تبدو العزلة التامة للفرد في بيئة ممتدة لكنها في ذات الوقت مغلقة بمثابة تحد تواجهه الشخصية وهي ترى أن مصيرها مرتبط بالخروج من تلك البيئة الصارمة.

هذه المعطيات لطالما عالجتها السينما في العديد من الأفلام وذلك من خلال وجود الشخصية الدرامية في العديد من البيئات، فتارة في كهوف جبلية أو صحراء قاحلة مفتوحة أو بحر هائج أو غابات ممتدة تجعل ذلك الامتداد الاستثنائي بمثابة فضاء مفتوح على أشكال شتى من التحديات.

هذه الفرضية يقدمها فيلم "السنة العاشرة" للمخرج بنجامين غودجر الذي يعرض حاليا في صالات العرض في أوروبا والولايات المتحدة ونال أصداءً واهتماما نقديا ملحوظا من منطلق تصنيفه على انه من أفلام الرعب وفي نفس الوقت انتماؤه إلى أفلام نهاية العالم ( ابوكاليبس) التي تم إنتاج الكثير منها وكانت ثيمتها الأساسية ترتكز على من تبقى حيا بعدما ضربت العالم جائحة ما من الأوبئة إلى الحروب الكونية.

حياة أولئك الناجين أو من هم لا يزالون على قيد الحياة بعد مرور 10 سنوات على الانهيار الذي نجهل ما هو بالضبط لكن ها نحن مع بضعة أشخاص يتنقلون وسط الغابات باحثين عن الماء والطعام ثم ليصطدموا مع جماعة أخرى تتسم بالوحشية والرغبة في القتل.

والحاصل أن ما يمكن استنتاجه هو وصول ما تبقى من البشر بعد عقد من الانهيار العظيم إلى حافة المجاعة وشح المياه وهو ما يظهر جليا حتى على ملابس أولئك الناجين الرثة والمائلة إلى اللون البني، ومن هنا يمكننا أن نستنتج بعد مرور الربع الأول من وقت الفيلم لماذا تتحاشى الشخصيات أسماع أصواتها فهي تخشى من الانكشاف لدى جماعات وحشية هائمة على وجوهها وبذلك أعادنا هذا الفيلم إلى أفلام سابقة من أهمها فيلم مكان هادئ بجزئيه وفيلم قفص العصافير وفيلم الصمت وفيلم لا تتنفس وغيرها، وكلها تقريبا كان فيها إسماع الصوت يؤدي إلى هجوم كائنات وحشية أو زومبي لكن في هذا الفيلم تبدو المعالجة مختلفة فهي بمثابة نوع من التحدي.

لقد تم استخدام الصمت أداة فيها كثير من الجرأة، فالشخصيات لا تطلب إحداها من الأخرى الصمت وعدم الكلام ولكن هو أمر تلقائي ولنا أن ننظر بشكل واقعي إلى أحداث فيلمية تمتد إلى أكثر من 90 دقيقة وحتى نهاية الفيلم من دون نطق كلمة واحدة مع عدم فقدان متعة المشاهدة وهو ما يحسب لكاتب السيناريو والمخرج تلك الجرأة في تقديم بناء سردي -صوري متقن ومتكامل من دون حوار.

وفي هذا الصدد يقول الناقد ايلودي ماريوت موقع فيلم هاوندس "يبدأ الفيلم ببناء التوتر بشكل جيد رغم الاستغناء عن الحوار، حيث يصور مشاهد الحركة المروعة باعتبارها بديلا بصريا للحوارات المتبادلة بين الشخصيات. إن صراخ مجموعة من الكلاب المتعطشة للدماء التي تبحث عن شخص ما لتنقض عليه أمر مرعب، ولكن القفز السريع إلى مكان آمن غالبًا ما يقلل من ثقل هذه اللحظات المتوترة. ورغم جودة الصورة والاستغناء عن الحوار، إلا أن أحد عيوب الحوار المحدود أو غير الموجود هو أن المشاهدين قد لا يشعرون بالارتباط الكامل بالشخصيات، مما يحول دون الوصول إلى أفكارهم أو مشاعرهم أو دوافعهم".

