شبكة انباء العراق:
2025-04-06@01:11:48 GMT

وعاء الخوص السومري

تاريخ النشر: 23rd, December 2024 GMT

بقلم : د. مظهر محمد صالح ..

توقفت عجلات قطار جنوب العراق في محطة كانت تسمى غرب بغداد ذلك في ضحى يوم صيفي ساخن غادره الجميع من فورهم، بعد ان قضيت ليلة صارخة ظلت ايقاعات عجلات قطارها لم تهدء حتى حطت الشمس اوزارها ومدت اذرع شروقها وهرب الظلام في جوف السماء وتشتت الاصوات تحت ضربات خيوط الطقس وحرارته.اسعدني الحظ في مطلع ستينيات القرن الماضي زيارة العاصمة السومرية في جنوب بلادي، وكانت عودتي تتطلب ان اقضي ليلة كاملة في قطار الجنوب الصاعد الذي ازدحم يومها براكبي الدرجة الثالثة كان اغلبهم من صفوف الطبقة الوسطى او من محيطها وحافاتها ، واخذت مقعدي بعد ان اصطف الى جانبي ارجلي وعاء متوسط الحجم صنع من خوص سعف النخيل امتلاء باسماك راقية كانت هدية نهاية سياحتي الجنوبية.

وببن فضول الغير وحب الاستطلاع ظلت لدغات البعض من الراكبين وفضولهم التلقائي تساءل الليل كله عن نوع السمك وثمنه ومكان اصطياده الذي ضمه وعاء خوص من سعف نخيل الجنوب . اذ اخذت الجدالات تشتد بين الراكبين انفسهم وهم يتسورون موسوعة اسماك البلاد (فصائل واصناف ومواسم) وحسب اهوائهم ..وصدورهم تجيش وقت ذاك بآمال غامضة عن مقاصد وجهتهم الى بغداد مع القليل جدا من السياسة ، وانا مازلت متمسكًا “ًبوعاء الخوص” خوفا من ضياعه بين اهواء الراكبين وتخبطاتهم .ولم تهزمني لدغة الغير بين مستخف من وعاء الخوص او من يريد ان يقضي الوقت سراعاً بالحديث طوالاً عن عن موضوع الاسماك في عالم اللاشيء، ولاسيما بعد ان رمقني احدهم فجاةً بنظرات مستطلعة، فمثلت امامها بادب حتى تخلى الركود في ماء وجهه دونما حراك ثم رفع يده متراجعاً عن وعاء الخوص خجلا .وعلى الرغم من هشاشة الجو لكثرة من مد انفه في وعاء الخوص نفسه للتعرف على نوع السمك ،فلم تفقدني عزيمتي في رحلة القطار تلك من التمسك بالوعاء الذي صنع من نخيل الجنوب بقوة ومتانة ومهارة العقل سومري نفسه. وانقضى الليل كله وقلبي حذراً ولم يرى في واقع الامر الا الولاء في الحفاظ على الصيد نقياً في وعائه النباتي السومري الصنع . ولا شك بان دفاعي عن “وعاء الخوص” حمل في نفسي الرضا والاعجاب كي يصل الصيد المائي الى بيتنا بسلام.
بين النوم واليقظة تجسدت الظلمة في نفسي طوال الليل كانما بحر لجي لارى فيه كائنات تحيط بوعاء الخوص الذي مصدره سعف النخيل السومري تتهامس متبادلة افكار الصيد في اهوار الجنوب والاشارة الى اداة صيد وحرب حذرة كان اسمها (( الفالة)) لتهزهم سعادة القول والجميع يستقبل حقائق الحياة في ليلة لم تبرأ من اتربة حمراء ضربت اطناب عواصفها سرعات قطارنا الذي امسك الارض متسلقاً اعالي الرافدين صعودا .كانت ليلة غريبة ظلماء لم يشرق فيها شي سوى ضوء( طيب الرائحة) ذلك كلما اقترب المسير من اطراف بغداد لتنهال على انفاسنا فيوضات السرور. اذ بدات الاعين السومرية تسرق النظرات صوب احاديثي الشخصية التي ميزتها اللهجة البغدادية العريقة التي رنت كلماتها برشاقة آسرة جل الراكبين من جنوب بلادي .
غادرنا قطارنا واستقليت الحافلة الحمراء ذات الطابقين وانا في طريقي الى بيتنا في قلب بغداد ، ومازال وعاء السمك يلازمني ويتقلب بين يدي شمالاً ويمينا..!هنا جلس الى جانبي في الحافلة رجل بغدادي اثاره فضول” وعاء الخوص” وبالطريقة البغدادية هذه المرة…!! ودار بيني وبينه حديث عن الوعاء ومصدره ولم افصح في حديثي عن اي توافق في الراي في موضوع نوع الاسماك الذي
بقيت اخفيه بحذر لافتقار الثقة المتبادلة.هنا سالني الرجل الذي جلس الى جانبي في الحافلة بعد ان علم ان وعاء الخوص هو صناعة سومرية جلبتها معي من جنوب العراق ….هل انت من بغداد ؟ اجبته من فوري بنعم ….؟ ثم تساءل عن هذا الحمل الثقيل المصنوع من خوص النخيل؟ فاجبته انه (( زنبيل )) فية (( سمك))… ! هنا دفعت ثمن (بغددتي ) فقال لي انت لست من بغداد ايها الشاب … فبغداد تتعاطى بلفظة عنوانها (( الگوشر)) وليس (( الزمبيل)) !!!ثم رمقني الرجل بنظرة حادة كادت ان تسلبني هويتي البغدادية لادفع ثمن اختيار مفردتي العربية وانكسار هويتي التي استبدلتها (بالزنبيل ) الحجازية بدلاً من ( الگوشر) البغدادية.
تحولت وانا اغادر حافلتي الى تمثال مغترب بين انظار ذلك البغدادي المتعجرف والمتعصب لمفردة (( الگوشر)) بدلا من ( الزنبيل) حتى شعرت بنظرته تجري فزعاً في دمي وتتردد الماً في انفاسي.
علمت من يومها ان المحن تطالبنا بالتماس اليقين، وان والدي الذي استقبلني بشوق هو لوحده من يتجاوز الهويات الفرعية كلها وذهب يسالني عن رحلتي لجنوب العراق وكرم اهلها وطيبة قومها وامتد الحوار بيننا اياماً وقلت له كل شي جرى بين سومر وبغداد ولكن اخفيت عنه مشكلة هويتي البغدادية التي كادت ان تضيع في “وعاء الخوص “بين (( الگوشر )) و(( الزمبيل)).

