أعتقد أن الحروبات ليست شراً مطلقاً، وعلى الرغم من أهوالها وفواجعها إلا إنها تكشف الكثير من المسكوت عنه، ومن خلال الآلام والجراحات والدماء والدموع والأشلاء يتم الإنتباه لأصل الأزمة وأسبابها الحقيقية وجذورها التأريخية وما تقود إليه من عدم الإستقرار السياسي والإجتماعي.
إن الحرب التي يدور رحاها بالسودان هي نتيجة للفشل التأريخي للصفوة السياسية وعوار دولة ما بعد الإستعمار التي قامت على العنف والإكراه وفرض الأمر الواقع بالقوة بدلاً عن الحوار والتفاوض وإبرام عقد إجتماعي بين "الشعوب" السودانية تحدد فيه ماهية الدولة التي تنشدها وكيفية حكمها وفق دستور توافقي يلبي تطلعات الحاضر والمستقبل، وأن تكون المواطنة هي الأساس الأوحد لنيل الحقوق وأداء الواجبات، وألا تتبنى الدولة أي هوية ثقافية أو دينية تعبر عن فئة/ات محددة من المجتمع المتعدد والمتنوع، أي كانت نسبة هذه الفئة لمجموع السكان، لجهة أن هكذا قضايا يجب ألا تخضع لمعايير الأكثرية والأقلية، لتعبر الدولة عن الجميع كمواطنيين متساويين.
إن الدولة السودانية قامت على الإستهبال والإستسهال، وغياب المشروع الوطني الجامع وضعف الإدارة والإرادة، وقد باتت المصالح والإمتيازات الصفوية والأطماع الشخصية والحزبية والجهوية هي المحرك لبوصلة أغلب المشتغلين بالسياسة والعمل العام، ونجد أن الصراع بين الأحزاب والتنظيمات إذا كانت على سدة السلطة أو المعارضة هو صراعاً فوقياً حول كرسي السلطة والإستئثار بها وليس صراعاً حقيقياً من أجل التحول المدني وتوطين الديمقراطية وتداول السلطة ، فكل الحكومات المتعاقبة منذ عام 1956 سواء كانت مدنية أم عسكرية أو حكومة " خاتف لونين" لا توجد إختلافات كبيرة بينها من حيث السلوك والممارسة؛ ولا تختلف إلا في أسمائها وتوجهاتها السياسية والأيدلوجية وجميعهم "أحمد وحاج أحمد" وإن شئت "ورل وشوربة الورل"...!!.
إن مجتمعاتنا السودانية هي الأخري في أغلبها قد قامت على أساطير كاذبة ومتوهمة، ونشأت على إدعاءات زائفة يكذبها واقعنا ، فلسنا أفضل البشرية وأكثرهم معرفة ودراية وكرماً ومروءةً وشجاعةً وذكاءًا.
ليس من المنطق أن يكون كل الشعب شاعراً وملحناً ومغنياً، ومحللاً سياسياً ورياضياً، وعالماً بالجغرافيا والحضارة والثقافة والتأريخ والأنساب، وخبيراً عسكرياً وإستراتيجياً، وكان الأول في فصله الدراسي والأول في دفعته...!!.
أيضاً مجتمعات عنصرية بإمتياز لم تكف عن تلقين النشء وهم النقاء العرقي وتفوقهم عمن سواهم من "الأغيار" بل نجد أن مرض العنصرية يمارس حتي داخل المكون القبلي أو العرقي الواحد، وغيرها من أمراض الجاهلية.
إن الحرب الدائرة الآن قد فضحت الكثير من الأوهام التي أضحت كالمسلمات في مجتمعاتنا التي باتت عارية أمام مرآة الحقيقة، وأبرز دليل أولئك الذين أصابهم داء الجشع والطمع، واستثمروا في معاناة المكتوين بنيران الحرب والتشرد ، فإرتفعت أسعار السلع والخدمات وتذاكر السفر بصورة جنونية غير مبررة، وصار إيجار منزل متواضع مبني بالجالوص في مدينة ولائية نائية يضاهي إيجار شقة في أحياء مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية...!!
كم سوداني في فجاج التشرد داخلياً أو خارجياً قد تعرض للنصب والإحتيال من بعض بني جلدته "مُدّعو المروءة والكرم "عبر حِيّل المساعدة في إيجاد مسكن أو قضاء خدمة، ومن إختفي عن الأنظار بما حصل عليه من "المال الحرام" دون وأزع من ضمير أو أخلاق...؟!!
رغم مصائب الحرب وفواجعها إلا أنها قد أظهرت حقيقة معادن بعضنا التي كانت تتخفي وراء الأكاذيب والإدعاءات وأثواب القداسة الزائفة، ومع ذلك هنالك قلة قليلة من هنا وهناك قد إرتقت مراقي الإنسانية ونُبلها وسماحة قيمها وأخلاقها ...!!
