العرب بين حداثة الزيف وأزمة الوعي
تاريخ النشر: 23rd, December 2024 GMT
23 ديسمبر، 2024
بغداد/المسلة:
العرب بين حداثة الزيف وأزمة الوعي: نحو قراءة أعمق للمشهد الراهن
رياض الفرطوسي
في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، يقف الوطن العربي أمام مفترق طرق تاريخي، حيث تتداخل أزمات الداخل مع ضغوط الخارج، مما يؤدي إلى إعادة تشكيل خرائطه السياسية والثقافية. بيد أن هذا المشهد لا يُفهم فقط من خلال قراءة سطحية للأحداث، بل يتطلب العودة إلى جذور الأزمات البنيوية التي تعصف بالمنطقة منذ عقود.
عندما يُذكر الخليج العربي، تقفز إلى الأذهان صور ناطحات السحاب، الأبراج المذهلة، ومشاريع البنية التحتية الفاخرة. ولكن هل هذه المظاهر تعكس جوهر الحداثة؟ يرى الشاعر أدونيس أنها ليست سوى “خيام محورة بالإسمنت”، تعبيراً عن حداثة سطحية تخلو من الفكر والثقافة.
وهذا النقد يعززه البروفسور كريستوفر دافيدسون في كتابه “ما بعد الشيوخ: الانهيار المقبل للممالك الخليجية”، الذي يحذر من هشاشة هذه الأنظمة رغم ما يبدو عليها من استقرار.
فالأزمات المالية والسياسية تظل كامنة، وما تجربة دبي المالية عام 2009 إلا مثالاً واضحاً على ذلك . المعضلة تكمن في عقلية الصحراء التي لم تتجاوز حدودها رغم مظاهر الحداثة.
تلك الأبراج ليست سوى استعارة مادية للهيمنة المؤقتة، حيث يتم شراء كل شيء: الإعلام، الأمن، وحتى الوقت.
ولكن الزمن لا ينتظر، وهو يعمل عكس مصالح هذه الأنظمة التي تتكئ على استراتيجيات مؤقتة لا تستشرف المستقبل.
ممكن الاستشهاد بخرائط الخراب من ليبيا الى اليمن : من ليبيا إلى الجزائر، ومن تونس إلى مصر، ومن سوريا إلى اليمن، تتوالى الحرائق، دون أن يُشار إلى الجناة الحقيقيين.
الدول التي تدعي الاستقرار ليست بريئة؛ بل أسهمت بشكل أو بآخر في تأجيج الصراعات داخل الجوار، لتصبح تلك البلدان “دروساً في الخراب” لكل من يجرؤ على المطالبة بالحرية . ولعل ما نشهده من انهيارات ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة لانحراف المعايير العامة وهيمنة الأنانية الفردية.
عندما تُفسد القيم، وتصبح الفوضى الأخلاقية هي القاعدة، يتحول الصادق إلى غبي والكاذب إلى شاطر، وينقلب الميزان ليصبح اللص بطلاً، والأمين خاسراً.
عندها، يصبح الانهيار الأخير للدولة أو الأمة مسألة وقت لا أكثر . لذلك فأن معركة الوعي طويلة ‘ ووسط هذا المشهد الكارثي، يصبح من واجب المثقف والكاتب استباق الأحداث وتحليل الظواهر بعمق.
لا تكفي المقالات الشعرية أو الوصفية التي تكرر ما يعرفه الجمهور، بل يجب تقديم رؤى تسهم في وعي الناس بمصيرهم والطريق الذي يسيرون فيه، والذي غالباً ما يُرسم من قوى كبرى باستخدام أدوات محلية.
الاستنتاج هو ان الازمة ثقافية قبل ان تكون سياسية .
في النهاية، تبقى الحقيقة واضحة: لا حضارة بلا ثقافة، ولا حداثة بلا فكر.
المعضلة الكبرى في العالم العربي ليست فقط في الأنظمة السياسية، بل في العقلية التي تدير المشهد، والتي لا تزال متشبثة بقوالب الماضي. الأزمة هي أزمة فكر قبل أن تكون أزمة سياسة، والمطلوب ليس تغيير الأشكال فحسب، بل الغوص في معركة وعي طويلة تعيد بناء العقل الجمعي على أسس فكرية وفلسفية تعبر عن روح العصر، لا عن قوالب الإسمنت والزجاج.
عندما نقرأ علامات زوال الأمم والإمبراطوريات، نجد أن الانهيار غالباً ما يبدأ بانحلال القيم وتراجع اللغة والفنون والأدب، وسيادة منطق “كل شيء عادي”.
في ظل هذه المعايير المقلوبة، يصبح الانهيار الأخير مسألة وقت، إذا لم يتم التصدي لهذه الأزمة بعقلية تعيد صياغة الوعي الجماعي، وترتكز على بناء ثقافة جديدة تستوعب تحديات العصر وتعيد للعقل العربي دوره الحضاري.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.