د.مظهر محمد صالح

المصدر: شبكة انباء العراق

كلمات دلالية: احتجاجات الانتخابات البرلمانية الجيش الروسي الصدر الكرملين اوكرانيا ايران تشرين تشكيل الحكومة تظاهرات ايران رئيس الوزراء المكلف روسيا غضب الشارع مصطفى الكاظمي مظاهرات وقفات بعد ان

إقرأ أيضاً:

بن صالح: الغرياني صوت الحق الوحيد الذي ما زال مرتفعاً مجلجلاً

اعتبر عضو المجلس البلدي مصراتة السابق، سليمان بن صالح، أن المفتي المعزول الصادق الغرياني، صوت الحق الوحيد في الأمة.

وقال بن صالح، عبر حسابه على “فيسبوك” إن الشيخ الصادق الغرياني مفتي البلاد أكاد أجزم أنه صوت الحق الوحيد في هذه الأمة الذي مازال مرتفعاً مجلجلاً يقض أسماع العملاء قبل الأعداء، كم من مرة أرادوا إسكاته؟ وكم من مرة أرادوا تشويهه؟ وكم من مرة أرادوا التشويش عليه؟”، على حد قوله.

وأضاف بن صالح:” فعلوا وأقصد هنا العملاء كل ما يستطيعون من تزوير وكذب وادعاءات باطلة لتشويه صورته أمام الناس فما زاده ذلك إلا حباً في قلوب الناس، وما زاد نجمه إلا تلألأً في سماء العلم وتميزاً بين العلماء”.

وتابع:” لعل أكثر من يعمل على ذلك هم ألسِنة الحكام وسياطهم الذين يختفون تحت مظاهر التديّن بينما هم في الحقيقة أشدّ أعداء الدّين، وأشدّ أعداء من يعارضون سياسات الانبطاح والعمالة”، على حد زعمه.

وادعى أن هؤلاء الذين يتخذون من الدّين ستاراً لطعن الأمة في مقتلها عندما يتآمرون على رموزها الصادقة لأشد خطراً عليها من أي عدو يأتيها من خارج الحدود، فهؤلاء لا يهمهم من أمر الدنيا شيء إلا العيش الرغيد في كنف الحكام الظلمة الطغاة، وفي سبيل ذلك هم مستعدون لتزوير الفتاوى وقلب المفاهيم والطعن في الصادقين”.

واستطرد:” قد اُبتليت الأمة بهم في كل بلد من بلدانها فكانوا عوناً للحكام على شعوبهم وللظالم على المظلومين وللشر على الخير وللباطل على الحق، فوجب على كل مسلم أن يحذرهم وأن يراجع نفسه مائة مرة قبل أن يستمع إليهم أو يقرأ ما يكتبون”، على حد تعبيره.

وزعم:” إنني هنا لا أقصد بكلامي هذا إخوتنا السلفيين الذين تظهر عليهم علامات التدًين لباساً وشكلاً وسمتاً وأخلاقاً ووطنية ومجافاة للظلم والظلمة، ولكنني أقصد التبّع الذين يعملون تحت سلطة الحكّام فيفعلون ما يأمرهم به الحكام حتى وإن كانت هذه الأفعال لا ترضي الله ورسوله”.

الوسومالغرياني بن صالح صوت الحق ليبيا

مقالات مشابهة

  • فال كيلمر.. نجم باتمان الذي رحل صامتا
  • عيد محور المقاومة الذي لا يشبه الأعياد
  • العراق يدين العدوان الذي شنّته اسرائيل على الأراضي الفلسطينية
  • قطارات عُمان .. الحلم الذي آن أوانه
  • بن صالح: الغرياني صوت الحق الوحيد الذي ما زال مرتفعاً مجلجلاً
  • «بخطوات بسيطة».. طريقة تحضير الوافل زي المحلات
  • حفظه الله عمكم البرهان الذي قضى على الجنجويد بالابرة
  • ما الذي يريده هؤلاء الناس؟
  • ما تفاصيل مقترح الوسطاء الذي وافقت عليه حركة حماس؟
  • أعاصير مدمرة تضرب الجنوب الأميركي وتحذيرات من وضع يهدد الحياة