أما الناقدة كارينا جونز في موقع هافن هورر فتقول: "عليّ أن أعترف أنه على الرغم من إعجابي بفكرة وقصة الفيلم، إلا أن هناك بعض المشكلات الرئيسية التي برزت. إحدى هذه المشكلات تتعلق بالشخصية الرئيسية في الفيلم، فقد بدا وكأنه لا يستطيع اتخاذ الاختيار الصحيح أو القيام بالشيء الصحيح في الوقت الصحيح".

أما من وجهة نظر نقدية مقابلة، فإن تعمد المخرج تقديم الشخصية الرئيسية -الممثل توبي غودجر بهذه الصورة فقد كانت في إطار تلقائية أداء الشخصية، فهو شخصية عادية وليس بطلا خارقا أو استثنائيا ولهذا كان يمكن أن يفشل في مواجهة أولئك الذين يطاردون ضحاياهم وأن يقع ضحية مع أن نمطية أفلام من هذا النوع تقدم شخصية البطل المخادع القادر على إيجاد الحيل المناسبة للفرار.

على أن من التحولات الأساسية في الفيلم ومن خلال استخدام الحبكات الثانوية كمثل انتزاع المفتاح من رقبة أحد أشرس الشخصيات التي تلاحق أيا كان بصحبة عصابة شرسة وهو مشهد بدا جريئا وفيه بعض المبالغة إلا انه قادنا إلى حبكات ثانوية أخرى تمثلت في الهجوم على المنزل المتنقل والاستفادة مما يحتويه من مخزون غذائي.

واقعيا نحن أمام ثلاث شخصيات ممثلة في الأب وابنته المريضة والابن الذي سوف يبقى وحيدا بعد مقتل الأب ولهذا يمضي في رحلة البحث عن الطعام وهو يخوض مواجهات شرسة مع خصومه بينما كان هنالك مشهد الكلاب المتوحشة مما يقوي جانبه ويمنحه فرصة الاقتصاص من خصومه.

ولعل مضي الوقت الفيلمي والاقتراب بأحداث الفيلم من النهاية ومع الاستغناء عن الحوار كان بمثابة امتحان حقيقي لجهة توفر الفيلم حتى النهاية على عامل التأثير في المشاهد واجتذابه للمضي في متابعة الأحداث وهي ميزة أثبتت نجاح فكرة الاستغناء عن الحوار وترسيخ أهمية عنصر الصورة.

على أننا لابد أن نشير إلى أن استخدام ثنائية الصورة والحركة والمطاردات وحبس الأنفاس كانت من بين العناصر التي عوضت عن الحوار وأعطت زخما للأحداث كما وفرت قوة للصورة بكونها محملة بكثير من الدلالات والعناصر التعبيرية الغزيرة التي صارت بالتالي بدائل مقنعة لغرض المضي في متابعة الأحداث.

من جانب آخر هنالك الهم الإنساني الذي يحرك الشخصية للمضي في تحمل المخاطر، من خلال محاولة العثور على دواء للشقيقة المريضة التي زاد جرحها صعوبة وتفاقما ولهذا كان اندفاع الشقيق بشكل هستيري متحملا المخاطر قد تكلل بالنجاح جالبا الطعام والدواء من مكان متروك ولكنه وعندما يعود إلى المخبأ لن يعثر على الشقيقة لكن يدا تمتد وسط العتمة وتستقر على كتفه لتعيد إليه الأمل في عثوره عليها.

هذه الكثافة في الأحداث والصراعات في إطار مربع لا يتعدى تلك الغابة التي يختبئ فيها القتلة واللصوص والزومبي تكاملت من خلال التفاعل مع الشخصية الرئيسية وهي تمارس لعبة الكر والفر مع العديد من الخصوم بما أضفى على الفيلم صفة النوع المختلف عن الأشكال والمعالجات المعتادة في هذا النوع من أفلام الانهيار العظيم إذ غالبا ما تحتشد العديد من الشخصيات الناجية في مواجهة خصوم مختلفين وذلك في إطار فكرة الصراع من أجل البقاء.

...