About Post Author زينSee author's posts
المصدر: المسلة
إقرأ أيضاً:
المجر ليست الأولى.. "انسحابات سابقة" من الجنائية الدولية
لم تكن المجر الدولة الأولى التي تنسحب من المحكمة الجنائية الدولية، بل سبقها إلى هذه الخطوة كل من بوروندي والفلبين.
وفي 2017، أصبحت بوروندي أول بلد ينسحب من المحكمة الجنائية الدولية، التي فتحت تحقيقا على خلفية تقارير عن عمليات قتل وسجن وتعذيب واغتصاب في البلد الإفريقي.
أما الفلبين فقد انسحبت من الهيئة عام 2019 بناء على تعليمات رئيسها السابق رودريغو دوتيرتي، الذي ألقي القبض عليه قبل أسابيع بموجب مذكرة اعتقال صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في الحرب التي شنها على تجار المخدرات.
والخميس أعلنت المجر الانسحاب من المحكمة، في اليوم الأول من زيارة إلى بودابست يجريها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أصدرت هذه الهيئة القضائية مذكرة توقيف ضده.
ووجه رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان دعوة إلى نتنياهو في نوفمبر الماضي، قائلا إن بودابست لن تنفذ مذكرة التوقيف، وذلك بعد يوم من إصدار المحكمة الجنائية الدولية المذكرة بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة.
وجاء إعلان الانسحاب من المحكمة الخميس عقب وصول نتنياهو إلى بودابست صباح الخميس، في أول زيارة له إلى أوروبا منذ بدء العملية الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023.
ويسري مفعول انسحاب أي دولة من المحكمة بعد عام من إيداع وثيقة الانسحاب، التي عادة ما تكون بشكل خطاب رسمي بهذا الخصوص، لدى مكتب الأمين العام للأمم المتحدة.
ولم تعلق المحكمة الجنائية الدولية بعد على إعلان المجر.
وتسعى المحكمة التي أُنشئت عام 2002 ومقرها في لاهاي، إلى مقاضاة الأفراد المسؤولين عن أخطر جرائم العالم عندما تكون الدول غير راغبة أو غير قادرة على القيام بذلك بنفسها.
وللمحكمة التي تضم 125 عضوا، معدل إدانة منخفض نظرا إلى بطء عجلة العدالة الدولية.
ومنذ تأسيسها، فتحت الجنائية الدولية أكثر من 30 قضية تتعلق بجرائم حرب مفترضة وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية وجرائم ضد تطبيق العدالة، لكنها تعاني نقص الاعتراف باختصاصها وضعف سلطة التنفيذ.
وروسيا واحدة من عشرات الدول، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل والصين، التي لا تعترف باختصاص المحكمة، مما يعيق قدرتها على التحقيق مع مواطنيها.
وفي فبراير، فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقوبات على المحكمة، وأمر بتجميد أصول وحظر سفر مسؤولين وموظفين بها وأفراد عائلاتهم.
واتهم ترامب الهيئة بإجراء تحقيقات "غير مشروعة ولا أساس لها" تستهدف الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل.
ووقعت المجر عام 1999 نظام روما الأساسي، المعاهدة الدولية التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية، وصادقت عليها بعد عامين خلال ولاية أوربان الأولى.
ومع ذلك، لم تصدر بودابست أمرا تنفيذيا لتفعيل الالتزامات المرتبطة بالاتفاقية لأسباب دستورية، وبالتالي فهي تؤكد أنها ليست ملزمة الامتثال لقرارات المحكمة.
ومن المرجح أن يقر البرلمان المجري الذي يهيمن عليه تحالف الديمقراطيين الشبان (فيدس) بزعامة أوربان، مشروع قانون لبدء عملية الانسحاب من المحكمة.
ويحظى نتنياهو منذ سنوات بدعم قوي من أوربان، وهو حليف مهم ظل جاهزا لعرقلة بيانات وإجراءات للاتحاد الأوروبي تنتقد إسرائيل من قبل.
وقال قضاة المحكمة الجنائية الدولية عند إصدارهم مذكرتي الاعتقال، إن هناك أسسا قانونية معقولة للاعتقاد بأن نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت يتحملان مسؤولية جنائية عن جرائم تشمل القتل والاضطهاد واستخدام التجويع كسلاح في الحرب، في إطار "هجوم واسع النطاق وممنهج على السكان المدنيين في غزة".
وأصدرت المحكمة أيضا مذكرة اعتقال بحق القيادي في حماس محمد الضيف، الذي أعلنت الحركة مقتله خلال اشتباكات في يناير الماضي.