18 أغسطس 2023م
elnairson@gmail.com
المصدر: سودانايل
إقرأ أيضاً:
ماذا وراء تلميحات ترامب المتكررة بشأن ولاية ثالثة؟
قالت صحيفة نيويورك تايمز إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يمكنه الترشح لولاية ثالثة دون إجراء تعديلات على الدستور، إلا أن ذلك لم يمنعه من مغازلة الفكرة في السر والعلن.
فقد قال إنه لا يمزح عندما طرح الفكرة، وأكد -في مقابلة مع شبكة (إن بي سي نيوز)- على وجود "أساليب" للالتفاف على التعديل الـ22 للدستور الأميركي، الذي يؤكد أنه لا يجوز لرئيس الولايات المتحدة الترشح لأكثر من ولايتين رئاسيتين فقط.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2يديعوت أحرونوت: إسرائيل تحتاج دستورا لتلافي حرب أهليةlist 2 of 2أنا مسلم بريطاني فهل سأكون موضع ترحيب في أميركا ترامب؟end of listومع أن الصحيفة تقول، في تحليل لمراسلها بالبيت الأبيض تاير بيجر، إن الرئيس لم يحدد ما هي تلك الأساليب، ولا توجد مؤشرات واضحة على أنه يمهد بالفعل لولاية ثالثة، فإنها ترى أن مجرد طرحه للفكرة -سواء كان مستندا إلى الواقع أم لا- يخدم غرضا سياسيا واضحا.
وأوضحت أن الغرض يكمن في صرف الأنظار عن سجالات أخرى، مثل تسريب معلومات سرية حساسة خلال نقاشات دارت بين مسؤولين أميركيين كبار عبر تطبيق سيغنال شارك فيها صحفي عن طريق الخطأ، حول ضربة عسكرية مخطط لها ضد جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن.
ونفى ترامب أنه يخطط للترشح لولاية ثالثة، لكنه أبدى ترحيبه بمنافسة الرئيس السابق باراك أوباما في الانتخابات المقبلة. وذكر في تصريحات للصحفيين في البيت الأبيض أن "الناس يطلبون مني الترشح لولاية ثالثة ولم أبحث الأمر بعد.. يقولون إن هناك طريقة يمكنك القيام بها، لكنني لا أعرف عن ذلك، ولم أبحث فيه".
إعلانوكان أندي أوغلو العضو الجمهوري في مجلس النواب عن ولاية تينيسي، اقترح في يناير/كانون الثاني إجراء تعديل يسمح لترامب بالترشح لرئاسة ثالثة.
لكن نيويورك تايمز تقول إن المقترح لا يحظى بفرص نجاح كبيرة، إذ رفض كبار الجمهوريين في الكونغرس يوم الاثنين فكرة تعديل الدستور، وأشاروا إلى أن الرئيس كان يمزح عندما طرح الفكرة.
ونقلت الصحيفة عن ديف كارني -وهو خبير إستراتيجي كان يرأس مجموعة ضغط كبيرة مؤيدة لترامب تُسمى مبادرة "الحفاظ على أميركا"- القول إن إستراتيجية الرئيس تقوم على جعل الناس في حيرة من أمرهم وفي حالة تخمين بشأن حديثه عن فكرة الترشح للمرة الثالثة.
ووفقا لتقرير نيويورك تايمز، كان واضحا أن ترامب لا يريد أن يسرق أحد منه الأضواء، فبعد مرور أقل من 3 أشهر على ولايته الثانية، منح نفسه صلاحيات واسعة لإعادة تشكيل الحكومة الاتحادية وأظهر نمط تفكير يتيح توسعا في السلطة التنفيذية، كما عارض أي محاولات لكبح جماح طموحاته، وقد انساق أعضاء حزبه الجمهوري داخل الكونغرس مع أجندته متنازلين له عن الكثير من نفوذهم.
ويشعر الديمقراطيون بالقلق من أن تصريحات ترامب بشأن القضاة الفدراليين والولاية الرئاسية الثالثة تدفع البلاد نحو أزمة دستورية.
وقال النائب الديمقراطي رو خانا من ولاية كاليفورنيا، في مقابلة يوم الاثنين، "أنا قلق للغاية من أنه سيسعى إلى ممارسة أقصى قدر من السلطة حتى يتم التحقق من ذلك". وفي الوقت الحالي، يؤكد ترامب أنه يركز على فترة ولايته الثانية.
وقال للصحفيين على متن طائرة الرئاسة ليلة الأحد "لا أريد حتى التحدث عن ذلك. أريد فقط إخباركم بأن الكثير من الناس يقولون لي: أرجوك ترشّح مرة أخرى“، مضيفا "أمامنا طريق طويل ينبغي قطعه قبل أن نفكر حتى في ذلك".
إعلان