على هنانو إلى 636 قتيلًا، ليعود ويقفز من جديد إلى 5885 قتيلًا خلال ثلاثة أشهر فقط (من 15 يوليو/تموز إلى 15 أكتوبر/ تشرين الأول 1925) خلال الثورة السورية الكبرى التي اندلعت فيما بعد.
ولكن بعد توقيع مصطفى كمال أتاتورك اتفاقية مع فرنسا لانسحابها من تركيا، أوقف دعمه الثوار السوريين، الأمر الذي أضعف موقف إبراهيم هنانو في المفاوضات، وأصر الفرنسيون على أن تكون الدولة التي يطالب بها، والتي تضم إدلب، وحارم، وجسر الشغور، وأنطاكية، خاضعة لقيود عسكرية تفرضها فرنسا، وهو ما رفضه هنانو بشدة، معتبرًا ذلك اتفاقًا مذلا.
لاحقًا، اكتشف هنانو، أن الفرنسيين كانوا يناورون لكسب الوقت، حيث كانوا يحشدون قواتهم على الساحل السوري، إذ تمكّن الجنرال غورو من جمع 100,000 جندي هناك، بعد انسحابهم من جنوب تركيا التي كانوا يحتلونها منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى، بينما كانت المفاوضات مجرد وسيلة لإلهاء هنانو ورفاقه عن الاستعدادات العسكرية الفرنسية.
يروي يوسف إبراهيم يزبك في كتابه "حكاية أول نوار في العالم وفي لبنان" حادثة لافتة حيث أخبره إبراهيم هنانو، ذات ليلة أثناء إقامته الصيفية في بحمدون بلبنان، أن فلاديمير لينين أرسل إليه ضابطًا من القوقاز كان قد تعرف إليه هنانو قبل سنوات، عندما عملا معًا في خدمة الحكومة العثمانية في ولاية حلب.
إعلانكان الضابط يحمل رسالة مكتوبة باللغة التركية، يعرض فيها دعم الثورة السورية التي حمل لواءها هنانو ورفاقه من فلاحي جبل سمعان في مواجهتهم الاحتلال الفرنسي عقب نكبة ميسلون.
وعندما سأل يزبك الزعيم عن مصير تلك الرسالة، أجاب: "لم تكن رسالة واحدة، بل عدة رسائل تبادلتها مع زعيم البلشفية، لإشعال نيران الثورات ضد الفرنسيين والإنجليز في تركيا، وسوريا، والعراق، وفلسطين، ومصر، وكان لينين مخلصًا في عرضه، لكنه أراد أن تكون الثورات نابعة من الشعوب الإسلامية نفسها".
ويؤكد الأمر نفسه محمد جمال باروت في كتابه "العلاقات العربية التركية" إذ إن الثورة البلشفية يومها، كانت حريصة على التحالف مع زعماء الأقطار العربية لنشر الشيوعية فيها للوقوف ضد الإمبريالية الغربية؛ فرنسية كانت أم إنجليزية.
في كل الأحوال، لم يكن الفرنسيون ليتركوا هنانو طليقا بعد هذه النجاحات الكبرى التي حققها، فأصدروا في حقه 4 أحكام غيابية بالإعدام عن طريق محكمة الجنايات العسكرية.
ومع تشديد السيطرة الفرنسية على الطرق وانقطاع الإمدادات العسكرية، اضطر هنانو في يوليو/تموز 1921 إلى مغادرة معاقله متجها جنوبًا، آملًا في التفاوض مع الشريف عبد الله في شرق الأردن.
لكن رحلته لم تكن آمنة، فبينما كان يعبر جبل الشعر قرب حماة في 16 يوليو/تموز 1921، وقع في كمين عنيف في معركة مكسر الحصان، حيث فقد معظم رجاله، لكنه استطاع الفرار بأعجوبة، لتكون تلك المعركة إيذانًا بانتهاء ثورته.
ومع ذلك، لم يكن الشريف عبد الله متحمسًا لأفكار هنانو السياسية، مما حال دون لقائهما، الأمر الذي اضطره إلى مواصلة طريقه إلى القدس وكان يريد الوصول إلى القاهرة لعله يجد في مصر داعما لثورته.
إعلانولكن في فلسطين تمكنت القوات البريطانية المتحالفة مع الفرنسيين من القبض عليه في 13 أغسطس/آب 1921، ليبدأ فصل جديد من المواجهة مع الاحتلال.
فبعد القبض على إبراهيم هنانو قُدِّم إلى محكمة الجنايات العسكرية الفرنسية بتهمة الإخلال بالأمن والقيام بأعمال إجرامية، وقد انعقدت أولى جلسات المحاكمة في 15 مارس/آذار 1922 وسط إجراءات أمنية مشددة.
