الدول المركزية عادة ما تكون دول هرمية مهما بلغت ديمقراطيتها، يسير القرار فيها والتأثير من أعلى لأسفل بانسيابية شديدة. وهو أمر له سلبياته، فحين يقرر رأس السلطة الانفراد بالقرار أو القمع لا يقوم بأي مجهود يذكر سوى بأن يأخذ القرار ثم يجد القرار سبيله نحو التنفيذ بشكل آلي.
وفي هذا النمط من الدول يتقمص كل شخص دور الرئيس وينفذ توجيهاته من دون تعليمات مباشرة.
تختلف البنية الهرمية للدولة عن طبيعة السلطة وممارستها في هذه الدولة. وأذكر أن أحد مرشحي الرئاسة من عدة سنوات في مصر سئل عن إمكانية إصلاح الأجهزة الأمنية في مصر فاعتبر ذلك أمر ليس بالصعوبة التي يبدو عليها، لأنها بحسب كلامه تقع ضمن منظومة هرمية، إذ يكفي أن تجري بعض التغييرات في قمة الهرم حتى يسري التغيير سريعا إلى القواعد.
ويبدو أن الجهات الاستشارية والشخصيات التي اعتمد عليها أحمد الشرع رسخت لديه هذا المفهوم، فطبعت كل تصريحاته بطابع الحديث عن الدولة والنظام وتهميش نمط الهيئة والفصائل، بل والتحدث عن حلها لصالح الدولة والنظام العام
وبالمناسبة، فإن معظم الأجهزة الأمنية في مصر كانت مكبلة في عهد الرئيس الراحل الدكتور محمد مرسي على الرغم من كثير من التجاوزات التي شابت عملها وعدم قدرته للسيطرة الكاملة عليها، ومع هذا لم يكن في مقدور هذه الأجهزة أن تتجاوز البنية الهرمية للسلطة ولصناعة القرار في البلاد، فبقيت غير قادرة على العودة لطريقتها القديمة سوى بعد رحيل الرئيس مرسي عن السلطة.
ورغم عيوب هذا النظام الهرمي الذي يربط معظم الأمور برأس السلطة، إلا أن له مزايا تتمثل في أن الولاءات غالبا ما تكون لقمة الهرم أكثر من كونها لحزب بعينه. ومن هذا المنطلق يمكن أن نفهم ظاهرت ما يسمى باللهجة السورية "التكويع"، أو تملق كثير ممن كانوا يؤيدون نظام بشار الأسد للثورة السورية والتغيير الجديد.
ويبدو أن الجهات الاستشارية والشخصيات التي اعتمد عليها أحمد الشرع رسخت لديه هذا المفهوم، فطبعت كل تصريحاته بطابع الحديث عن الدولة والنظام وتهميش نمط الهيئة والفصائل، بل والتحدث عن حلها لصالح الدولة والنظام العام.
وبالمناسبة، فإن التنظير للشكل الجديد الدولة ونمطها كان الشغل الشاغل لكثير من المفكرين السوريين والمعارضين خلال السنوات الماضية، على اعتبار أن نظام بشار سيرحل إن عاجلا أو آجلا. واتخذ هذا التنظير شكل سيناريوهات متعددة حضرتُ بعضا من جلساتها بسبب طبيعة عمل الصحفي. وأذكر أن أحدها هو ما تحقق بالفعل، فقد نشر معهد كارنيجي البحثي عام 2013، أي قبل أكثر من أحد عشر عاما، تقريرا بعنوان "بناء الدولة السورية في زمن الحرب" من إعداد الباحثين باتزكو وجيل دورونسورو. واقترح التقرير أن الحل للأزمة السورية في بناء دولة داخل الأراضي التي يسيطر عليها الثوار تحل مكان النظام في دمشق،التنظير للشكل الجديد الدولة ونمطها كان الشغل الشاغل لكثير من المفكرين السوريين والمعارضين خلال السنوات الماضية، على اعتبار أن نظام بشار سيرحل إن عاجلا أو آجلا غير أنه اعتبر أن التوترات الطائفية والتفكك السياسي يعيقان بناء المؤسسات ودمج الثوار فيها. وقد تحدث التقرير أيضا عن تحدي إقامة نظام هرمي متسلسل مقبول، واعتبره ضروريا لمؤسسات هذه الدولة.
والغريب أن التقرير استبعد إمكانية تحقق ذلك بسبب سيطرة بشار الأسد على مقاليد الأمور ومناطق كثير من البلاد، وتفاءل خيرا بالحكومة الانتقالية التي شكلها الائتلاف السوري المعارض آنذاك. وأثبتت الأيام خطأ النتيجة النهائية للتقرير ونجاح تحليله لوضع الدولة ومسار إنهاء الأزمة الذي تحقق بالفعل مع نموذج الدولة المصغرة للمعارضة في إدلب؛ الذي توسع وبسط سيطرته على كافة الأراضي السورية.