سيناريو وإخراج/ بنجامين غودجر

تمثيل / دونكان لاكروا – الأب، توبي غودجر – الابن، هانا براون – الابنة

إنتاج/ بلو فوكس

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: العدید من عن الحوار من خلال

إقرأ أيضاً:

السيد القائد يبارك للشعب الفلسطيني ومجاهديه الانتصار العظيم


وقال السيد القائد في كلمته اليوم لقد منَّ الله على الشعب الفلسطيني ومجاهديه الأعزاء في قطاع غزة بالانتصار التاريخي العظيم
واضاف .. السيد القائد ..نتوجه بالحمد والشكر لله تعالى الذي أعان المجاهدين وثبت أقدامهم وأيدهم بنصره وأمد الشعب الفلسطيني بالثبات والصمود ونتوجه بأطيب التهاني والمباركة للشعب الفلسطيني بكل فصائله ومكوناته في الداخل والخارج بدءا بمجاهديه في قطاع غزة، كتائب القسام وسرايا القدس والفصائل المجاهدة
وتابع .. كان للتعاون بين الفصائل الفلسطينية أهمية كبيرة فيما منَّ الله به وتحقق من نتائج عظيمة
واشاد السيد القائد بالمجاهدين في غزة الذين كانوا على مستوى الإمكانات يقاتلون بإمكانات بسيطة ومحدودة مع حصار شديد في مقابل ما هو بحوزة العدو
مشيرا الى ان العدو حشد للمعركة في غزة بمشاركة أمريكية وبريطانية ما يساعده على تدمير أي نشاط مقاوم والقضاء على أي تحرك جهادي
وقال .. مع حجم التضحيات الكبيرة بقوافل الشهداء من القادة وفي طليعتهم الشهداء الأعزاء إسماعيل هنية والعاروري والسنوار رحمهم الله وقادة الميدان لم تنكسر إرادتهم
لافتا الى انه و بالرغم من التخاذل العربي الرسمي الواسع والموقف السلبي لبعض الأنظمة العربية وأيضا الموقف السلبي الشديد للسلطة الفلسطينية فقد وفق الله المجاهدين وأعانهم وثبتهم
واوضخ السيد القائد ..المجاهدون في غزة كانوا ثابتين وفاعلين في عملهم الجهادي وتصديهم البطولي للعدو الإسرائيلي وأبدعوا في التكيف مع مختلف الظروف العسكرية
وقال .. لقد نفذ المجاهدون في غزة عمليات بطولية وفدائية جهادية ستبقى في سجلهم التاريخي العظيم ملهمة للأجيال
مؤكدا ان عملية طوفان الأقصى نقلة نوعية في العمل الجهادي الفلسطين وان الصمود العظيم على مدى 15 شهرا نقلة عظيمة ومهمة وتجربة ناجحة
وان ثبات حركات المقاومة في الموقف السياسي وحمل حركة حماس لراية الجهاد السياسي لم يرضخ لكل الضغوط ومحاولات الابتزاز للقبول بصيغة استسلام
مشيرا الى ان جولات التفاوض وما قبلها وما بينها كانت ساحة حقيقية للمواجهة السياسية في مقابل حجم الضغوط الأمريكية والغربية
وان حركة المقاومة الإسلامية حماس ثبتت ومعها حركة الجهاد الإسلامي وبقية الفصائل الفلسطينية بتعاون تام وروح أخوية حتى تحققت النتائج المهمة
و بثبات الحاضنة الشعبية الفلسطينية بالرغم من الإبادة والحصار التام والتدمير لكل مقومات الحياة تحققت نتائج مهمة
وان ما قدمته الضفة الغربية من تضحيات وعمليات بطولية حقق نتائج مهمة ستستمر إن شاء الله في مسار تصاعدي

مقالات مشابهة

  • « التغير المناخي وعقوباته الوخيمة»
  • مكتب المبعوث الأممي يعقد اجتماعا في عدن لمناقشة المخاوف الاقتصادية التي تواجه اليمنيين
  • «أدنيك» يستضيف الدورة العاشرة لمعرض الورق
  • السيد القائد يبارك للشعب الفلسطيني ومجاهديه الانتصار العظيم
  • كلمة مرتقبه لقائد الثورة بمناسبة النصر العظيم للشعب الفلسطيني ومجاهديه
  • حرائق الغابات في كاليفورنيا.. ما هي أحدث التطورات؟
  • ترامب يمتدح وقف إطلاق النار في غزة ويصفه بالاختراق العظيم
  • السيد ذي يزن يفتتح الدورة الرياضية العاشرة لطلبة الجامعات الخليجية
  • سكان لوس انجلوس يبحثون عن مكان يؤويهم بعد حرائق الغابات
  • حماس: الاتفاق هو ثمرة صمود وصبر شعبنا العظيم والثبات الأسطوري لمقاومتنا