تولّى فتح الله صقال -أبرز محامي حلب آنذاك- الدفاع عن هنانو، حيث أكد أن التهمة باطلة، لأنه كان خصما سياسيا يسعى إلى تحرير بلده وليس مجرمًا، وأوضح أن الفرنسيين أنفسهم قد قبلوا بالتفاوض معه مرتين ووقعوا معه هدنة، ما يثبت شرعية نضاله السياسي.
وهذا ما أكده هنانو حين وجّه إليه القاضي الفرنسي تهمة تكوين عصابات من الأشقياء للإخلال بالأمن العام واستهداف الفرنسيين، قائلا: "إنني لا أعد مجرما؛ لأن أمرنا سياسي صرف، إنني متهم سياسي ولو كنتُ مجرما لما فاوضني ممثلكم الجنرال غوبو لعقد هدنة ومبادلة الأسرى"، كما يذكر فايز قوصرة في كتابه السابق.
وخلال المحاكمة، قال رئيس المجلس العرفي العسكري لهنانو: "إن الشعب السوري لم يطلب منك إعلان الثورة؟" لكن قبل أن يجيب هنانو، وقف صديقه في النضال سعد الله الجابري: "إننا نحن الذين طلبنا من الزعيم هنانو مقاتلتكم، ولن نتخلى عن قتالكم، ما دام فينا وطني واحد، حتى تخرجوا من بلادنا".
في 25 مارس 1922م، طالب النائب العام الفرنسي المحكمة بإعدام هنانو، قائلاً: "لو أن لهنانو سبعة رؤوس لطلبت قطعها جميعًا".
لكن القاضي الفرنسي فاجأ الجميع بإطلاق سراح هنانو، معتبراً ثورته ثورة سياسية مشروعة، ومؤكدًا استقلالية السلطة القضائية الفرنسية عن السلطة العسكرية، ولكن في ما يبدو فإن احتشاد 30 ألف ثائر سوري في أثناء محاكمة هنانو في داخل المحكمة وخارجها هو الذي اضطر الفرنسيين لهذا القرار.
وقد لعب هنانو عددا من الأدوار السياسية بعد الإفراج عنه، فكان أحد الأعضاء البارزين في الكتلة الوطنية، كما تولى زعامة الحركة الوطنية في شمال سوريا، ولهذا السبب عين في عام 1928 رئيسًا للجنة الدستور في الجمعية التأسيسية لوضع الدستور السوري.
إعلانورغم ذلك سعى المفوض السامي الفرنسي إلى تعطيل عمل الجمعية التأسيسية وإجهاض الدستور الوليد، مما أدى إلى اندلاع مظاهرات حاشدة طالبت بتنفيذ بنود الدستور، وفي عام 1932، انتُخب زعيمًا للكتلة الوطنية في مؤتمرها.
وفي عام 1933، كان له دور حاسم في استقالة حكومة حقي بيك العظم بعد نية الحكومة الموافقة على المعاهدة الفرنسية.
وكما يذكر أدهم آل جندي في كتابه "تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي" فإنه في سبتمبر/أيلول 1933م تعرض هنانو لمحاولة اغتيال عندما أطلق عليه شخص يُدعى نيازي الكوسا النار أثناء وجوده في قريته، إلا أن الرصاص أصاب قدمه فقط.
ونظرا للضجة الكبرى التي أحدثها الناس الذين تقاطروا بالآلاف للاطمئنان عليه من حلب وغيرها، قُبض على الكوسا في أنطاكية وحُكم عليه بالسجن مدة 10 سنوات، لكن المفاجأة كانت في العفو الخاص الذي أصدره المفوض السامي الفرنسي بحق هذا المتهم، ما أثار الشكوك وأدى إلى اعتقاد الجميع بوجود علاقة بين الفرنسيين وحادثة الاغتيال.
في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 1935، بينما كان إبراهيم هنانو في قريته "السيدة عاتكة" يشرف على أعماله الزراعية فقد أصيب بأزمة قلبية حادة، وحين كانت تفيض روحه إلى بارئها أُثر عنه قوله لمن حوله: "قولوا لإخوتي الوطن بين أيديهم"، وقد صُلي عليه لاحقا في المسجد الأموي بدمشق.
ولهذه المكانة الكبرى للقائد الثوري والوطني السوري إبراهيم هنانو، وعقب دفن الجثمان تسابق الخطباء والشعراء والصحف إلى تأبينه، وكان من الخطباء مشاهير من الشخصيات السورية وقتئذ، مثل فارس الخوري، وصبري العسلي، وعبد الرحمن الكيالي، والشاعر عمر أبو ريشة.