ستكون الأيام المقبلة فرصة عظيمة لمراقبة كيف تتحول الدول الهرمية مع تجربة بلد عربي مركزي كبير وبعد ثورة دموية هائلة، وسنرى كيف سيطبق السوريون الأفكار والتنظير الذي استمر لنحو عقد ونصف العقد من الزمان.
x.com/HanyBeshr
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه سوريا الأسد سوريا الأسد الثورة مقالات مقالات مقالات صحافة سياسة سياسة رياضة سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الدولة والنظام
إقرأ أيضاً:
سوريا: الشرع يشارك في قمة مع جوزاف عون وقادة اليونان وفرنسا وقبرص..ماذا بحثوا؟
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)-- أعلنت الرئاسة السورية، الجمعة، أن فرنسا استضافت قمة عبر "الزووم" جمعـت رئيس الإدارة الحالية في سوريا أحمد الشرع، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، والرئيس اللبناني، جوزاف عون، والرئيس القبرصي، نيكوس خريستودوليدس، ورئيس وزراء اليونان، كيرياكوس ميتسوتاكيس.
وقالت رئاسة الجمهورية العربية السورية في قناتها عبر تيليغرام، إن "القمة شهدت مناقشات هامة حول مجموعة من القضايا الإقليمية والدولية التي تمس الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وتناولت العديد من المواضيع الحساسة التي تؤثر على العلاقات بين الدول الخمس"، حسبما ذكرت وكالة الأنباء السورية "سانا".
وبحسب الرئتسة السورية، فقد تناولت القمة "أمن الحدود بين الدول المشاركة مع التركيز على المخاطر المشتركة التي تهدد المنطقة، خاصة من الميليشيات المسلحة والنزاعات الحدودية التي تتأثر بها جميع الأطراف، وتم التأكيد على أهمية تعزيز التعاون الأمني بين الدول المعنية لضمان أمن الحدود المشتركة".
ومن جانبه، أكد الشرع "أن سوريا تواجه تحديات أمنية كبيرة علــى حدودها الجنوبية"، مشيراً إلى أن "الوجود الإسرائيلي في الأراضي السورية يمثل تهديداً مستمراً للسلام والأمن الإقليمي"، طبقا لما أوردت الوكالة السورية الرسمية.
وأوضحت الرئاسة السورية أن القمة جاءت بمبادرة فرنسية.
ودعا الشرع إلى "ضرورة رفع العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الدول الغربية على سوريا"، مشيراً إلى "الأثر المدمر لهذه العقوبات على الاقتصاد السوري ورفاهية الشعب".
من جانبه، شدد الرئيس الفرنسي على أن "رفع العقوبات بات حاجة ملحة لتحقيق مزيد من التقدم السياسي داخل سوريا"، كما أبدى استعداده لمناقشة بعض الآليات التي يمكن من خلالها تخفيف بعض القيود الاقتصادية في إطار دعم الاستقرار في المنطقة.
واتفق المشاركون في القمة "على تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، وخصوصا في مجالات الطاقة والنقل"، كما توافقوا على دعم الإدارة السورية في الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وقال الشرع إن سوريا "قد بدأت خطوات حقيقية نحو الإصلاحات على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتعمل على بناء دولة مستقرة وقوية رغم التحديات التي تواجهها".
وشدد أحمد الشرع "على أن الموقف السوري ثابت في رفض الاعتداءات الإسرائيلية"، وأكد أن "سوريا ستواصل الدفاع عن حقوقها الثابتة، وأن الدعم العربي والدولي لم يعد خياراً بل ضرورة"، حسبما نقلت عنه وكالة "سانا".
كما شدد القادة المشاركون على أن "الدعم العسكري واللوجستي يجب أن يتواصل لمساعدة الدول المتضررة من الإرهاب، مع التأكيد على ضرورة العمل على إعادة تأهيل المناطق المتأثرة وتحقيق الاستقرار في سوريا وعلى حدودها"، طبقا لما أفادت وكالة "سانا".
وأضافت الرئاسة السورية أنه "تم التوافق على تأسيس علاقة جدية ومستقرة في سوريا الجديدة، وحشد الدعم الدولي وما نتج عن مؤتمر بروكسل لدعم جهود إعادة الإعمار، وكل ما يمكن أن يساهم في استعادة الاستقرار الإقليمي ودعم الجهود السورية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية".